Nine Commentaries on the Communist Party

(“Nine Commentaries on the Communist Party” [1 – 9], Arabic version, December 2013)

لتحميل نسخة “وورد” من الكتاب الرجاء اضغط هنا 

المقالات التسعة عن الحزب الشيوعي
كتاب صدم جميـع الصينيين في العالم
كتاب يبدّد الحزب الشيوعي

الإيبوك تايمز
The Epoch Times


الفهرس
المقالات التسعة عن الحزب الشيوعي 1
كتاب صدم جميـع الصينيين في العالم 1
كتاب يبدّد الحزب الشيوعي 1
الإيبوك تايمز 1
The Epoch Times 1
الفهرس 2
المقدمة 7
المقالة الأولى : ما هو الحزب الشيوعيّ ؟ 9
توطئة 9
I. الاعتماد على العنف والرعب للاستحواذ على السلطة والحفاظ عليها 10
II. اللجوء إلى الكذب لتبرير العنف 11
III. مبادئ متغيّرة دومًا 12
VI. كيف أنّ طبيعة الحزب تـحلّ محلّ الطبيعة الإنسانية وتقضي عليها 13
V. كائن شرّير يقف ضدّ الطبيعة والطبيعة الإنسانية 14
IV. بعض مظاهر هذا التملــّك الشرّير 15
VII. أن ننظر إلى أنفسنا ونتخلــّص من الـح ش ص 16
المقالة الثانية : بدايات الحزب الشيوعي 18
توطئة 18
I. تكوّن الـح ش ص بواسطة تراكم مستمرّ للشرور 20
1- أولى الملامح الموروثة : الفساد – ارتداء الصورة الفاسدة للماركسية-اللينينية 20
2- ثاني الملامح الموروثة : الكذب – ينبغي على الشرّ أن يكذب لكي يتظاهر بالاستقامة 21
3- ثالث الملامح الموروثة : الاستفزاز – إثارة الكره وتحريض الشعب على الصراع 22
4- رابـع الملامح الموروثة : إخلاء المجال لحُـثالة المُجتمع – منبوذو المُجتمع يُكوّنون فرق الـح ش ص 22
5- خامس الملامح الموروثة : الجوسسة – التسرّب، بثّ الفتنة، التفكيك والتعويض 23
6- سادس الملامح الموروثة : النهب – سلب الناس عن طريق الحيلة أو عن طريق القوّة يُضحي “نظامـًا جديدًا” 24
7- سابع الملامح الموروثة : الصراع – تحطيم النظام القوميّ وتحطيم الطبقات وتحطيم النظام الموروث 24
8- ثامن الملامح الموروثة : التصفية – وضع إيديولوجيا كاملة هي ايديولوجيّة المجزرة 25
9- تاسع الملامح الموروثة : السيطرة – استعمال مبادئ الحزب لمُراقبة الحزب ككُـلّ وبالتالي استعمال باقي المجتمع 25
II. التأسيس المُخجل للـح ش ص 26
1- تأسّس الـح ش ص – نشأته في حضن الاتحاد السوفييتي 26
2- التحالف الأوّل بين الك م ت والـح ش ص – طفيليّ يتسرّب داخل بعثة الشمال ويُعرقلها [14] 28
3- حركة تمرّد قرويي هونان – تحريض حثالة المجتمع على الثورة 29
4- العمليّة العسكريّة “ضدّ اليابان” نحو الشمال – سرقة المغلوبين 30
5- حادثة سيآن – الـح ش ص ينضمّ مرّة أخرى إلى الـك م ت 30
6- الحرب ضدّ اليابان – الـح ش ص ينمو ويزداد ممارسًا القتال بأسلحة مستعارة 31
7- إصلاح يانآن – خلق طرق الاضطهاد الأكثر رعبًا 32
8- ثلاث سنوات من الحرب الأهلية – خيانة الوطن للحصول على السلطة 33
III. تجلـّي ملامح الفساد 34
1- خوف متواصل يطبـع مراحل تاريـخ الحزب 34
2- الشرّ هو “السلاح السحري” الذي استـُعمِل لتأسيس الـح ش ص 35
3- الـح ش ص عصابة دنيئة ومُحترفة 35
4- الحزب الشيوعي هو الأشدّ إيذاءًا 36
خاتمة 38
المقالة الثالثة : طغيان الحزب الشيوعي الصيني 42
توطئة. 42
I. الإصلاح الزراعي – تصفية طبقة أصحاب الأملاك 43
II. الإصلاح الصناعي والتجاري – تصفية طبقة الرأسماليين 44
III. قمع المجموعات الدينية والشعبية 45
IV. حركة ضدّ- اليمينيين – غسل دماغ على نطاق قوميّ 46
V. القفزة الكبرى نحو الأمام – اختلاق أكاذيب لاختبار ولاء الشعب 47
VI. الثورة الثقافية – استحواذ شيطاني يهزّ العالم 48
VII. عصر الإصلاح الاقتصادي – العنف يتطور مع الزمن 51
1- صنع القانون 51
2- التضليل المعلوماتي 52
3- التربية 52
4- تنفيذ السياسات 53
VIII. إخضاع كامل البلاد لغسل دماغي وتحويلها لـ “سجن فكري” 54
خاتمة 55
المقالة الرابعة : الحزب الشيوعي قوّة مناهضة للكون 58
توطئة 58
I. مكافحة الناس والقضاء على الطبيعة الإنسانية 59
انقلاب مفاهيم الحق والباطل يقضي على الإنسانية 59
الفساد يتجاوز قانون التناتج والتضادّ الدائميْن 62
II. مكافحة الأرض ومعارضة قوانين الطبيعة يتسبّب في كوارث لا تـنتهي 63
1- صراع الطبقات يمتدّ ليشمل الطبيعة 63
2- بإدخال الاضطراب على الطبيعة، يجني الـح ش ص ما زرعه 64
III. مكافحة السماء، بإزالة العقيدة وبرفض الإيمان بالله 65
1- أنـّى لكائن محدود أن يُدرك الفضاء والزمان اللا- متناهييْن ؟ 65
2- الـح ش ص يدمّر العقيدة الحقــّة للإنسانية 66
خاتمة 67
المقالة الخامسة : تواطؤ جيانغ زمين والحزب الشيوعي الصيني معًا في اضطهاد الفالون غونغ 70
توطئة 70
I. الظروف المتشابهة تـُفرز أحداثـًا متشابهة 72
II. حـقّ رحـمة تسامح : كلمات تُقضّ مضجع جيانغ زمين والـح ش ص 73
1- الفالون غونغ يعلــّم “الحقّ، الرحمة، التسامح” والحزب الشيوعي ينشر “الكذب، الكره، الصراع” 73
2- أولئك الذين لديهم إيمان حقيقي بقلوبهم لا يعرفون الخوف ؛ وخوف الناس ركيزة أساسية للـح ش ص للحفاظ على حياته 74
3- القيم الأخلاقية العالية للفالون غونغ تـُؤرق الـح ش ص 75
4- الـح ش ص تتملــّكه الغيرة الشديدة من الطريقة التي انتشر بها الفالون غونغ وطريقة تسييره 75
5- الحزب الشيوعي يعتبر أنّ “الطابـع الديني” للفالون غونغ يهدّد شرعيّة النظام 76
III. جيانغ زمين والـح ش ص يستعمل كلّ منهما الآخر 78
IV. كيف استعمل جيانغ زمين الـح ش ص ليقمع الفالون غونغ 79
1- استخدام وسائل الإعلام لمنع مرور المعلومة 80
2- فرض ضرائب والسطو على المنازل بدون مذكّرة قانونية 81
3- أعمال تعذيب قاسية وقـتل تعسّـفي 82
4- مكتب 610 يمدّ مجسّاته خارج الجهاز القضائي 83
5- استعمال الجيش والموارد المالية القومية لنشر الاضطهاد 84
V. جيانغ زمين يسبّب انهيار الـح ش ص من داخل الحزب 85
خاتمة 86
المقالة السادسة : كيف دمّر الحزب الشيوعي الثقافة الموروثة 89
توطئة 89
I. لماذا أراد الح ش ص تدمير الثقافة الصينية ؟ 91
1- الإرث الطويل للثقافة الصينية ينبني على الإيمان والفضيلة 91
2- النظرية الشيوعية الفاسدة تقف على طرف النقيض من الثقافة والتراث 93
3- الثقافة العريقة حاجز أمام ديكتاتورية الح ش ص 93
4- الثقافة العريقة تتحدّى شرعيّة حكم الح ش ص 94
II. كيف يعرقل الحزب الشيوعي الثقافة الموروثة 94
1- تحطيم الديانات الثلاث في نفس الوقت 95
2- أسلوب خاص في القضاء على الدين 96
3- تخريب الآثار الثقافية 98
4- تدمير المعتقدات الروحية 99
5- تدمير بلا حدود 100
6- إصلاح المثقفين 100
7- خلق ظاهر ثقافة مع الحفاظ على شبه تراث وتعويض محتواه 102
ΙΙΙ. ثقافة الحزب 103
1- جانب السيطرة والتحكـّم 103
2- مظاهر الدعاية 104
3- جانب العلاقات بين الأفراد 106
4- الآثار الخفيّة على نفسيّة الناس وتصرّفاتهم 106
خاتمة 108
المقالة السابعة: تاريخ الحزب الشيوعي الصيني تاريخ تقتيل 116
توطئة 116
I. مجزرة مروّعة 118
1- قمع الرجعيّين والإصلاح الزراعي 119
2- “حملة الأضداد الثلاثة” و”حملة الأضداد الخمسة” 120
3- المجاعة الكبرى 121
4- من الثورة الثقافية إلى مجزرة ساحة تيانانمن وإلى الفالون غونغ 122
II. طرق في القتل على غاية من القسوة 123
1- المجازر في شمال الصين أثناء الحرب الصينيةـ اليابانية 123
2- الرعب الأحمر أثناء “أغسطس الأحمر” ووحشيّة غوانغسي 124
3- اضطهاد الفالون غونغ 126
III. صراع دون هوادة داخل الحزب 127
VI. تصدير الثورة، قتل الناس خارج البلاد 129
V. تدمير الأسرة 129
VI. أشكال القتل وعواقبه 131
1- إيديولوجية القتل لدى الح ش ص 131
2- أشكال مختلفة للقتل حسب الظروف 133
أ ـ الدعاية تسبق الفعل 133
ب ـ تشجيع الشعب على قتل بعضه بعضًا 134
ج ـ تدمير نفسيّة الشخص قبل قتله جسديّا 134
د ـ القتل عبر التحالف مع الناس أو استعبادهم 134
هـ ـ قتل التهديدات المُحتمَلة في الرحم وجرائم القتل اللاّ ـ قانونية والسرّية 134
و ـ قتل الفرد الواحد يصلح درسًا لبقيّة الأفراد 135
ز ـ استعمال القمع لإخفاء حقيقة القتل 135
المقالة الثامنة: كيف أن الحزب الشيوعي الصيني طائفة شريرة 141
توطئة 141
I. الخصوصيّات الطائفيّة للح ش ص 141
1- خلق المذاهب وتصفية المعارضين 142
2- نشر عبادة الفرد وتفوّق الرأي الواحد 143
-3غسل دماغيّ عنيف، تحكّم فكري، تنظيم مُحكم، وبعد الانخراط يُمنَعُ على الشخص منعًا باتّا أن يستقيل 144
4- التحريض على العنف وعلى المجازر وعلى التضحية من أجل الحزب 145
5- رمي الاعتقاد بالله وقمع الطبيعة البشرية 145
6- استيلاء الجيش على السلطة، احتكار الاقتصاد، طموحات سياسية واقتصادية لا جماح لها 146
II. الأضرار التي سببتها طائفة الح ش ص 147
1- الطائفة تصير دينا حكوميا 147
2- التحكّم في المجتمع يصل إلى أقصى حدّ 147
3- الدعوة إلى العنف واحتقار الحياة 148
.IIIالطبيعة الطائفية للحزب الشيوعي 149
.VIنظرية الحزب الشيوعي حول نهاية العالم- الخوف من نهاية الحزب 150
.V الصراع القاسي : سلاح ثمين وفعّال تستعمله هذه الطائفة للبقاء 150
.IVتدهور الطائفة الشيطانية – طائفة الح ش ص 154
.IIV وقفة تأمّل في الحكم الشرّير للح ش ص 155
-1ما هو الحزب الشيوعي ؟ 155
-2لماذا يظلّ الناس على جهلهم ؟ 156
-3كيف الخلاص ؟ 157
خاتمة 158
ملاحظات : 158
المقالة التاسعة : الطبيعة عديمة الضمير للحزب الشيوعي الصيني 160
توطئة 160
.Iالطبع عديم الذمّة للح ش ص لم يتغيّر أبدًا 161
لأجل من قام الح ش ص بالإصلاح ؟ 161
ماذا ستفعل الصين بدون الحزب الشيوعيّ ؟ 162
ما هو السبب الأصلي للاضطراب ؟ 163
II. الح ش ص يُضحّي بالنمو الاقتصادي 163
1- يبني الح ش ص مصداقيّته على عمل الآخرين وجهودهم 163
2- المساوئ الاقتصادية الناتجة عن رؤية على المدى القصير 164
التطوّر الاقتصادي للح ش ص باهظ الثمن 164
الح ش ص يخدع الفلاّحين بطريقة متكرّرة 165
الضغط على البلدان الغربية من خلال المصالح الاقتصادية 166
III. تقنيات غسل الدماغ التي يمارسها الح ش ص تتحوّل من العلن إلى الخفاء 167
.IV خداع الح ش ص بشأن حقوق الإنسان 168
من استخدام الديموقراطية للاستحواذ على السلطة إلى السلطة الاستبدادية والخداع بشأن حقوق الإنسان 168
ارتكاب أفعال مُشينة من وراء قناع والتخفّي وراء القانون 170
الح ش ص يُمسك بأكثر من مليار شخص رهائن لفلسفته الفاسدة 171
الجزرة والعصا، من منح “الحرّية” إلى تصاعد القمع 171
V. نواح مختلفة من طبيعة الح ش ص عديمة الضمير 172
بيع أرض الأمّة زهوًا وافتخارًا وخيانة البلاد تحت مُسمّى “الوحدة الوطنية” 172
رجال سياسة خونة وعديمو الأخلاق 173
استعمال الحيلة : من المقاومة الكاذبة أثناء الغزو الياباني إلى مكافحة الإرهاب المضلّلة 174
التظاهر بالصدق وقبول الأشياء ظاهريّا مع رفضها في الباطن 175
التخلّي عن الضمير والتضحية بالعدل خدمة لمصالح الحزب 176
الح ش ص يستغلّ المشاعر الوطنية ليعبّأ الشعب 176
انعدام الضمير- وضع الحزب في مرتبة قبل البلاد وإجبار الناس على اعتبار عدوّهم مثل والدهم 177
لعبة “الإصلاح” ووصف أعمال إجرامية بأنها “نجاحات كبرى” 177
VI . شرّ الح ش ص يظهر في لجوءه لإرهاب الدولة لمهاجمة مبادئ “الحق، الرحمة، التسامح” 178
.VII اشتراكية جائرة بخصوصيّات صينية 179
طرق مزاجيّة وخدّاعة 179
حزب ما كيافلّي بـ “خصوصيّات صينية” 180
الأمّة الصينية تواجه أزمة أخلاقية لم يسبق لها مثيل 180
خاتمة 181


المقدمة
إثر مرور عشر سنين على انهيار الاتحاد السوفييتي سابقــًا، والأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، نجد
اليوم أنّ العالم بأسره قد لفظ الحركة الشيوعية وأعرض عنها، ونظنّ أنه لم يبق في عمر الحزب الشيوعي الصيني (ح ش ص) غير أيّام معدوداتٍ.
ومع ذلك، وقبل أن ينهار تمامًا، يحاول الـح ش ص جاهدًا أن يربط مصيره بالأمّة الصينية وحضارتها التي تمتدّ على خمسة آلاف سنة. هذه كارثة بالنسبة للشعب الصيني. كيف ننظر للـح ش ص ؟ كيف نمرّ إلى مجتمع بدون ح ش ص ؟ كيف نحافظ على التراث الصيني وننقـله ؟ هذه هي الأسئلة الكبرى التي يواجهها الشعب الصيني حاليّا. اليوم، تـنشر صحيفة الإيبوك تايمز سلسلة خاصّة : تسع مقالات عن الحزب الشيوعي. وقبل أن ينطبق الغطاء على تابوت الـح ش ص، بودّنا أن نطلق حكمًا نهائيّا عليه وعلى الحركة الشيوعية عبر العالم، هذه الحركة التي كانت – و لأكثر من قرن – كارثة كبرى على الإنسانية.
لمدّة أكثر من ثمانين سنة، كلّ ما وضع الـح ش ص عليه يده كان دائمًا يتـّصف بالخداع، والحروب، والمجاعة، والطغيان، والمجازر، والرعب. دُمّرت الاعتقادات والقيم الأصلية تدميرًا عنيفـًا. ووقـع تفكيك المفاهيم الأخلاقية والبنى الاجتماعية قسرًا. أبدِل الودّ والمحبة والانسجام بين الناس بالصراع والكراهية. تقديس السماء والأرض واحترامهما حلــّت محلــّه الرغبة المتغطرسة في مصارعة السماء والأرض. وما نتج عن ذلك هو انهيار تامّ للأنظمة الاجتماعية، والأخلاقية، والبيئية للمجتمع، وأزمة عميقة للشعب الصيني – وفي الحقيقة لكلّ المجتمع الإنساني. كلّ هذه المصائب حدثت نتيجة لتصرّفات الـح ش ص، لتخطيط الـح ش ص، وللهيمنة المقصودة للـح ش ص.
على حدّ تعبير قصيدة صينية مشهورة تعود إلى فترة العائلة المالكة سونغ :”ما العمل، ونحن نقف عاجزين أمام مرأى الزهور وهي تذوي ؟”. إنّ نهاية الـح ش ص قريبة، هو الآن في وضع ميئوس منه وأيامه صارت معدودة. وقبل اختفاءه تمامًا، نظنّ أنه حان الوقت للتأمّـل وإلقاء نظرة فاحصة ومتبصّرة على الماضي، لنكشف للعيان كلّ نواحي هذه المُنظمة الطائفية، أكبر مُنظمة وأكثرها فسادًا عبر التاريـخ. نرجو أنّ أولئك الذين لا يزالون مخدوعين بهذا النظام سيتسنـّى لهم أن يروْا بوضوح حقيقة طبيعته، أن يطهّروا أنفسهم من سمومه، أن ينعتقوا من سيطرته الفاسدة، أن يتحرّروا من نيْر الرعب ويتخلــّصوا من كلّ الآمال الواهمة التي يعلــّقونها عليه.
إنّ حكم الـح ش ص هو أكثر صفحة قاتمة وأكثر صفحة سخيفة في تاريـخ الصين. ضمن القائمة الطويلة لجرائمه، ربّما تكون أكثرها شرّا هي اضطهاد الفالون غونغ. بمعارضته لـ “حقّ، رحمة، صبر” دقّ الـح ش ص بنفسه المسمار الأخير في نعشه. تعتقد أسرة صحيفة الإيبوك تايمز أنّ الفهم الحقيقي لتاريـخ الـح ش ص سيساعدنا على منع مثـل تلك المآسي من الوقوع مرّة أخرى. وفي نفس الوقت، نأمل أنّ كلّ فردٍ منـّا سيفكـّر مليّا في وضعه، ويفكـّر مإذا كان جبننا وموافـقتنا الصّامتة لم يجعلانا متواطئين في حدوث كثير من المآسي التي كان بالإمكان تجنـّب حدوثها.

المقالة الأولى : ما هو الحزب الشيوعيّ ؟
توطئة
طيلة أكثر من 5.000 سنة، أنشأ الشعب الصيني حضارة عظيمة على الأرض التي يرويها النهر الأصفر ونهر يانغتسي. على امتداد هذه الحقبة الطويلة من الزمن، وُلدت ممالك واندثرت ممالك، وازدهرت الثقافة الصينية وأفـل نجمها. وتعاقبت أحداث كبرى ومُؤثرة على الساحة التاريخية للصين.
استنادًا لمُعظم المُؤرّخين، يفتتح عام 1840 بداية تاريـخ الصين المُعاصر، بداية سفرها من الأصالة إلى الحداثة. لقد كان على الحضارة الصينية أن تـُواجه أربعة مراحل عـُظمى من التحدّيات والردود. المراحل الثلاثة الأولى تتمثل في هجوم قوات تحالف انكليـزية- فرنسية على بيكين في مطلع السنوات 1860، ثمّ الحرب الصينية-اليابانية في 1894 (وتـُسمّى أيضًا “حرب جياوو”) والحرب الروسية-اليابانية في الشمال الشرقي للصين في 1906. وقد ردّت الصين على هذه التحدّيات الثلاثة بحركة تغريبٍ : استيراد البضائع والأسلحة الحديثة، وتغييرات هيكـلية من خلال الحركة الإصلاحية في 1898 [1]، ومُحاولة لوضع نظام تأسيسيّ مع نهاية مملكة تشينغ، وأخيرًا ثورة كسينهاي (أو ثورة هسينهاي) [2] في 1911.
رغم أنّ الصين قد خرجت مُنتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولى، فإنها لم تكـُنْ من ضمن القوى الكبيرة. الكثير من الصينيّين كانوا يروْن ردود بلادهم على هذه التحدّيات الثلاثة الكبيرة على أنها فشل. وكانت حركة 4 مايو [3] هي التي ستـقود إلى المحاولة الرابعة للردّ على التحدّيات السابقة، مُفضية إلى التغريب الكامل للثقافة الصينية وذلك عبـر الحركة الشيوعية وثورتها الجذرية.
هذا المقال يتناول بالتحليل نتائج المرحلة الأخيرة، أي الحركة الشيوعية والحزب الشيوعي. فلننظر عن كثبٍ إلى نتيجة ما اختارته الصين، أو ربّما علينا القول، ما فـُرِضَ عليها. 160 سنة قد مرّت، وقرابة مائة مليون شخص قد ماتوا موتةً غير طبيعية، وتقريبًا كلّ شيءٍ في الثقافة والحضارة الموروثتيْن الصينيتيْن قد وقع تدميره.

I. الاعتماد على العنف والرعب للاستحواذ على السلطة والحفاظ عليها
“الشيوعيون لا ينحدرون إلى مستوى إخفاء آرائهم ومشاريعهم. إنهم يُعلنون صراحةً أنّ أهدافهم لا يُمكن بلوغها سوى عبـر الإطاحة العنيفة بكامل النظام الاجتماعي السابق” [4]. هذا الشاهد مأخوذ من الفقرة الأخيرة في بيان الحزب الشيوعي، النصّ الرسمي للحزب الشيوعي (ح ش). العنف هو الوسيلة الوحيدة والأساسية التي وصل الحزب الشيوعي بواسطتها إلى السلطة. وانتقـلت هذه الخاصّية إلى كلّ الأشكال اللاحقة للحزب التي ظهرت منذ نشوءه.
في الواقع، الحزب الشيوعي الأوّل في العالم قد تأسّس بعد سنواتٍ كثيرةٍ من موت كارل ماركس. في السنة التي تـَـلتْ ثورة أكتوبر 1917، وُلـِدَ “الحزب الشيوعي (البـولشيفي) الروسي” (والذي عـُرفَ أكثر فيما بعدُ باسم “الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي”). ونما هذا الحزب مستعملاً العنف ضدّ “الأعداء الطبقيين” وحافظ على وجوده أيضًا بواسطة العنف ضدّ أعضاء الحزب والمُواطنين العاديّين. أثناء عمليّات التطهيـر التي نظمها ستالين في السنوات 1930، قـتـّـل الحزب الشيوعي السوفييتي أكثر من 20 مليونـًا ممّن زُعـِمَ أنهم جواسيس وخـَوَنة، وأيضًا أولئك الذين يُشتـَبَهُ أنّ لديهم آراء مُخالفة.
في البداية، بدأ الحزب الشيوعي الصيني (ح ش ص) بصفته فرعًا من الحزب الشيوعي السوفييتي أثناء العالمية الشيوعية الثالثة. إذن فقد ورث بطبيعة الحال نزعته للقـتل. أثناء الحرب الأهلية الأولى بين الشيوعيين والكوومينتانغ (ك م ت)، من 1927 إلى 1936 في الصين، أضحى عدد سكـّان مقاطعة “دجيانغ تسي” بضعة عشرة ملايين نسمة بعد أن كانوا يزيدون على العشرين مليون نسمة. هذه الأرقام وحدها تـُعبّر تعبيرًا بليغـًا عن الكوارث التي سبّبها استعمال العنف.
العنف هو ربّما وسيلة لا مناص منها للاستحواذ على السلطة السياسية، ولكن لم يوجد أبدًا نظام له نزعة واستعداد للقـتل مثـل التي لدى الـح ش ص، وخاصّة ً في الفترات الهادئة. منذ 1949، تجاوز عدد القـتلى الذين ذهبوا ضحيّة عنف الـح ش ص مجموع عدد ضحايا الحرب الأهلية ما بين 1927 و 1949. المُساندة المُقــَدّمة للخمير الحُمر الكمبوديين هي مثال واضح على الطرق العنيفة للحزب الشيوعي. تحت حُكم الخمير الحُمر، تمّ قـتل أكثر من رُبـع الشعب الكمبوديّ، وهو يضمّ مُعظم الصينيين المُهاجرين وأبنائهم. والصين اليوم تـُواصل منع المُجتمع العالمي من تـتبـّع الخمير الحُمر عدليّا بغاية الاستمرار في إخفاء الدور الهامّ الذي لعبه الـح ش ص في تلك المجزرة.
لدى الـح ش ص روابط وثيقة مع القوات المُسلحة الثورية ومع الأنظمة الاستبدادية الأكثر قسوةً في العالم. إضافة إلى الخمير الحُمر، فإنّ الأحزاب الشيوعية لأندونيسيا، للفيليبين، لماليزيا، للفيتنام، لبيرمانيا، لللاووس وللنيبال قد تمّ مُساندتها كلها من طرف الـح ش ص. الكثير من مُسيّري هذه الأحزاب هم صينيّون، وبعضهم لا يزال مُختبئـًا في الصين اليوم.
فظائع المجموعات الشيوعية الأخرى التي تنسبُ نفسها إلى الماويّة، مثل الدرب المُنير في أمريكا الجنوبية والجيش الأحمر في اليابان، قد وقع إدانتها من طرف المُجتمع العالمي.
إحدى النظريات التي يستعملها الشيوعيون هي الداروينية الاجتماعية. الحزب الشيوعي يـُطبـّق نظرية داروين في صراع الأجناس على العلاقات الإنسانية والتاريـخ الإنساني، مُدّعيًا أنّ صراع الطبقات هو القوّة الوحيدة المُحرّكة لـنموّ المُجتمع. وهكذا أصبح الصراع – “الدوغما” (الوثوقية) الأولى للـح ش ص – وسيلةً للحصول على السيطرة السياسية والحفاظ عليها. العبارات الشهيرة لماوو تنـمّ بوضوح عن منطق بقاء الأقوى هذا :”مع 800 مليون بشر، كيف يُمكن أن تسير الأمور دون صراع ؟”
حسب تأكيدٍ آخر لماوو شهير هو أيضًا، “يجبُ أن تـُقادَ ثورة ثقافية كلّ سبـع أو ثماني سنين” [5]. لقد استعمل الح ش ص القوّة بشكل مُتكرّر لكي يُرعب ويُخضع الشعب الصيني. كلّ صراع، كلّ حركة، كانا مُمارسةً للرعب، أرعدت قـلب الشعب الصيني وأخضعته شيئـًا فشيئـًا للعبودية تحت نيْـر الـح ش ص.
اليوم، أصبح الإرهاب العدوّ الأوّل للعالم الحُرّ المُتحضر. لقد مارس الـح ش ص، بفضل الجهاز الحكومي، إرهابًا عنيفـًا، على نطاق أوسع بكثير، ولمُدّة أطول بكثير، وذا نتائج مُدمّرة ومُخرّبة أكثر. اليوم، في القرن الحادي والعشرين، حذار أن ننسى هذه الخاصّية الوراثية في الحزب الشيوعي، إذ ما كانه الحزب في الماضي، هو حتمًا الذي يُحدّد ما سيكونه في المُستقبل.

II. اللجوء إلى الكذب لتبرير العنف
يُمكن أن نقيس المستوى الحضاري من خلال مدى العنف الذي يستعمله نظام مّا. إنّ الأنظمة الشيوعية بلجوئها إلى العنف، قد تقهقرت بالحضارة الإنسانية خطوةً هائلةً إلى الوراء. ومن المؤسف أنّ الحزب الشيوعي قد تـمّ اعتباره تـقدّميّا من قـِبَل أولئك الذين كانوا يظنـّون أنّ العنف هو وسيلة ضرورية للتـقدّم بالمُجتمع.
ينبغي أن نتأمـّـل الاستسلام للعنف على ضوء الخاصّية الوراثية الثانية للحزب الشيوعي : وهو مهارته الفائقة ومُنقطعة النظيـر في استعمال الكذب والخداع.
“منذ نعومة أظفارنا ونحن نرى في الولايات المُتحدة بلدًا صديقـًا. هذه الفكرة مردّها، في ناحيةٍ منها، أنّ الولايات المُتحدة لم تحتـلّ أبدًا بلدًا آخر، ولم تـُهاجم أبدًا الصين. وبالأساس، الانطباع الطيّب الذي يحمله الصينيون عن الولايات المُتحدة يرتكـز على طبيعتها المُنفتحة والديموقراطية”.
هذا ما كان قد نـُشِرَ بـ 4 يوليو 1947 في “السينهوا دايلي”، الجريدة الرسمية للح ش ص. ولم تكـدْ ثلاث سنين تمرّ، إلاّ وكان الح ش ص قد أرسل جنودًا لكي يُحاربوا الفرق الأمريكية في كوريا الشمالية وكان يُصوّر الأمريكيين على أنهم الامبرياليين الأكثر فسادًا في العالم. كلّ صينيّ يعيش في شبه القارّة الصينية سيتفاجئ إن قرأ وجهة النظر تلك المكتوبة منذ أكثر من 50 سنةً. لقد منع الح ش ص كلّ إصدارٍ يحتوي على فقراتٍ مُماثلة لتلك وأصدر منها نـُسَخـًا تـمّ إعادة كتابتها.
منذ وصوله إلى السلطة، استعمل الح ش ص الكذب في القضاء على أعداء الثورة (1950-1953)، أثناء “التعاون” بين الشركات العمومية والخاصّة (1954-1957)، وأثناء حركة “ضدّ-اليمينيين” (1957)، وأثناء الثورة الثقافية (1966-1976) وأثناء مجزرة تيانانمن (1989)، وكذلك أثناء ما وقع حديثـًا من تقـتيل للفالون غونغ (1999). وأشهر مثال، وشهرته مليئة بالأسى، هو تقـتيل المُثقـفين في 1957. لقد طلب الـح ش ص من المُثقـفين أن يُعبّروا عن آرائهم ولكنه ما لبث إثر ذلك أن قـتـّـلهم بحُجّة أنهم “يمينيـّون” مُستدلاّ بأقوالهم كبراهين على “جرائمهم”. وعندما ندّد البعض بهذا التقـتيل بكونه مقـلبًا أو مُؤامرةً محبوكةً في الخفاء، أعلن ماوو على الملأ :”ليس بمُؤامرةٍ محبوكةٍ في الخفاء، إنها خـُطـّة مكشوفة للجميـع.”
لعبت الخديعة والأكاذيب دورًا هامّا جدّا في استحواذ الح ش ص على السلطة والحفاظ عليها. إن للصين أطول تاريـخ وأكمل تاريـخ في العالم والمُثقـفون الصينيون قد آمنوا دومًا بالتاريـخ. استعمل الشعب الصيني التاريـخ لكي يُقـيّم الواقع الحاليّ بل وحتـّى بغاية تحقيق تـقدّم روحي على المستوى الشخصيّ. ولكي يخدم التاريـخ النظام الحاليّ، فقد لجأ الـح ش ص بصفةٍ مُتكرّرةٍ ودائمةٍ إلى تحوير الحقيقة التاريخية وإخفاءها. في حملاته الدعائية وفي إصداراته، أعاد الـح ش ص كتابة التاريـخ، من تاريـخ الفترات البعيدة مثـل فترات “الربيـع والخريف” (770-476 ق م) و “الممالك المُحاربة” (475-221 ق م)، وصولاً إلى الثورة الثقافية قريبة العهد. منذ 1949، استغرقت هذه التحويرات مدّة أكثر من نصف قرن، وكلّ الجهود الرامية إلى إعادة الحقيقة التاريخية إلى أصلها اصطدمت بمعارضة الـح ش ص.
عندما يُضحي العنف غير كافٍ للحفاظ على السيطرة، يلجأ الـح ش ص إلى الخديعة والكذب اللذان يصلـُحان كمُبرّر وقناع تـتوارى وراءه سيادة العنف وهيمنته. طبعًا، علينا الإقرار بأنّ الكذب والخديعة ليسا من اختراع الحزب الشيوعي، بل إنّ هذه رذائـل قديمة جدّا استعملها الـح ش ص بكلّ حرّية ودون رادع. لقد وعد الـح ش ص الفلاحين بأراض ٍ، ووعد العمّال بمصانع، ووعد المُثقـفين بالحرّية والديموقراطية، ووعد الجميـع بالسلام. ولم يتـمّ الوفاء بأيّ من هذه الوعود. جـيل من الصينيين مات مخدوعًا، وجـيل آخر تـتواصل إلى اليوم عمليّة نهبه واستنزافه. نعم، وهذا هو الجانب الأكثر تعاسة في الأمّة الصينية، وهو ما سبّب شقاء الصينيين أكثر.

III. مبادئ متغيّرة دومًا
أثناء الحوار التلفزي الذي دار في 2004 بمناسبة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، قال أحد المترشحين أنه بإمكان المرء تغيير خـُططه التكتيكية إن اقـتضى الأمر، ولكن عليه ألاّ يُغيّر أبدًا “مُعتقداته” أو “قيمه الأساسية”، وإلاّ فسيكون بكلّ بساطةٍ “غير جدير بالثقة” [6]. هذا التصريـح يُساعد على فهم مبدأ عامّ.
الحزب الشيوعي هو مثال نموذجي على ذلك. منذ ولادته، منذ أكثر من 80 سنةً، عقد الـح ش ص 16 مُؤتمرًا وطنيّا وغيّر 16 مرّةً المجلس التأسيسي للحزب. أثناء أكثر من 5 عقود من السلطة، قام الـح ش ص بخمس تغييرات كـُبرى في المجلس التأسيسي الصيني.
غاية الـح ش ص المُثـلى هي المساواة الاجتماعية والتي تـُفضي إلى مجتمع شيوعي. ورغم ذلك، أصبحت الصين، في ظلّ الحكم الشيوعي، البلد الذي يشهدُ أكبر عدم تكافؤ اقتصادي. الكثير من أعيان الحزب أصبحوا أثرياء ثراءًا طائلاً بينما 800 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.
الخط النظري الرئيسي للـح ش ص قد انطلق من الماركسية-اللينينية، وأضيفت إليه الماوية، ثمّ أضيفت إليه اليوم أفكار “دانغ سياوبينغ” ثمّ حديثـًا أفكارجيانغ “التمثيلات الثلاث”. الماركسية واللينينية والماوية لا تـتـّفق أبدًا مع نظرية دانغ وايديولوجية جيانغ، بل إنها على طرف النقيض منهما. إنّ هذه الخلطة العجيبة من النظريات الشيوعية المُستعملة من طرف الـح ش ص لبالفعـل أمر نادر في تاريـخ الإنسانية.
لقد تضاربت مبادئ الحزب الشيوعي بشدّةٍ فيما بينها أثناء سيرورة تطوّرها، من فكرة الاحتواء الشامل الذي يتجاوز الدولة-الأمّة وصولاً إلى القوميّة المُتطرّفة اليوم، من القضاء على كلّ ملكيّة خاصّة وعلى كلّ الطبقات المُستغلـّة وصولاً إلى المفهوم الحالي الذي يُشجّع الرأسماليين على الالتحاق بالحزب، مبادئ البارحة انقـلبت رأسًا على عقبٍ في سياسة اليوم، ونتوقــّع غدًا تغييراتٍ أخرى. مهما يكـُن عدد المرّات التي يُغيّر فيها الـح ش ص مبادئه، فإنّ غايته تبقى واضحة : الحصول على السلطة والحفاظ عليها، وتمديد الهيمنة المطلقة على المجتمع.
عرف الـح ش ص لأكثر من عشر مرّاتٍ في تاريخه، صراعاتٍ داخلية، صراعات “حياة أو موت”. في الحقيقة، كلّ هذه الصراعات كانت قد تزامنت مع انتقال للسلطة إثر تغييرات في المبادئ الأساسية للحزب.
كلّ تغيير في المبادئ قد ورد نتيجةً لأزمةٍ حتمية واجهها الـح ش ص، تـُهدّد شرعيّته وتـُهدّد بقاءهُ. إن يكـُنْ العمل المُشترك مع حزب الكوومينتانغ، أو سياسة خارجية مُوالية لأمريكا، أو الإصلاح الاقتصادي وانفتاح السوق، أو أيضًا الدعوة إلى القوميّة، كلّ واحد من هذه القرارات قد أتى في فترة أزمةٍ وكان الهدف منه هو الحصول على السلطة أو تدعيمها. كلّ دورةٍ من دَوَرات اضطهاد مجموعةٍ من الناس، متبوعة بقـلبٍ للمعطيات وردّ الاعتبار للمضطهدين ومحاولة إنصافهم من جديد، كانت مربوطة بتغييرات في المبادئ الأساسية للـح ش ص.
هناك مَثـل غربيّ يقول أنّ الحقيقة ثابتة لا تـتغيّر وأنّ الكذب ذو وجهٍ مُتغيّر. هذا المَثـل لا يخلو من حكمة.

VI. كيف أنّ طبيعة الحزب تـحلّ محلّ الطبيعة الإنسانية وتقضي عليها
الـح ش ص هو نظام مُستبدّ لينينيّ. منذ بدايات الحزب، تـمّ وضع ثلاثة خطوط عريضة أساسية : الخط الثقافي، الخط السياسي، والخط التنظيمي. الخط الثقافي يتمثـل في الفلسفة التي أسّست الحزب الشيوعي. الخط السياسي يتمثـل في رسم الأهداف. والخط التنظيمي يتمثـل في الكيفيّة التي بها يتـمّ بلوغ هذه الأهداف في إطار تنظيمٍ مُحكمٍ.
أعضاء الـح ش ص، مثـلهم مثـل الناس الذين يُسيّرهم الـح ش ص، يتلقــّوْن أوّلاً وقبل كلّ شيئ ٍ أوامر ؛ والمطلوب منهم هو الطاعة العمياء. تلك هي طبيعة الخط التنظيمي.
في الصين، أغلبيّة الناس واعون بازدواجيّة الشخصية الموجودة لدى أعضاء الـح ش ص. في حياتهم الخاصّة، هم بشر عاديّون لديهم مشاعر الفرحة والغضب والكآبة والمرح، ولديهم مزايا الناس العاديين وعيوبهم. ويُمكن أن يكونوا آباء، أو أزواج، أو زوجات، أو أصدقاء. ولكنّ طبيعة الحزب تـقعُ فوق الطبيعة البشرية وفوق المشاعر. ما يقتضيه الحزب الشيوعي هو أنّ طبيعة الحزب تتجاوز الطبيعة البشرية. وبهذه الطريقة، يُصبح الشعور الإنساني نسبـيّا وقابلاً للتطويـع، بينما تـُصبح طبيعة الحزب مُطلقة، فوق كلّ الشكوك وفوق كلّ التحدّيات.
أثناء الثورة الثقافية، آباء وأبناء تـقاتلوا فيما بينهم، وأزواج وزوجات تصارعوا فيما بينهم، وأمّهات وبنات تبادلن الشتائم فيما بينهنّ، وطلبة وأساتذتهم عامل بعضهم بعضًا معاملة الأعداء. لقد شجّعت مبادئ الحزب على الصراع والكره. في الفترات الأولى لحكم الـح ش ص، وجد بعض أعيان الحزب نفسه عاجزًا عندما تـمّ وصم أفراد أسرته بأنهم أعداء طبقـيّون وتـمّ قمعهم. لقد كان هذا، مرّةً أخرى، ينبـع من طبيعة الحزب.
هيمنة طبيعة الحزب على الفرد هي نتيجة المذهبة الطويلة للـح ش ص. يبدأ التدريب منذ الحضانة، حيث تـُشفـَعُ الأجوبة التي يـُريدها الـح ش ص بمكافأةٍ رغم أنها لا تـتـّفق لا مع المنطق السليم ولا مع الطبيعة الإنسانية للطفل. يتلـقــّى المُتعلــّمون تعليمًا سياسيّا في التعليم الابتدائيّ، وفي التعليم الثانويّ، وصولاً إلى الجامعة. هم يتعلــّمون اتـّباع الأجوبة السائدة التي يـُقرّها الحزب، وإلاّ فلا يُسمَحُ لهم باجتياز الامتحانات وإحراز الشهادات.
على عضو الحزب، مهما تكـُنْ أفكاره الداخلية، أن يتـّبـع خط سيْر الحزب عندما يتكلــّم في العَلـَن. البُنية التنظيمية للحزب الشيوعي هي عبارة عن هَرَمٍ ضخمٍ، حيث نجدُ في قمّة الهَرَم السلطة المركزية التي تـُهيمن على كلّ الدرجات. هذه البنية الفريدة هي إحدى الخاصّيات الأكثر أهمّية في نظام الـح ش ص. وهي تـُساهم في إعطاء امتـثال أعمى.
اليوم، تدهور الـح ش ص إلى كيان سياسيّ يُصارع للحفاظ على مصلحته الخاصّة. إنه لم يعُدْ يتـّبـع أيّا من الأهداف السامية للشيوعية. ومع ذلك، فإنّ البُنية التنظيمية للشيوعية قد تـمّ الحفاظ عليها، واشتراطها للطاعة المُطلقة لم يتغيّـر. هذا الحزب، الذي يضعُ نفسه فوق الإنسانية وفوق الطبيعة الإنسانية، يقضي على كلّ تنظيمٍ أو كلّ شخص يرى فيه تهديدًا أو إمكانيّة تهديدٍ لسيادته الخاصّة، إن يكـُن هذا الشخص مُواطنـًا عاديّا أو مُوظفـًا ساميًا من موظـّفي الـح ش ص.

V. كائن شرّير يقف ضدّ الطبيعة والطبيعة الإنسانية
تحت قـبّة السماء، كلّ المخلوقات تمرّ بالدورة التالية : ولادة، نضج، تقهقر، وموت.
خلافـًا للنظام الشيوعي، فإنّ المجتمعات غير الشيوعية، حتـّى تلك التي تـُعاني من استبداد نظام كليانيّ، نجدُ أنها تسمحُ، أحيانـًا كثيرة، بقدر مُعيّن من استقلاليّة التنظيم ومن حرّية اتـّخاذ القرار. لقد كان المجتمع الصيني القديم يخضعُ لحكمٍ وفق بُـنيةٍ ثنائيةٍ. في المناطق الريفية، كانت العشائر تـُكوّن مركـز تنظيم اجتماعي مُستقـلّ بينما المناطق الحضريّة كانت تنتظمُ حول رابطة النقابات. نظام الحكم الذي كان يمتدّ من الأعلى إلى الأسفل، كان يقفُ عند مستوى الأرياف.
لقد كان النظام النازي، والذي هو ربّما أقسى نظام ديكتاتوري إلى جانب النظام الشيوعي، يسمحُ ببقاء الملكيّة الخاصّة. ولكنّ الأنظمة الشيوعية قد قضت على كلّ شكـل من أشكال التنظيم الاجتماعي المُستقـلّ عن الحزب، وعوّضته ببـُنىً سلطويّة مركزية، من الأعلى إلى الأسفل.
إن كانت البـُنى الاجتماعية التي ترتـفع انطلاقـًا من القاعدة تسمحُ بصفة طبيعية باستقلاليّة الفرد أو المجموعة، إذن فالنظام الشيوعي في أساسه هو مُضادّ للطبيعة.
لا يقـترح النظام الشيوعي مقاييس كونيّة للطبيعة الإنسانية. مفهوم الخير والشرّ، مثـله مثـل القوانين والقواعد، كلها يتـمّ التعامل معها بطريقة اعتباطية. الشيوعيون لا يسمحون بالقـتل، إلاّ بالنسبة لمن يُعتـَبَرُ أنهم أعداء الحزب الشيوعي. بـرّ الأبناء بالآباء خصلة جيّدة، إلاّ إذا كان الآباء ممّن يُعتـَبَرُ أنهم أعداء طبقـيّون. الإحسان، والاستقامة، والتصرّف المُهذب، والحكمة والإخلاص، هي أشياء حسنة، ولكن لا يجوز تطبيقها عندما يكون الحزب غير مُوافق أو عندما لا يُريد أن يضع في اعتباره هذه الفضائـل الأصلية. الحزب الشيوعي يقـلب تمامًا المقاييس الكونية للطبيعة الإنسانية، إنه ينبني على مبادئ تـقعُ على طرف النقيض من الطبيعة الإنسانية.
المُجتمعات غير الشيوعية تضعُ عمومًا في اعتبارها ثنائية الطبيعة الإنسانية من خير وشرّ وهي تتأسّس على مواثيق اجتماعيّة موضوعة للحفاظ على توازن المجتمع. ومع ذلك، في المُجتمعات الشيوعية، ينتفي مفهوم الطبيعة الإنسانية في حدّ ذاته، ولا يتـمّ الاعتراف لا بالخير ولا بالشرّ. حسب ماركس، القضاء على مفهوم الخير والشرّ يُمكـّن من الإطاحة كلــّيًا ببُنية المجتمع القديم.
الحزب الشيوعي لا يعتقد في وجود الله، ولا يحترم حتى الطبيعة. “مُحاربة السماء، مُكافحة الأرض، الصراع ضدّ الإنسان – الحياة التي تـُعاشُ هكذا تكون مليئة ً بالفرحة.” كان هذا شعار الـح ش ص أثناء الثورة الثقافية. وهكذا فقد عانى كلّ من الشعب والأرض قدرًا كبيرًا من العذاب.
يتوارث الصينيون الاعتقاد التالي وهو وحدة السماء والإنسان. لقد قال لاوو تسي في الداوو دي دجينغ (تاوو تي كينغ) :”الإنسان يتبـع الأرض، والأرض تتبـع السماء، والسماء تتبـع الطاوو، والطاوو يتبـع الطبيعة” [7]. الإنسان والطبيعة يُوجدان داخل علاقة انسجام في رحاب التواصل الكونيّ.
الحزب الشيوعي هو أيضًا نوع من المخلوقات. ولكنه يتعارض مع الطبيعة، ومع السماء، ومع الأرض، ومع الإنسان. إنه كائن شرّير يقف ضدّ الكون.

IV. بعض مظاهر هذا التملــّك الشرّير
أعضاء الـح ش ص أنفسهم لا يُساهمون أبدًا في أنشطة إنتاجية أو إبداعية، عندما يحصلون على السلطة، يَعْـلـَـقون بالناس، يُهيمنون عليهم ويستخدمونهم. وخشية فقدان هذه الهيمنة، يبسطون نفوذهم إلى حدود أسفل السلـّم الاجتماعي. يتحكـّمون في موارد الإنتاج ويستنفذون ثروات المجتمع.
في الصين، يمتدّ الـح ش ص إلى كلّ مكانٍ ويُسيطر على كلّ شيءٍ، ولكن لا أحد قد تمكـّن أبدًا من رؤية حساب الـح ش ص، بل فقط حسابات الدولة، وحسابات الولايات المحلــّية والشركات. من الحكومة المركزية وصولاً إلى اللجان القروية في الأرياف، يشغـَـلُ الموظفون البلديون دائمًا منصبًا دون منصب الإطارات الشيوعية، وهكذا فالإدارات المحلــّية يجب أن تخضع لتعليمات خلايا الحزب الشيوعي الموجودة معها في نفس المستوى. مصاريف الحزب تـُغطـّيها السّـلط البلدية ويتـمّ احتسابها مع نظام البلدية.
تنظيم الـح ش ص، مثـله مثـل شيطان شرّير، يعْـلـَقُ بكلّ خليّةٍ من خلايا المجتمع الصيني، مثـلما يتبع الظلّ صاحبهُ. هذا التنظيم ينفـَذ ُ بعُمق إلى كلّ شُعَيـْرةٍ وكلّ خليّةٍ في المجتمع، بواسطة أوعيته الدقيقة، أوعية امتصاص الدماء لديه، مُهيمنـًا بهذه الطريقة على المجتمع ومُستخدمًا إيّاه.
هذه البُنية الفريدة، بُنية التملــّـك الشرّير هذه، قد وُجـِدت في التاريـخ الإنساني القديم، بصفةٍ جزئية أو وقـتية. ولكنها لم تـُوجدْ أبدًا لفترةٍ طويلةٍ مثـل التي استغرقها الـح ش ص، ولم تـُسيطر أبدًا على المجتمع بصفةٍ كـُلــّيةٍ مثـلما فعـل الـح ش ص.
لهذا السبب يعيش الفلاحون الصينيون في ضنك العيش، ويقومون بأعمال تـُقابَلُ بالجحود والنكران. لا فقط عليهم أن يـُوفـّروا حاجيات الموظفين البلديّين التقـليديين، ولكن أيضًا حاجيات الإطارات الشيوعية، المُتواجدة أحيانـًا بأعداد أكبر.
ولهذا السبب، فـقد العمّال الصينيون موارد رزقهم بأعدادٍ كبيرةٍ. أوعية امتصاص الدماء للـح ش ص الموجود في كلّ مكان والمُتملــّك بهم قد استنزفت خزائن مصانعهم طيلة سنواتٍ كثيرةٍ.
ولهذا السبب يصعُبُ جدّا على المُثقـفين الصينيين أن يحصلوا على حرّية التفكير. بالإضافة إلى رؤسائهم ومُسيّريهم في العمل، فإنّ ظـلّ الـح ش ص يُخيّم على كلّ مكان، لا همّ له سوى مراقبة الناس.
يحتاج الشيطان الشرّير إلى سيطرة تامّة ومُطلقة على عقـل وروح من تملــّـك به لكي يستقي الطاقة التي يحتاجها لمواصلة العيش.
حسب علم السياسة الحديث، تـتأتـّى السلطة من ثلاثة موارد رئيسية : القوّة، الثروة، والمعرفة. لم يتردّد الـح ش ص أبدًا في استعمال وتوظيف السيطرة والقوّة لنهب مُمتلكات الناس. بل وأسوء من ذلك : لقد حرم الناس من حرّية التعبير وحرّية الصحافة. لقد اغتصب عقول الناس وإرادتهم لكي يُحافظ على تحكـّمه المُطلق في السلطة. ما سبق يُمكـّننا أن نستنتج أن تملــّـك الـح ش ص الشرّير يُسيطر على الناس بإحكامٍ يصعُبُ معه مقارنته بأيّ نظامٍ آخر في العالم.

VII. أن ننظر إلى أنفسنا ونتخلــّص من الـح ش ص
في بيان الـح ش ص، أوّل وثيقة في برنامج الحزب الشيوعي، يُعلن ماركس :”في 1848، هناك شبـح يُخيّم على أوروبّا : شبـح الشيوعية” [8]. بعد قرن من ذلك، لم تعُـدْ الشيوعية مُجرّد شبـح، بل اكتست جسمًا مادّيًا مُحدّدًا. لقد انتشرت في جميـع أنحاء العالم مثـلما ينتشر الوباء، قاتـلةً في طريقها الملايين من الناس، وناهبةً مُمتلكات مئات الملايين من الأشخاص، بما في ذلك عقولهم وأرواحهم التي وُلـِدت حُرّةً.
المبادئ الأساسية للحزب الشيوعي هي الاستحواذ على كلّ ملكيّة خاصّة من أجل القضاء على “الطبقة المُستغـِلـّة”. الملكيّة الخاصّة هي القاعدة التي تـقوم عليها كلّ الحقوق الاجتماعية وأحيانـًا كثيرةً ما تنضوي داخلها الثقافة القومية. الناس الذين يـقعُ نهب أملاكهم الخاصّة يفـقدون أيضًا حرّية تفكيرهم وعقولهم ؛ ويُمكن حتـّى أن يفـقدوا حرّية التمتـّع بحقوق اجتماعية وسياسية.
في مُواجهة أزمة حياة أو موت، وجد الـح ش ص نفسه مُجبَرًا على القيام بإصلاح على مستوى الاقتصاد الصيني في السنوات 1980. بعض حقوق التمتـّع بالملكيّة الخاصّة تـمّ إرجاعها للناس. وقد خلق هذا ثغرةً في هذه المَكـَنة الضخمة، مَكـَنة السيطرة الدقيقة والمُحكمة للـح ش ص. وهذه الثغرة آخذة في الاتـّساع أكثر فأكثر تـَبَعًا لسعي أعضاء الـح ش ص المُتواصل لجمع ثروات خاصّة.
هذا الكائن الطفيليّ الذي هو الـح ش ص، والذي بقي في مكانه بواسطة العنف، والكذب، والتغيير المتواصل للمظهر والصورة، قد أخذت تبدو عليه اليوم علامات التدهور والعصبية عند أدنى مشكلة : إنه يُحاول أن يبقى على قيد الحياة، ماضيًا في تجميـع المزيد من الثروات ومُدعّمًا نفوذه، ولكنّ هذه الأفعال ليس من شأنها سوى أن تزيد من خطورة الأزمة.
تبدو الصين الحالية مُزدهرة، ولكنّ الصراعات الاجتماعية قد احتدمت فيها إلى درجة لم يتـمّ بلوغها من قبلُ أبدًا. ربّما سيُحاول الـح ش ص أن يتراجع خطوة ً إلى الوراء، مُستعملاً الأساليب السياسية التي استـُعمـِلت في الماضي، فـيُحاول أن يُصلح ما أفسده في مجزرة ساحة تيانانمن أو الفالون غونغ، أو يُحاول أن يتـّخذ مجموعة أخرى كعدوّ، ويُواصل بهذا حكمه الإرهابيّ.
إزاء تحدّيات المائة سنة الأخيرة، كان جواب الأمّة الصينية هو استيراد الأسلحة، وإصلاح النظام وتحويره، وتفجير ثورات مُتطرّفة وعنيفة. أعداد لا تـُحصى من الناس قد قـُـتـِلت والثقافة الموروثة الصينية قد تـمّ رميها. يبدو أنّ هذه الأجوبة باءت بالفشل. وعندما احتـلّ الاضطراب والقـلق مكانـًا في نفوس الصينيين، استغلّ الـح ش ص الظرف لكي يدخُـل في مسرح الأحداث. ومنذ ذلك الحين وهو يُمسك في قبضة نفوذه هذه الحضارة، آخر الحضارات القديمة التي لا تزال حيّة في العالم.
في التحدّيات القادمة، سيكون على الشعب الصيني مرّةً أخرى أن يقوم بخيارات، لا مناص من ذلك. ومهما تكـُنْ هذه الخيارات، فإنّ على كلّ مواطن صيني أن يعي أنه إن واصل تعليـق أدنى أملٍ له على الـح ش ص، فلن يكون في ذلك سوى زيادة في حدّة الأضرار التي ألحِقت بالأمّة الصينية، ولن يكون ذلك سوى حقنـًا لطاقة جديدة تنضاف للتملــّـك الشيطاني للـح ش ص.
يجبُ علينا أن نتخلــّى عن كلّ وهمٍ، أن نتمعّن في الأشياء بأنفسنا وبعقولنا وألاّ نترك أنفسنا تكون مرتعًا للجشع والكره. فقط حينها سيتسنـّى لنا فـكّ عقالنا من نصف قرن من هذا الكابوس، من سيطرة التملــّـك الشيطاني للـح ش ص على امتداد الـ 50 سنة الماضية. من أجل أمّةٍ حُرّةٍ، نستطيـعُ أن نـُعيد الحضارة الصينية إلى بريقها، هذه الحضارة التي تـقوم على احترام الطبيعة الإنسانية وعلى الرحمة بالجميـع.
ملاحظات :
1- إصلاح المائة يوم ٍ كان إصلاحًا دام 103 يومًا، من 11 يونيو إلى 21 سبتمبر 1898. أمر الإمبراطور غوانغسو من مملكة تشينـغ (1875-1908) بمجموعةٍ من الإصلاحات الرامية إلى إدخال تغيـيرات هيكـلية واجتماعية عميقة. وقد قام أطراف من النخبة الحاكمة المُحافظة بمُعارضة هذا الإصلاح بشدّة. فقامت الإمبراطورة دواغر سيسي بتدبير عمليّة انقلاب سياسي في 21 سبتمبر 1898، مُجبرةً المُصلح الشابّ غوانغسو على الانسحاب، وقد ساندها في ذلك المُحافظون المُتطرّفون كما ساعدها التأيـيد الصّامت للانتهازيّ السياسي يوان شيكاي. أخذت سيسي السلطة بصفتها وصيّـة على الحكم. وانتهى إصلاح المائة يومٍ بحـلّ العقود الجديدة وبإعدام ستـّة من المُدافعين الرئيسيّـين عن الإصلاح.
2- ثورة سينهاي (أو ثورة هسينهاي)، سُمّيت باسم السنة الصينية سينهاي (1911)، وقعت فيها الإطاحة بحكم عائلة تشينغ الصينية (10 أكتوبر 1911، 12 فبراير 1912) وتأسيس الجمهورية الصينية.
3- حركة 4 مايو كانت أوّل حركة شعبية في تاريخ الصين الحديث، وبدأت في 4 مايو 1919.
4- الرابط : www.marxists.org/archive/marx/works/1848/communist-manifesto/ch04.htm
5- رسالة من ماوو تسي تونغ إلى زوجته دجيانغ تشينغ (1966).
6- هذه المعلومة مُستقاة من الموقع التالي : www.debates.org/index.php?page=september-30-2004-debate-transcript
7- طاوو تي كينغ، الفصل 25.
8- الرابط : www.marxists.org/archive/marx/works/1848/communist-manifesto/ch01.htm

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة الثانية : بدايات الحزب الشيوعي
توطئة
حسب ما هو وارد في كتاب “شرح الكلمات البسيطة وتجزئة الكلمات المركـّبة” (شوو وان دجيتسي)، الذي كتبه المُؤلف سوشان في سنة 147م في ظلّ الأسرة الحاكمة هان الشرقية، فإنّ تعبير الكلمة الصينية القديمة “دانغ” أي “حزب” أو “زُمرة” يتمثـل في جذريْن هما : “تـنشئة، تكوين” أو “الدعوة إلى” ؛ والآخر “ظلمة” أو “أسود”. فإذا جمعنا الجذريْن معًا فإنّ الكلمة تعني : “إنجاح الظلمة”. وتعبير “حزب” أو “عضو حزب” هو تعبير ذو معنى سلبي. لقد قال كونفوشيوس “الإنسان النبيـل هو إنسان ذو عزّة وأنـفة ولكنه ليس غليظـًا، وهو إنسان اجتماعي ولكنه لا ينتمي لأيّ حزب”. في الملاحظات (لون يو) التي تذيّـل المختارات الأدبية، نجد الشرح التالي وهو أنّ “الناس الذين يتعاونون من أجل إخفاء أعمالهم يُعتـَبَرُ أنهم يُكوّنون عـُصبةً (حزبًا)”. وفي تاريـخ الصين، غالبًا ما سُمّيت الجماعات السياسية “بانغ دانغ” (مؤامرات). في الثقافة الصينية الموروثة، هذه العبارة مُرادفة لـ “عـُصبة، زُمرة من الصعاليك” وهي تنطوي على معنى تكوين زُمرة ذات أهداف شخصية أنانية.
لماذا ظهر الحزب الشيوعي، وكبُرَ، ثمّ في النهاية استولى على السلطة في الصين الحديثة ؟ الحزب الشيوعي الصيني (ح ش ص) لم يفتـأ يحقـِنْ ذهن الشعب الصيني بأنّ التاريـخ قد اختار الـح ش ص، أنّ الشعب قد اختار الـح ش ص، وأنه بدون الـح ش ص لم تكـُنْ لـِتوجد صين حديثة.
هل اختار الشعب الصيني الحزب الشيوعي ؟ أم أنّ الحزب الشيوعي هو الذي انبرى كعصابةٍ وفرض نفسه على الشعب الصيني ؟ علينا أن نجد الأجوبة في التاريـخ.
منذ آخر أسرة حاكمة في التشينغ (1644-1911) وصولاً إلى السنوات الأولى من فترة النظام الجمهوري (1911-1949)، عاشت الصين كثيرًا من الصدمات الخارجية ومُحاولات مُتكرّرة للإصلاح الداخلي. لقد كان المُجتمع الصيني يوجد في حالة اضطراب مؤلمة. كثير من المثقـفين وأشخاص ذوي مـُثـلٍ عليا سامية كانوا يُـريدون إنقاذ البلاد والشعب. ومع ذلك، في خضـمّ الأزمة الوطنية والفوضى، احتـدّ شعورهم بالقـلق والخوف، وقادهم ذلك إلى شعور بالخيبة في البداية ثمّ إلى اليأس التامّ. ومثل شخص مريض ينشُدُ أيّ طبيب، فقد بحثوا خارج الصين ليجدوا حلولاً. بعد أن فشل المثال البريطاني ثمّ الفرنسي، التـفتوا إلى المثال الروسي. وتحت تأثير لهفتهم القـلقة على النجاح، لم يتردّدوا في اختيار أقصى وأشدّ علاج للمرض، آملين أن تـُصبح الصين قويّة بسرعةٍ.
وقد عكست حركة مايو 1919 بعُمق هذا اليأس. كان بعض الأشخاص يدعون إلى الفوضى ؛ وكان البعض الآخر يقترحون الإطاحة بتعاليم كونفوشيوس ؛ وآخرون يقترحون استيراد الثقافة الغربية. وباختصار فقد كانوا مُتـّفـقين على رمي الثقافة الموروثة وكانوا مُعارضين لتعاليم كونفوشيوس التي تدعو إلى اتـّخاذ طريق الوسط. وقد حَدَت بهم رغبتهم في اختصار الطريق إلى الدعوة إلى تحطيم كلّ الموروثات. المُتطرّفون منهم لم يكـُنْ بإمكانهم بتاتـًا أن يخدموا البلاد من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى كانوا يعتقدون اعتقادًا قويّا في إرادتهم الذاتية ومُـثـلهم. كانوا يُحسّون أنّ العالم أضحى بلا أمل، وأنهم هم الوحيدون الذين يعرفون المُقاربة النافعة من أجل التقدّم المُستقبلي للصين. لقد كانوا مُولعين بالثورة والعنف.
مختلف التجارب أدّت إلى مختلف النظريات والمبادئ والسّـبُـل داخل مختلف المجموعات. وفي النهاية، التقى بعضهم بمُمثـلي الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي. كانت فكرة “استعمال ثورة عنيفة للاستيلاء على السلطة السياسية”، كانت هذه الفكرة المستعارة من الماركسية-اللينينية تجذب أفئدتهم القـلقة وتتـّفـق مع رغبتهم في إنقاذ البلاد وشعبها. ومن ثـَمّ، أدخلوا الشيوعية للصين، وقد كانت الشيوعية حينها مفهومًا غريبًا تمامًا عن الصين. كان هناك في المُجمل 13 مُمثـلين حاضرين في المؤتمر الأوّل للـح ش ص. وفيما بعدُ، مات بعضهم، وهرب البعض الآخر، وعمـِلَ البعض الآخر لصالح قوات الاحتلال اليابانية وأصبحوا خـَوَنة للصين، وآخرون غادروا الـح ش ص ليلتحقوا بالكوومينتانغ (الحزب القومي الصيني- ك م ت). وفي سنة 1949، عندما وصل الـح ش ص إلى السلطة، لم يكـُن قد بقي من المجموعة الأولى ذات الـ 13 عضوًا من أعضاء الحزب سوى ماوو تسي تونغ و دونغ بـيوو. من الصعب أن نجزم بما إذا كان مُؤسّسو الـح ش ص واعين في ذلك الوقت أنّ تلك “الآلهة” التي جلبوها من الاتحاد السوفييتي كانت في الواقع شيطانـًا، وأنّ الدواء الذين كانوا ينشدونه لتقوية الأمّة كان في الواقع سمّا زعافـًا.
كان الحزب الشيوعي الروسي البولشيفي (والذي عـُرفَ لاحقـًا باسم الحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي)، والذي كان قد أتـمّ لتوّه ثورته، مهووسًا بطموحاته وآماله التي يُعلــّقها على الصين. في سنة 1920، أسّس الاتحاد السوفييتي مكتب الشرق الأقصى، فرعًا من “العالمية” الثالثة، أو الكوومينتارن. كان هذا الكوومينتارن مُكلــّفـًا بوضع أسس حزب شيوعي في الصين وفي بلدان أخرى. كان سوميتسكي رئيس المكتب وكان غريغوري فويتينسكي مُساعدًا. وشرعا في تحضير أساس الحزب الشيوعي الصيني بمعيّة شان دومياوو وآخرين. الاقتراح الذي تـمّ تقديمه إلى مكتب الشرق الأقصى في يونيو 1921 والمُتمثـل في وضع فرع صيني للكوومينتارن، يُبيّن أنّ الـح ش ص كان فرعًا يُسيّره الكوومينتارن. وفي 23 يوليو 1921، وبمساعدة أعضاء مكتب الشرق الأقصى نيكولسكي ومارينغ، تكوّن الـح ش ص بصفةٍ رسميّةٍ.
وعندها تـمّ إدخال الحركة الشيوعية للصين على سبيل التجربة، ومنذ ذلك الحين، نصّب الـح ش ص نفسه فوق كلّ شيءٍ، مُستوليًا على كلّ شيءٍ يعترضه في طريقه، وجارّا على الصين مصائبَ لا تنتهي.

I. تكوّن الـح ش ص بواسطة تراكم مستمرّ للشرور
لم يكـُن بالسهل إدخال شيطان غريب مثـل الحزب الشيوعي إلى الصين، بلد الحضارة التي يمتدّ تاريخها على 5.000 سنةٍ، شيطان يتعارض تمامًا مع الموروث الصيني. لقد خدع الـح ش ص الشعب والمُثقـفين الوطنيين الذين كانوا يُريدون أن يخدموا البلاد بوعود “المثالية الشيوعية”. وقد شوّه هذا نظرية الشيوعيّة أكثر وأكثر، هذه النظرية التي كان قد شوّهها لينين تشويهًا خطيرًا في مرحلة أولى، وذلك لكي تكون قاعدة نظريّة لتحطيم كلّ المبادئ والقيم الأخلاقية الموروثة. ثمّ إنّ نظريّة الـح ش ص المُشوّهة قد استـُعمـِلتْ لتدمير كلّ ما ليس في صالح حكم الـح ش ص وسيادته، ولكي تـُزيل كلّ الطبقات الاجتماعيّة والناس الذين يُمكن أن يُهدّدوا نفوذه. لقد تبنـّى الـح ش ص تحطيم كلّ المُعتقدات أثناء الثورة الصناعية وتبنـّى الإلحاد في أشدّ وأقصى درجة يُمكن أن تكون في الشيوعية. لقد ورث الـح ش ص إلغاء الملكيّة الخاصّة الذي تدعو إليه الاشتراكية واستورد نظرية الثورة العنيفة من لينين. وفي نفس الوقت، ورث الـح ش ص أسوء ملامح النظام الملكيّ الصيني وعمّـق هذه الملامح.
إنّ تاريـخ الـح ش ص هو مسار تراكم متواصل لجميع الشرور، المحلــّية والأجنبية. لقد نمـّق هذه الملامح التسعة التي ورثها مُضفيًا عليها “خصوصيّات صينية” : الفساد، الكذب، الاستفزاز، تسيّب حثالة المجتمع، الجوسسة، النهب، الصراع، التصفية، والسيطرة. وكردّ على الأزمات المتواصلة، دعّم الـح ش ص وقوّى الوسائل المُستعمَلة لتـفعيل تلك الخصوصيّات الخبيثة وتوظيفها كما حرص على انتشار هذه الوسائل انتشارًا أوسع.

1- أولى الملامح الموروثة : الفساد – ارتداء الصورة الفاسدة للماركسية-اللينينية
في البداية، جذبت الماركسية الشيوعيين الصينيين من خلال تصريحها بـ “استعمال الثورة العنيفة لتدميـر الجهاز الحكومي وتأسيس ديكتاتورية البروليتاريا”. ذاك هو بالتحديد جذر الشرّ في الماركسية واللينينية.
ترتكـز المادّية الماركسية على المفاهيم الاقتصادية التالية : قوّة الإنتاج، العلاقات الإنتاجية، والقيمة المُضافة ؛ وهي مفاهيم محدودة. أثناء المراحل الأولى، عندما كانت الرأسمالية لا تزال في طور نموّها، برهن ماركس على قصور في نظرته عندما تنبّأ بموت الرأسمالية وانتصار البروليتاريا، وهو ما فنـّده التاريـخ والواقع. الثورة العنيفة وديكتاتوريّة البروليتاريا عند الماركسية-اللينينية تـُفضلان سياسة السلطة وثورة البروليتاريا. وقد نسب بيان الحزب الشيوعي القاعدة التاريخية والفلسفية للحزب الشيوعي للصراع ولمعركة الطبقات. لقد حطمت البروليتاريا الروابط التي تربطها بالقيم الأخلاقية الموروثة وبالعلاقات الاجتماعية لكي تستولي على السلطة. ومنذ أوّل ظهور له، تأسّس مذهب الشيوعية على طرف النقيض من كلّ القيم الموروثة.
إنّ الطبيعة الإنسانية بصفةٍ عامّةٍ ترفض العنف. العنف يُعوّد الناس على القسوة والطغيان. إذن ففي كلّ زمان ومكان، رفضت الإنسانية من الأساس بوادر نظريّة العنف التي نجدها في الحزب الشيوعي، هذه النظرية التي لم يسبـقْ وأن وُجـِدت قطـّ في أيّ من أنظمة التفكير، أو الفلسفة، أو الأنظمة الموروثة من الماضي. وكأنّ نظام الرعب الشيوعي قد سقط على الأرض من حيثُ لا ندري.
إنّ الايديولوجية الفاسدة للـح ش ص ترتكـز على فكرة أنّ “الإنسان يستطيـع أن يغزو السماء” وأنها تـُريد أن تـُغيّـر وجه العالم بطريقة غير طبيعية. لقد جذب الحزب الشيوعي ناسًا كثيرين بشعاراته المُنادية بـ “تحريـر كلّ الإنسانية” و “الوحدة العالمية”. لقد خدع ناسًا كثيرين، وبالأخصّ أولئك الذين كانت تشغلهم وضعية الإنسان وكانوا حريصين على تحقيق النجاح في المجتمع. ثمّ فيما بعدُ، نسي هؤلاء الناس أنّ هناك سماءًا توجد فوق البشر. لقد كانت تملأ رؤوسهم تلك الفكرة الجميلة واللا- معقولة، فكرة “إقامة الجنّة فوق الأرض”. لذلك رَمَوْا بالقيم الموروثة، واستهانوا بحياة الناس، وعاد عليهم ذلك بالتدهور والانحطاط على المستوى الشخصي. وقد فعلوا كلّ ذلك في محاولةٍ منهم لنيْـل شرف إسداء خدمات قيّمة للـح ش ص.
لقد قدّم الحزب الشيوعي فكرة “الجنّة الشيوعية” كما لو كانت حقيقية، وأثار حماس الشعب للذود عن هذه الفكرة :”العقـل يُرعد ويُزبد في فوّهته، إنه الانفجار البركاني الأخير. فلـنمسحْ كلّ أثر للماضي. ركائـز العالم ستـتغيّر ! انهضوا ! يا حُـشود العبـيد، انهضوا ! ركائـز العالم ستـتغيّر” [1]. إذن بهذه الفكرة المستحيلة وعديمة المعنى، حطـّم الـح ش ص الصّـلة بين الإنسان والسماء، وقطع خيط الحياة الذي يربط الشعب الصيني بأجداده وبتراثه القوميّ. وفي دعوته للناس إلى إعطاء حياتهم فداءًا للشيوعية، قوّى الـح ش ص أكثر وأكثر قدرته على الإيذاء.

2- ثاني الملامح الموروثة : الكذب – ينبغي على الشرّ أن يكذب لكي يتظاهر بالاستقامة
يجب على الشرّ أن يكذب. عندما أراد الـح ش ص أن يستـفيد من طبقة العمّال، أطلق على نفسه ألقابًا مثـل “الطبقة الأكثر تقدّمًا”، “الطبقة الخيرية”، “الطبقة المُسيّرة” و “روّاد الثورة البروليتارية”. وعندما احتاج الحزب الشيوعي للفلاحين، وعدهم بـ “الأرض للمُزارع”. كان ماوو يُصفـّـق للفلاحين ويقول :”لولا الفلاحون الفقراء، لـَمَا كانت هناك ثورة ؛ إنكار دور الفلاحين هو إنكار للثورة في حدّ ذاتها” [2]. وعندما احتاج الحزب الشيوعي لمُساعدة الطبقة الرأسمالية، سمّاها “رُفقاء الطريق في الثورة البروليتارية” ووعدها بـ “نظام جمهوري ديموقراطي”. وعندما كان الحزب الشيوعي على وشك الموت على يد الك م ت، صاح عاليًا :”الصينيون لا يُحاربون الصينيين” ووعد بتسليم نفسه لقوّاد الك م ت. وحالما انتهت الحرب ضدّ اليابانيين (1937-1945)، انقـلب الـح ش ص بقوّةٍ على الك م ت وأطاح بحكومته. كما قضى الـح ش ص على الطبقة الرأسمالية بعد وقتٍ قصير من تمكـّنه من السيطرة على الصين، وفي النهاية، حوّل الـح ش ص الفلاحين والعمّال إلى بروليتاريا فقيرة فقيرًا مُدقعًا.
فكرة “جبهة مُوحّدة” هي مثال نموذجي للأكاذيب التي تلفـّـظ بها الـح ش ص. عندما كانت غاية الـح ش ص هي الانتصار في الحرب الأهلية بينه وبين الك م ت، تخلــّى عن تكتيكه المُعتاد والمُتمثـل في قـتل كلّ أفراد عائلات أصحاب الأراضي والفلاحين الأغنياء، فتبنـّى سياسة “توحيد مُؤقت” مع أعدائه الطبقيين، بما فيهم أصحاب الأراضي والفلاحين الأغنياء. في 20 يوليو 1947 أعلن ماوو تسي تونغ :”باستثناء بعض العناصر المُرتدّة، يحسُنُ بنا أن نتبنـّى سلوكـًا ليّنـًا أكثر إزاء طبقة البروليتاريا من أجل الحدّ من عدد العناصر المُعادية”. ولكن بعد أن حصل الـح ش ص على السلطة، لم يُفـلت أصحاب الأراضي والفلاحون الأغنياء رغم ذلك من المجزرة.
قولُ شيءٍ وفعـلُ شيءٍ آخر هو أمر عاديّ بالنسبة للحزب الشيوعي. عندما احتاج الـح ش ص لاستعمال الأحزاب الديموقراطية، دفع كلّ الأحزاب إلى “البحث عن كيفيّة تعايش على المدى الطويل، وممارسة مُراقبة مُتـَبادلة، وأن يكون الفرد صادقــًا تـُجاه الآخر، وأن يتقاسموا الشرف والعار”. وكلّ من لم يكـُن مُوافقــًا أو كان يرفض الامتثال لمفاهيم الحزب، أو لعباراته، أو لأفعاله أو لتنظيمه كان يـقعُ تصفيته. ماركس، لينين ورؤساء الـح ش ص، كلــّهم قالوا أنّ السلطة السياسية للحزب الشيوعي لن يتقاسمها معه فرد ولا مجموعة. كانت الشيوعية منذ البداية تحملُ في أحشائها بذرة الديكتاتورية. إنّ الـح ش ص مُستبدّ وإقصائيّ. وهو لم يتواجد أبدًا مع أيّ حزب سياسيّ آخر أو أيّ جماعةٍ أخرى بطريقةٍ صادقةٍ، إن كان ذلك عندما كان يُحاول الاستحواذ على السلطة أو بعد أن استحوذ عليها. وحتـّى أثناء فترة “الهدنة” المزعومة، فإنّ تواجد الـح ش ص مع آخرين كان مشهدًا كوريغرافيّا على أفضل تقديـر.
إنّ التاريـخ يُعلــّمنا ألاّ نـُصدّق أيّ وعدٍ وعده الـح ش ص، وألاّ نأملَ بأن يفي بالتزاماته. تصديق ما يقوله الحزب الشيوعي بخصوص أيّ موضوع يُمكن بسهولةٍ أن يُكلــّفكم حياتكم.

3- ثالث الملامح الموروثة : الاستفزاز – إثارة الكره وتحريض الشعب على الصراع
إنّ الكذب يصلـُحُ لإثارة الكره. إنّ الصراع يتوقف على الكره. وحيثُ لا يوجد الكره، فيُمكن خلقــُهُ.
إنّ نظام العشيرة القــَبَليّة المُتجذر في الأرياف الصينية كان يُمثـل العائق الأساسي أمام نشأة وتكوّن السلطة السياسية للحزب الشيوعي. كان المُجتمع الريفي من الأساس مُوَحّدًا ومُنسجمًا، والعلاقة بين أصحاب الأراضي والأجَرَاء لم تكون تقوم على المواجهة بصفة كـُلــّية. أصحاب الأملاك كانوا يمنحون الفلاحين وسيلة للعيش، وفي المُقابل كان الفلاحون يُعاضدون المالكين.
إنها بشكـل أو بآخر علاقة تـَبَعيّة مُتبادَلة، ولكنّ الـح ش ص شوّهها مُحوّلاً إيّاها إلى عدم تكافؤ أقصى بين الطبقات وإلى استغلال طبقيّ أقصى. تحوّل الانسجام إلى عداوة، وإلى كره وإلى صراع. أصبح المنطقيّ غير منطقيّ، وأصبح النظام فوضى، وأصبح النظام الجمهوري استبدادًا. شجّع الحزب الشيوعي على مُصادرة الأملاك، وعلى القـتل من أجل الأسلحة، وعلى تقـتيل أصحاب الأملاك والمُزارعين الأغنياء وعائلاتهم. الكثير من الفلاحين لم تكـُن لديهم القابليّة والاستعداد لأخذ مُمتلكات الآخرين. كان بعضهم يُرجعون في المساء ما كانوا قد أخذوه من أصحاب الأملاك في النهار، ولكن وقع انتقادهم من طرف فرق عمل الـح ش ص في المناطق الريفية بكونهم “ذوو وعي طبقيّ مُتدنّ”.
لكي يُثير الكره بين الطبقات، حوّل الـح ش ص المسرح الصيني إلى مُجرّد وسيلة دعايةٍ. إحدى شخصيّات حكاية مشهورة عن الطبقات المُضطهَدَة، الفتاة ذات الشعر الأبيض [3]، كانت في الأصل شخصية ناسكة صالحة ولم تكـُن لديها أيّ علاقة بالصراع الطبقي. ولكن تحت قلم الكـُتـّاب العسكريين، انقلبت الحكاية إلى “دراما” حديثة، وأوبرا وباليه، مُوظفة لإثارة الكره بين الطبقات. عندما اجتاحت اليابان الصين أثناء الحرب العالمية الثانية، لم يُناضل الـح ش ص ضدّ الفرق اليابانية ؛ وبدلاً من ذلك، هاجم حكومة الك م ت مُتـّهمًا إيّاها بأنها لم تـُناضل ضدّ اليابان وأنها خانت البلاد. حتـّى في تلك الآونة الحاسمة، في ملء كارثة وطنية، حرّض الشعب على الاعتراض على حكومة الك م ت.
تحفيز جماعات الشعب على الصراع بعضها ضدّ البعض الآخر هي حيلة كلاسيكية من حيل الـح ش ص. لقد خلق الـح ش ص صيغة الـ 95 مقابل 5 لتحديد التوزيـع الطبقي : 95% من الشعب يتمّ تقسيمه إلى مُختلف الطبقات التي يُمكن إقناعها ، بينما الـ 5% الباقية يتمّ اعتبارها “أعداء طبقيـين”. الناس الموجودون في الـ 95% كانوا آمنين، بينما الـ 5% الباقية كانوا أولئك الذين يجبُ “مُصارعتهم”. كان الناس، بدافع الخوف ولحماية أنفسهم، يحشرون أنفسهم دائمًا في الـ 95%. وقد جـرّ هذا حالاتٍ كثيرة آذى الناس فيها بعضهم البعض، “من سقط في البئر، يرمون عليه الحجارة”. لقد طوّر الـح ش ص هذه الوسيلة من خلال استعمال الاستفزاز في كثير من حركاته السياسية.

4- رابـع الملامح الموروثة : إخلاء المجال لحُـثالة المُجتمع – منبوذو المُجتمع يُكوّنون فرق الـح ش ص
إخلاء المجال لحُـثالة المُجتمع يُؤدّي إلى الفساد، مثـلما الفساد يحتاج إلى حُـثالة المُجتمع. كثيرًا ما استخدمت الثورات الشيوعية تمرّد الحُـثالة والمنبوذين من المُجتمع – “عالميّة باريس” مثلاً كانت تتضمّن أعمال قـتل وحرائق وعنف بثها المنبوذون من المُجتمع في كلّ مكان. حتـّى ماركس نفسه كان ينظر نظرة احتقار للـ “البروليتاريا الرثة” [4]. لقد قال ماركس في بيان الحزب الشيوعي :”أمّا بالنسبة للـ “البروليتاريا الرثة”، هذا النتاج الذي أفرزه تعفـّن الطبقات السفلى للمجتمع القديم، فيُمكن أن نجدهُ هنا وهناك، يحملـُهُ عَرَضًا تيّار ثورة بروليتارية ؛ ومع ذلك فإنّ ظروف عيشه غالبًا ما تؤهّـله لأن يبيـعَ نفسه لحركة التمرّد”. من جهةٍ أخرى، فإنّ الفلاحين ليسوا مُؤهّـلين، حسب ماركس و انغلس، لأن يُكوّنوا طبقة اجتماعيّة بسبب تشتـّتهم وبسبب جهلهم.
لقد طوّر الـح ش ص أكثر شيءٍ الجانب الظلامي في نظريّة ماركس. لقد كان ماوو تسي تونغ يقول :” المنبوذون من المُجتمع والصّعاليك كانوا دائمًا موضع احتقار من المُجتمع، ولكنهم في الواقع هم الثوريّون الأكثر همّةً والأكثر تطرّفـًا والأكثر صلابةً في المناطق الريفية” [2]. إنّ البروليتاريا الرثة زادت من حدّة الطبيعة العنيفة للـح ش ص، وهي من وضعت في البداية قواعد السلطة السياسية للـح ش ص في المناطق الريفية. في اللغة الصينية، كلمة “ثورة” تعني حرفيّا “قـتل كائن حيّ”، وهذا أمر مُفزع ومُؤلم في منظور كلّ إنسان طيّب. ورغم ذلك فقد توصّـل الـح ش ص إلى أن يصبـغ “الثورة” بمعنـًى إيجابيّ. وفي نفس المسار، أثناء الثورة الثقافية، وبمُناسبة نقاش بخصوص لفظة “بروليتاريا رثة”، ارتأى الـح ش ص أنّ “بروليتاريا رثة” ليس لها وقع جيّد، فعوّضها بـ “بروليتاريا”.
تصرّف آخر من تصرّفات منبوذي المجتمع وهو أن يلعبوا دور الصعاليك. عندما كان بعضهم يلوم مُوظفي الحزب بكونهم ديكتاتوريين، كانوا يكشفون عن نزعتهم الغليظة الفظة ولا يتورّعون عن قول أشياء مثل “أنتم مُحقــّون، نحن هكذا بالضبط. الخبرة التي حصّـلها الصينيون على مدى العشريّات الأخيرة، تـُملي علينا أن نـُمارس هذه السلطة، سلطة الديكتاتورية الديموقراطية. نحن نُسمّيها الأوتوقراطية الديموقراطية الشعبية”.

5- خامس الملامح الموروثة : الجوسسة – التسرّب، بثّ الفتنة، التفكيك والتعويض
بالإضافة إلى الغشّ، والتحريض على العنف واستعمال منبوذي المُجتمع، كان يتمّ اللجوء أيضًا إلى تقنية الجوسسة وبثّ الفتنة. لقد كان الـح ش ص موهوبًا في فنّ التسرّب والانـدساس. منذ عدّة عقودٍ من السنين، “كبار العُملاء السرّيين” الثلاثة الذين يعملون لصالح الـح ش ص : “تشيان جوانغ فاي”، “لي كينونغ”، و”هوبايفانغ”، كانوا في الحقيقة يعملون لصالح “شان غانغ” رئيس الفرع الثاني للجوسسة في اللجنة المركزية للـح ش ص. في نفس الوقت الذي كان فيه تشيان جوانغ فاي يعملُ كأمين سرّ ورجل ثقة تحت إمرة سبو إينجنغ، مُدير مكتب مباحث الكوومينتانغ (ك م ت)، في نفس ذلك الوقت، استعمل الأوراق الخاصّة بأقسام التنظيم التابعة للكوومينتانغ لكتابة رسالتيْن. كانت هاتان الرسالتان تحتويان على معلوماتٍ سرّية بشأن المُخطط الاستراتيجي الأوّل والثاني للـك م ت والمُتعلـّقيْن بمُحاصرة فرق الـح ش ص في مُقاطعة “دجيانغسي”. وأرسلهما إلى “لي كينونغ” الذي سلـّمهما يدًا عن يدٍ لـِجو آنلاي – والتي تـُكتـَبُ أيضًا “شو آنلاي”[5]. في شهر أبريل 1930، تمّ في منطقة الشمال الشرقي للصين وضع قواعد مُنظمة خاصّة للعُملاء المُزدوجين أسّسها فرع المباحث المركزية للـك م ت. في الظاهر كانت تنتمي للـك م ت ويُديرُها “تشيان جوانغ فاي”، ولكنها في الخفاء كانت تحت سيطرة الـح ش ص تحت إدارة شان غانغ.
وقد التحق لي كينونغ أيضًا بالقيادة المركزية للقوات المُسلـّحة للـك م ت بصفته مُختصّا في الكتابات القديمة. لقد كان “لي” هو من فكّ شفرة الرسالة العاجلة بخُصوص إيقاف غو شونجانغ [6] وثورته، وهو مُدير مكتب أمن الـح ش ص. وقد أرسل تشيان جوانغ فاي في الحال الرسالة بعد فكّ رموزها إلى جو آنلاي، وبذلك حال دون وقوع مجموعةٍ كاملةٍ من الجواسيس في فخّ الشباك.
كان يانغ دانغيـينغ مُمثلاً خاصّا – مُواليًا للشيوعية – عن المكتب المركزي لمباحث الـك م ت الواقع في شانغهاي. كان الـح ش ص يأمره بإيقاف وبإعدام أعضاء الحزب الذين كان الـح ش ص لا يراهم جديرين بالثقة كثيرًا. في إحدى المرّات، حدث أن تهجّم مُوظف سامٍ في الـح ش ص من مُقاطعة “هينان” على إطار من إطارات الحزب، فقام أعوانه أنفسهم بإيقاعه في حبل المصيدة، مُسبّبين اعتقاله في سجن الـك م ت لسنواتٍ عديدةٍ.
أثناء “حرب التحريـر” [7]، نجح الـح ش ص في تنصيب عميل ٍ سرّي كان محلّ الثقة التامّة لشيانغ كاي- شك – والمُسمّى أيضًا بدجيانغ جيي شي” [8]. كان ليو باي، اللواء العامّ والوزير المُساعد في قسم الدفاع، مُكلـّفـًا بتوزيـع الفرق المُسلـّحة للـك م ت. في الحقيقة، كان ليو عميلاً سرّيًا للـح ش ص. وقبل أن يكون الـك م ت قد عرف مهمّـته المُقبلة، كانت المعلومات بخصوص المكان المُبرمج لانتشار الفرق قد وصلت إلى “يانآن”، القيادة المركزية للـح ش ص. فرسم الحزب الشيوعي بمُقتضى ذلك خطـّةً دفاعيّة. وقد قام سيونغ سيانغي، الذي كان سكرتيرًا وعضـُدًا أيمنـًا لـ “هو تسوغنان” [9] بكشف خـُطط “هو” بخصوص اجتياح “يانآن” لـ “جو آنلاي”. وعندما وصل “هو” وفرقه إلى “يانآن”، لم يكـُنْ قد بقي هناك أحد. لقد قال “جو آنلاي” مرّة :”لقد كان الرئيس ماوو يعرف الأوامر العسكرية الصّادرة عن “شيانغ كاي- شك” حتـّى قبل أن تصل إلى قائد جيش شيانغ”.

6- سادس الملامح الموروثة : النهب – سلب الناس عن طريق الحيلة أو عن طريق القوّة يُضحي “نظامـًا جديدًا”
كلّ ما يملكه الـح ش ص حصل عليه بواسطة النهب. عندما كوّن الـح ش ص الجيش الأحمر لكي يُرسي نفوذه بواسطة القوّة العسكرية، كان في حاجةٍ إلى المال لتوفير الأسلحة والزاد والثياب. لقد لجأ الـح ش ص إلى “أخذ العقارات والأصول التجارية” وذلك بالأساس بواسطة قمع “الطغاة المحلــّيين” وبواسطة نهب البنوك تمامًا مثـل اللصوص. أثناء مُهمّةٍ قادها “لي سيانيان” [10]، وهو أحد الموظفين السّامين في الـح ش ص، اختطف الجيش الأحمر العائلات الأكثر ثراءًا في المنطقة الغربية من مقاطعة “هوباي”. ولم يكتفوا باختطاف شخص واحد، بل اختطفوا فردًا من كلّ أسرة تنتمي لعشيرة مُعيّنة. كانوا يُبقون على حياة أولئك المُختـَطفين وكانوا يفرضون الفدية على عائلاتهم مُقابل عودتهم، وذلك لتوفير حاجة الجيش المُتواصلة إلى المال. لم يكونوا يُرسلون الرهائن إلى بيوتهم إلاّ عندما يكون الجيش قد أخذ حاجته واكتفى أو عندما تستنفد عائلات المُختـَطفين كامل مواردها ؛ وغالبًا ما يكون أولئك الرهائن في رمقهم الأخير عند العودة ؛ بل إنّ بعضهم يكون قد عانى من أصناف الرعب والتعذيب إلى درجة أنه كان يموت قبل أن يتمكـّن من العودة إلى بيته.
بواسطة “سيادته على الطغاة المحلــّيين واحتجاز أراضيهم”، وسّع الـح ش ص نطاق نهبه عن طريق الحيلة والعنف ليشمل المجتمع بأكمله، مُعوّضـًا النظم الموروثة بـ “النظام الجديد”. لقد اقترف الحزب الشيوعي مُختلف أصناف الأفعال السيئة، الصغيرة منها والكبيرة، دون أن يقوم بشيءٍ طيّبٍ أبدًا. إنه يمنحُ امتيازاتٍ صغيرة لأحدهم ليَدفع البعض إلى أن يُشهّر بالبعض الآخر. ونتيجةً لذلك اختفت الفضيلة واختفى الإحسان تمامًا، واستـُبْدِلا بالصراع والقـتل. في الواقع “المثاليّة الشيوعيّة” هي تورية وتلطيف لما هو في الأصل “النهب العنيف”.

7- سابع الملامح الموروثة : الصراع – تحطيم النظام القوميّ وتحطيم الطبقات وتحطيم النظام الموروث
الكذب والاستفزاز وإخلاء المجال لحثالة المجتمع والجوسسة، الهدف منها كلــّها هو النهب والصراع. الفلسفة الشيوعيّة تدعو إلى الصراع. لم تتـلخـّص الثورة الشيوعيّة مُطلـقـًا في مُجرّد أعمال ضرب وأعمال عنف ونهب فوضويّة. قال ماوو :”إنّ الأشياء الرئيسية التي تستهدفها مهاجمة الفلاحين هي الطغاة المحلــّيون، الطبقة النبيلة الفاسدة وأصحاب الأملاك الذين لا ذمّة لهم ولا دين، ولكنها تستهدف أيضـًا مُختلف أصناف الأفكار والمُؤسّسات البطريركيّة، كما تستهدف الموظفين الفاسدين في المُدن والعادات والمُمارسات السيّئة في المناطق الريفيّة” [2]. لقد أمر ماوو صراحةً بتدميـر النظام الموروث بأكمله وبتدميـر تقاليد الأرياف.
إنّ الصراع الشيوعيّ يتضمّن أيضـًا القوات المُسلـّحة والصراع المُسلـّح. “إنّ الثورة ليست دعوةً إلى العشاء، أو إلى كتابة مقالٍ، أو إلى رسم لوحةٍ، أو ممارسة التطريز، إنها لا يُمكن أن تكون شيئًا رقيقـًا وهادئًا ووديعًا كهذا، شيئًا مُعتدلاً، لطيفـًا، مُهذبًا، رصينـًا وأريحيّا. الثورة هي انقلاب، عمل عنيف بواسطته تقـلـِبُ طبقة طبقة أخرى.” [2] لقد استعمل الـح ش ص الصراع لمّا حاول الاستيلاء على السلطة بالقوّة. وبعد مرور بضعة عقودٍ من ذلك، استعمل الـح ش ص الخاصّية نفسها، خاصّية الصراع، لـ “تربية” الجيل الناشئ أثناء “الثورة الثقافية الكبرى”.

8- ثامن الملامح الموروثة : التصفية – وضع إيديولوجيا كاملة هي ايديولوجيّة المجزرة
لقد قامت الشيوعية بأشياء كثيرة بقسوةٍ مُطلقةٍ. لقد وعد الـح ش ص المُثقـفين بـ “جنّة على الأرض”، وفيما بعدُ، أطلق عليهم لقب “يمينيّين”، ووضعهم في الصنف التاسع من الأصناف الشائنة [11]، أصناف الناس المُضطهـِدين، إلى جانب أصحاب الأراضي والجواسيس. لقد حرم أصحاب الأراضي والرأسماليّين من أملاكهم، وأباد طبقة أصحاب الأملاك والفلاحين الأغنياء، وحطم الأنظمة الجمعيّة والنظام السائد في الأرياف، وانتزع السلطة من الشخصيّات المحلــّية، واختطف الأغنياء ورشاهم، وقام بغسل دماغ سُجناء الحرب، و”أصلح” الصناعيّين والرأسماليّين، وتسرّب داخل الـك م ت وفكـّـكهُ، وانفصل عن “العالمية الشيوعيّة” وخانها، وتخلــّص من كلّ المُنشقــّين عنه عبر حركات سياسية مُتعاقبة بعد حصوله على السلطة سنة 1949، وهدّد أعضاءه أنفسهم بتبنـّيه سياسة ضغط مُستمرّ. كلّ ما فعله الـح ش ص ، فعله دون أن يترك أيّ مجال للآخرين لكي يُسيّروا شيئًا مّا أو يتصرّفوا.
الوقائع المذكورة أعلاه كلــّها قد انبنت على نظريّة المجزرة عند الـح ش ص. كلّ حركة من حركاته السياسية في الماضي كانت حملة رُعب تحمل في طيّاتها نيّة إحداث مجزرة. لقد بدأ الـح ش ص في بناء نظريّة “المجزرة” في بداياتها بصفتها جُزءًا من نظريّاته الطبقـيّة، نظريّاته عن الثورة، والصراع، والعنف، والنظام الديكتاتوريّ، وعن الحركات السياسية والأحزاب السياسية. وهذه النظرية تشملُ كلّ التجارب التي قام بها وتراكمت لديه أثناء مختلف أعماله الإباديّة.
نظريّة الإبادة عند الح ش ص تتمثـل أساسًا في القضاء تمامًا على الوعي والتفكير الذاتـيّيْن. وبهذه الطريقة تخدمُ “سيادة الرعب” المصالح الحيويّة للح ش ص. لا فقط سيُدمّرك الح ش ص إن وقفتَ ضدّهُ، ولكنه يُمكن أن يُدمّركَ حتـّى وإن كـُنتَ حليفهُ أيضًا. إنه يُبيدُ أيّ شخص يرى من منظوره الخاصّ أنه يستحقّ الإبادة. ونتيجة لذلك، فإنّ كلّ شخص يعيش تحت سقـف الرعب ويخشى الح ش ص.

9- تاسع الملامح الموروثة : السيطرة – استعمال مبادئ الحزب لمُراقبة الحزب ككُـلّ وبالتالي استعمال باقي المجتمع
كلّ الملامح الموروثة تهدف إلى تحقيق غايةٍ واحدةٍ : السيطرة على الشعب بواسطة الرعب. لقد برهن الح ش ص، بواسطة أعماله الشيطانيّة، أنه العدوّ الطبيعيّ لكلّ القوى الاجتماعيّة الموجودة. منذ نشأته، واجه أزمة تـلو الأخرى، وأشدّها هي أزمة حياته أو موته. إنّ الح ش ص يعيش في حالة خوفٍ مُستديمٍ من أجل بقاءه. هدفه الأوحد كان دائمًا الحفاظ على وجوده وسلطته – وهذا هو أعلى وأهمّ مكسب شخصيّ بالنسبة له. فـلِـيدْرَأ عن نفسه تدهور سلطته، كان عليه أن يكون شيطانيّا أكثر فأكثر. إنّ مصلحة الحزب ليست مصلحة أحد أعضاءه، أو مجموع مصالح شخصيّة، ولكن على الأحرى هي مصلحة الحزب بصفته كـَيَانـًا اجتماعيّا يعلو على كلّ طابعٍ شخصيّ.
وقد كانت “طبيعة الحزب” أكثر خاصّيةٍ خبيثةٍ من بين خاصّيات هذا الشيطان. لقد اكتسحت طبيعة الحزب الطبيعة الإنسانيّة بصفة كلــّية إلى درجة أنّ الشّعب الصينيّ فـقد طبيعته الإنسانيّة. مثلاً “جو آنلاي” و “سون بينغوان” كانا رفيقيْن في وقت من الأوقات. وبعد موت سون بينغوان، تبنـّى جو آنلاي ابنتهُ “سون واييشي”. وأثناء الثورة الثقافيّة، تمّ تأنيب سون واييشي. وفيما بعد ماتت في المُعتقـل نتيجة غرز مسمار طويل في رأسها. وقد كان جو آنلاي، أبوها بالتبنـّي، هو من وقــّع مُذكـّرة القبض عليها.
أحد رؤساء الح ش ص الأوائـل كان “ران بيشي”، وكان مُكلــّفـًا بعمليّات بيع الأفـيون أثناء الحرب ضدّ اليابان. في ذلك الوقت، كان الأفـيون رمزًا للغزو الأجنبيّ، وكان البريطانيّون يستعملون واردات الصين من الأفـيون لإثقال كاهل الاقتصاد الصينيّ وتحويل الصينيين إلى مُدمني مخدّرات. ورغم الإجماع الوطنيّ على كره الأفـيون والنفور منه، إلاّ أنّ ران، بسبب “حسّه الواعي بطبيعة الحزب”، تجرّأ على زرع الأفـيون على مساحات كبيرة، مُعرّضـًا نفسه للإدانة الجماعيّة. ونظرًا للطبيعة اللا- قانونية والحسّاسة لصفقات الأفـيون، كان الح ش ص يستعمل كلمة “صابون” كشفرة للدلالة على الأفـيون. كان الح ش ص يستعمل عائدات هذه التجارة السرّية – تجارة المخدّرات – مع البلدان المُجاورة، لكي يُموّل وجوده. في الذكرى المئويّة لميلاد ران، قام مُسيّر صينيّ من الجيل الجديد بالإثناء على الحسّ الحزبيّ المُرهف لدى ران بيشي، مُصرّحًا :”كان ران بيشي يملك طبيعة سامية، وكان عضوًا نموذجيّا في الحزب. وكان لديه أيضًا إيمان راسخ بالشيوعيّة وولاء لا حدود له لنـُصرة قضايا الحزب.”
وكان “جانغ سيدو” مثالاً للشخص الذي له قدرات طيّبة لخدمة الحزب. وقد قال الحزب أنه قد قــُتـِلَ نتيجة انهيار مُفاجئ لأحد الأفران، ولكنّ آخرين صرّحوا أنه مات وهو بصدد إحراق الأفـيون. ونظرًا لكونه شخصًا كتومًا، وسبـق وأن عمل في فيلق الحرس المركزيّ، ولكونه لم يطلـُب أبدًا ترقية، فقد قيل :”إنّ موته أثـقـل علينا من جبل تايشان” [12]، أي أنّ حياته كانت غالية كثيرًا.
مثال آخر على طبيعة الحزب هو “لاي فانغ”، الذي كان يُدعى بـ “البرغيّ الذي لا يصدأ أبدًا والذي يشتغـل دَؤوبًا في المَكـَنَة الثوريّة”. لفترةٍ طويلةٍ استـُعمـِلَ لاي و جانغ لتعليم الصينيين الولاء تجاه الحزب. قال ماوو تسي تونغ :”إنّ قوّة الأسوة ليس لها مثيل”. شخصيّات كثيرة من شخصيّات الحزب البطوليّة كانت تـُستـَعمَلُ لصياغة “العزيمة الفولاذيّة ومبدأ روح الحزب”.
عندما حصل الـح ش ص على السلطة، شنّ حملة عدوانيّة للسيطرة على العقول، بهدف تكوين “أدوات” و “لوالب” ضمن الأجيال المُتعاقبة. لقد كوّن الحزب جملة من “الأفكار الخصوصيّة” ومجموعة من السلوكيّات النموذجية. واستـُعمـِلتْ هذه القواعد والأنظمة في البداية داخل الحزب، ولكن سريعًا ما تمّ نشرها بين العموم. وكانت هذه الأفكار والأفعال – التي تختفي وراء قناع شعار الأمّة – تعملُ دَؤوبةً على غسل دماغ الناس لكي ينضوُوا داخل آليّات الـح ش ص الشيطانيّة.

II. التأسيس المُخجل للـح ش ص
إنّ الـح ش ص يدّعي أنّ له تاريخًا مجيدًا، تاريـخ سلسلة من الانتصارات. هذه ليست سوى محاولة من الـح ش ص لتجميل صورته وتعظيمها في عيون الناس. في الواقع، ليس للـح ش ص أيّ مجدٍ يُمكن أن يفخَرَ به. إنه في نهاية الأمر لم يتمكـّن من تأسيس قواعد سلطته والحفاظ عليها سوى باستعمال الملامح التسعة الموروثة المذكورة آنفـًا.
1- تأسّس الـح ش ص – نشأته في حضن الاتحاد السوفييتي
“إنّ أوّل طلقةٍ مدفعيّةٍ في ثورة أكتوبر قد حملت لنا معها الماركسيّة-اللينينيّة”. هذا هو الوصف الذي وصف به الـح ش ص نفسه للشعب. ومع ذلك، عندما تمّ تأسيس الحزب في البداية، لم يكـُن سوى الفرع الآسيويّ للاتحاد السوفييتي. منذ بدايته، كان حزبًا خائنـًا.
أثناء فترة تأسيس الحزب، لم يكـُن لديه مال، ولا ايديولوجيا، ولا أيّ أدنى تجربة. لم تكـُن لديه أيّ ركيزة تـُسندُ وجوده. لقد التحق الـح ش ص بالكوومينتارن لكي يـربط قدَرهُ بالثورة العنيفة التي كانت قائمة. ثورة الـح ش ص العنيفة لم تكـُن سوى سليلة ثورة ماركس و لينين. كان الكوومينتارن هو مركز القيادة للإطاحة بالسلطة السياسيّة في العالم أجمع ولم يكـُن الـح ش ص سوى فرعًا آسيويّا للشيوعيّة السوفييتية، خاضعًا لامبرياليّة الحرس الأحمر الروسيّ. لقد طبّـق الـح ش ص التجربة البولشيفيّة في الاستيلاء على السلطة عن طريق العنف وديكتاتوريّة البروليتاريا، كان على مستوى السياسة والايديولوجيا والتنظيم يسير على نسق الحزب الشيوعيّ السوفييتي. لقد سرق الـح ش ص الوسائل السرّية والمارقة عن القانون التي تـُمكـّن تنظيمًا خارجيّا ولا قانونيّا من البقاء حيّا، مُستعملاً المُراقبة ووسائل قصوى في السيطرة. لقد كان الاتحاد السوفييتي العمود الفقريّ للـح ش ص ومُعلــّمهُ.
إنّ المجلس التأسيسيّ للـح ش ص، والذي تمّ انتخابُهُ في المؤتمر الأوّل للـح ش ص، كان قد صـِـيـغَ من طرف الكوومينتارن وكان ينبني على الماركسيّة-اللينينيّة، وعلى نظريّات صراع الطبقات، وديكتاتوريّة البروليتاريا، وتكوين الحزب. ووفــّر المجلس التأسيسيّ للحزب السوفييتي قاعدته الأساسيّة. روح الـح ش ص تتمثـل في ايديولوجيا مُستوردة من الاتحاد السوفييتي. كان لـ “شان دوشيو”، أحد أهمّ موظفي الح ش ص، وجهات نظر مُخالفة لوجهات نظر “مارينغ”، ممثـل الكوومينتارن. فكتب مارينغ مُذكـّرة لشان مُصرّحًا أنه إن كان شان حقــّا عضوًا في الحزب الشيوعيّ، فعليه بالإذعان لأوامر الكوومينتارن. ورغم أنّ شان دوشيو كان أحد “آباء” الـح ش ص ومُؤسّسيه، إلاّ أنه لم يكـُن بوسعه فعـل شيءٍ سوى السمع وطاعة الأوامر. هو والحزب لم يكونا بالفعـل سوى أتباع للاتحاد السوفييتي.
أثناء المؤتمر الثالث للح ش ص في 1923، اعترف شان دوشيو عـَلـَنـًا أنّ الـح ش ص تـُؤمّن معاشهُ بصفة كلــّية تقريبًا نفقات الكوومينتارن. لقد جلب الكوومينتارن أكثر من 200.000 يوان في ظرف عامٍ واحدٍ، ورغم ذلك فإنّ النتائج لم تكـُن مُرضية. وقد اتـّهم الكوومينتارن الـح ش ص بالتراخي وبأنه لا يبذل الجهد الكافي.
استنادًا لإحصائيّات غير تامّة مأخوذة من وثائق الحزب التي تمّ إعادة نشرها بين العموم، تلقــّى الـح ش ص 16.655 يوان صيني من شهر أكتوبر 1921 إلى يونيو 1922. وفي 1924، تلقــّى 1.500 دولار أمريكيّ و 31.927 يوان، وفي 1927، تلقــّى 187.674 يوان. كانت المُساهمة الماليّة الشهريّة للكوومينتارن تـُقــَدّرُ بـ 20.000 يوان. إنّ الخطط التكتيكيّة التي يستعملها الـح ش ص اليوم، مثـل “اللوبيّة”، والخروج من الباب الخلفيّ، وإعطاء الرشوات، وممارسة التهديد ؛ كانت مُستـَعمَلة أيضًا في ذلك العهد. كان الكوومينتارن يلوم الـح ش ص على ممارسته الدائمة للـّوبيّة بهدف الحصول على المال.
“إنهم يستغلــّون مُختلف المُنظمات المُساعِدة (مكتب الاتـّصالات العالميّة، مُمثـلي الكوومينتارن، مُنظمات عسكريّة،…الخ) ليحصلوا على مُساعداتها الماليّة، لأنّ مُنظمةً مّا لا تدري أنّ المُنظمة الأخرى قد سبـق وأن دفعت مُساعدة […]. المُضحك في الأمر هو أنهم يفهمون نفسيّة رفقاءنا السوفييتيين بسرعة. وأهمّ من ذلك هو أنهم يعرفون كيف يتعاملون بصفة مختلفة مع الرفقاء المسؤولين عن توزيـع المُساعدات الماليّة. عندما يعلمون أنهم لن يحصلوا عليها عبر الطرق العاديّة، فهُم يُؤجّـلون الاجتماعات. وفي النهاية، يستعملون الطرق الأكثر قسوةً للقيام بالابتزاز عن طريق التهديد، كأن يُروّجوا شائعة أنّ بعض موظفي القاعدة لديهم علاقات مع السوفييتيين وأنّ المال يُعطى لأغنياء الحرب بدلاً عن الـح ش ص.” [13]

2- التحالف الأوّل بين الك م ت والـح ش ص – طفيليّ يتسرّب داخل بعثة الشمال ويُعرقلها [14]
طالما لقــّن الـح ش ص شعبه أنّ “شيانغ كاي- شك” قد خان حركة الثورة الوطنيّة [15]، ممّا أجبر الـح ش ص على شنّ ثورة مُسلــّحة.
في الحقيقة، الـح ش ص هو كائن طفيليّ وشيطان لا يعيش سوى من خلال التملــّـك بالآخرين. لقد عاضد الـك م ت في التحالف الأوّل بين الـك م ت والـح ش ص بغاية توسيـع نطاق تأثيره مُستغلاّ الثورة الوطنيّة. وبالإضافة إلى ذلك، كان الـح ش ص ينتظر بفارغ صبر شنّ ثورةٍ تكون مدعومة من السوفييتيين والاستيلاء على السلطة. إنّ جشعه على السلطة قد خان في الحقيقة حركة الثورة الوطنيّة ودمّرها.
أثناء المؤتمر الوطنيّ الثاني للـح ش ص، والذي أقيمَ في شهر يوليو 1922، سجّـل المُعارضون للتحالف مع الـك م ت حضورًا طاغيًا في المؤتمر، لأنّ أعضاء الحزب كانوا مُتـلهّفين على السلطة، ورغم ذلك أصدر الكوومينتارن فيتو مُعترضًا على القرار المُتـّخذ في المؤتمر وأمر الـح ش ص بالالتحاق بالـك م ت.
أثناء التحالف الأوّل بين الـك م ت والـح ش ص، أقام الـح ش ص مؤتمره الوطنيّ الرابع بشانغهاي في يناير 1925 وأثار قضيّة الزعامة في الصين قبل موت “سون يات- سن” [16] في 12 مارس 1925. ولو لم يكـُن قد مات، لكان قد تمّ استهدافه من قـِبَـل الـح ش ص عوض شيانغ كاي- شك، في سعيه وراء السلطة.
بمُساندة الاتحاد السوفييتي، استحوذ الـح ش ص بطريقة خبيثة على السلطة السياسيّة داخل الـك م ت أثناء تحالفه مع الـح ش ص. أصبـح “تان بينغشان” (1886-1956)، وهو أحد المُسيّرين الأوائل للـح ش ص في مقاطعة غوانغدونغ، وزيرًا للقسم المركزيّ لأعوان الك م ت. و “فانغ جوبو” (1899-1954) وهو أيضًا أحد المُسيّرين الأوائل للـح ش ص في مقاطعة غوانغدونغ)، أصبح كاتبًا عامّا لوزارة الشغل، وأصبحت له كامل الصلاحيّات للنظر في كلّ الشؤون المُتعلــّقة بالشغل. “لين جوهان” (أو لين بوكو، 1886-1960 أحد الأعضاء الأوائل للـح ش ص)، كان وزيرالشؤون الريفيّة، بينما كان “بانغ باي” (1896-1929، أحد مُسيّري الـح ش ص) الكاتب العامّ لهذه الوزارة. وكان ماوو تسي تونغ يقوم بدور وزير الدعاية في وزارة الدعاية التابعة للـك م ت. وكان الـح ش ص دائمًا يطمعُ في المدارس وفي الإدارة العسكريّة : فقد شغل جو آنلاي منصب مدير قسم السياسات في الأكاديميّة العسكريّة بهوانغبو (وهمبوا)، و “جانغ شاننو” (أو جانغ سونغنيان) 1893-1986، أحد مؤسّسي الـح ش ص وهو من قام بإدخال جو آنلاي)، كان المدير المُساعد في نفس الأكاديميّة. وكان جو آنلاي أيضًا رئيس شعبة قضاة الدفاع، وقد نصّب مُستشارين عسكريّين روس هنا وهناك. عديد الشيوعيّين كانوا يشغـَلون مناصب مُعلــّمين وسياسيّين وأساتذة جامعيّين في المدارس العسكريّة للـك م ت. بعض أعضاء الـح ش ص كانوا أيضًا يتولــّوْن مهمّة تمثيل حزب الـك م ت على مختلف المستويات في الجيش الثوريّ الوطنيّ [17]. وكان أيضًا من المُصَرّح به أنه بدون إمضاء ممثـلٍ عن الحزب، لا يكون أيّ أمر ساري المفعول. وتـَبَعًا لهذا اللصوق الطفيليّ بحركة الثورة الوطنيّة، ازداد عدد أعضاء الـح ش ص بصفة جذريّة – من 1.000 في 1925 إلى 30.000 في 1928.
بدأت بعثة الشمال في فبراير 1926. ومع ذلك، من أكتوبر 1926 إلى شهر مارس 1927، شنّ الـح ش ص ثلاث حركات تمرّد مُسلـّحة بشانغهاي. وفيما بعدُ، هاجم الـح ش ص مجلس القيادة العسكريّ لبعثة الشمال ولكنه فشل. وكانت فرق الإضرابات العامّة تشتبكُ كلّ يومٍ في خصوماتٍ عنيفةٍ مع الشرطة. مثـل حركات العصيان هذه أدّت إلى تطهير الـح ش ص من طرف الـك م ت في 12 أبريل 1927 [18].
وفي شهر أغسطس 1927، قام أعضاء الـح ش ص داخل الجيش الثوريّ للـح ش ص بإشعال حركة تمرّد نانشانغ، والتي تمّ إخمادها بسرعة. وفي سبتمبر، أطلق الـح ش ص حركة العصيان المُسلــّح لحصاد الخريف لمُهاجمة شانغشا، وهذا الهجوم بدوره تمّ إخماده. وبدأ الـح ش ص في وضع شبكة مُراقبة تمّ من خلالها “خلقُ شُعَبٍ للحزب داخل الجيش على مستوى الفرق” وفـرّ باتـّجاه جهة جبل دجينغغانغشان في مقاطعة دجيانغسي [19]، واضعًا هنالك قواعد نفوذه على القرى.

3- حركة تمرّد قرويي هونان – تحريض حثالة المجتمع على الثورة
أثناء بعثة الشمال، أثار الـح ش ص حركات تمرّد وعصيان في المناطق الريفية، محاولة منه للاستيلاء على السلطة، في حين كان الجيش الثوري القومي يقف في مواجهة أغنياء الحرب.
حركة تمرّد قرويّي هونان في 1927 كانت ثورة حثالة المجتمع، ثورة السّوقة والرّعاع، مثـلما هو الحال في كومونة باريس الشهيرة (حكومة باريس الثوريّة) في 1871 – وهي الثورة الشيوعيّة الأولى. بعض الفرنسيّين والأجانب الذين كانوا آنذاك في باريس رأوْا عيانـًا أنّ كومونة باريس كانت في الواقع مكوّنة من مجموعة لصوص مُتسكـّعين وصعاليك مُخرّبين فاقدي كلّ أمل وطموح. كانوا يتنعّمون بالعيش في المباني الأنيقة والقصور الريفيّة وأكل الوجبات الفاخرة والباذخة، لم يكـُن شغلهم الشاغل سوى مُتعهم الوقـتيّة دون التفكير في المستقبل. أثناء ثورة كومونة باريس، منعوا الصّحافة، واختطفوا رئيس أساقفة باريس، “جورج دابوا” الذي كان يدعو لصالح الملك، ثمّ قـتلوه رميًا بالرصاص. وقـتلوا بقسوة 64 كاهنـًا من أجل مُتعتهم الشخصيّة، وأحرقوا قصورًا، وهدموا مكاتب حكوميّة ومساكن خاصّة، وآثارًا وأعمدة منحوتة. إنّ الجمال البديـع للعاصمة الفرنسيّة كان لا يُضاهَى في أوروبّا. ومع ذلك، أثناء ثورة كومونة باريس، حُوّلت المباني إلى رمادٍ والناس إلى هياكل عظميّة. إنّ مثـل تلك القسوة ومثـل تلك الفظاعة لأمرٌ يندُرُ حدوثه في التاريـخ.
ومثـلما كان ماوو تسي تونغ يعترف :
“صحيـح أنّ القرويّين “عنيفون” في القرى. السلطة العليا هي الجمعيّة القرويّة، وهي لا تترك المجال لصاحب الأملاك وتذرو هيبته. وهو ما يجعله يعضّ التراب ويظلّ على تلك الحال. القرويّون يُهدّدون :”سوف نضعكم على القائمة الأخرى (قائمة الرجعيّين) !” هم يفرضون غراماتٍ ماليّة على الطغاة المحلــّيين والطبقة النبيلة الفاسدة، ويطلبون منهم مساهماتٍ ماليّة ويهدمون عرشهم. يكتسح الناس منازل الطغاة المحلــّيين والنبلاء الفاسدين المُعارضين لتنظيم القرويّين، ويقـتلون خنازيرهم ويستهلكون حبوبهم، وحتـّى أنهم يتمدّدون بعض الدقائق على أسرّة العاج التي تملكها الزوجات الشابّات في بـيوت النبلاء والطغاة المحلــّيين الفاسدين. إنهم عند أدنى استفزاز يُوقـفون الناس، ويضعون على رأس الشخص الذي تمّ إيقافه قـبّعة كبيرة من ورق، ويطوفون به في القرية، قائلين :”أنتم، يا أصحاب الأملاك القذرين، الآن تعرفون من نحنُ !” فاعلين ما يحلو لهم وقالبين كلّ شيءٍ يعترض طريقهم، لقد خلقوا نوعًا من الرّعب في القرى.” [2]
إلاّ أنّ ماوو كان يُؤيّد تأييدًا كاملاً مثل هذه الأعمال “العنيفة” قائلاً :
“للحديث بصراحة، من اللازم خلق الرّعب لفترةٍ مُعيّنةٍ من الزّمن في كلّ منطقةٍ ريفيّةٍ، وإلاّ فسيكون من المستحيل قمع أنشطة أعداء الثورة في القرى أو الإطاحة بسلطة النبلاء. الحدود المُتـّفق عليها يجب أن يتمّ تجاوزها لتصويب ما هو خطأ وسيّء، وإلاّ فما هو خطأ وسيّء لن يكون من الممكن تصويبه. […] الكثير من أعمالهم في تلك الفترة الثوريّة، يُعتـَبَرُ أنها تذهبُ بعيدًا ومُشطـّة، ولكنها في الواقع هي ما تحتاجه الثورة بالتحديد.” [2]
إنّ الثورة الشيوعيّة تخلق نظامًا من الرّعب.

4- العمليّة العسكريّة “ضدّ اليابان” نحو الشمال – سرقة المغلوبين
لقد وصف الـح ش ص العمليّة العسكريّة “ضدّ اليابان” باتـّجاه الشمال بـ “المسيرة الطويلة”. لقد تفنـّن في الإشادة بـ “المسيرة الطويلة” على أنها حكاية ثوريّة صينيّة. لقد ادّعى أنّ “المسيرة الطويلة” كانت “بَيَانـًا”، “فريق دعايةٍ”، و “مـِذرّةً”، وأنها انتهت بانتصار الـح ش ص وبهزيمة أعداءه.
الأكاذيب الواضحة للعيان التي ألــّفها الـح ش ص بخصوص السّير باتـّجاه الشمال لمحاربة اليابانيّين كانت تهدف إلى تغطية فشله وخيانته. من أكتوبر 1933 إلى يناير 1934، هُزِمَ الحزب هزيمة ذريعة. في العمليّة العسكريّة الخامسة للـك م ت، والهادفة إلى مُحاصرة الـح ش ص ومحقه، فـقدَ الـح ش ص مواقعه المُحصّنة في الأرياف واحدًا تـلو الآخر. وكانت قواعده الجهويّة تتراجعُ باستمرار، واضطرّ غالبيّة الجيش الأحمر إلى الفرار. ذلك هو الأصل الحقيقيّ لـ “المسيرة الطويلة”.
كانت “المسيرة الطويلة” تهدف في الواقع إلى الخروج من الحصار والهروب إلى منغوليا الخارجيّة وإلى روسيا السوفييتية على امتداد قوس باتـّجاه الغرب أوّلاً ثمّ باتـّجاه الشمال. وعندما يصلُ إلى هنالك، سيكون بإمكان الـح ش ص أن يفـرّ إلى الاتحاد السوفييتي في حالة تعرّضه للهزيمة. لقد لاقى الـح ش ص صعوباتٍ كبيرةً على الطريق إلى منغوليا الخارجيّة. لقد اختار رجاله أن يقطعوا شانسي و سوي يوان. من جهةٍ، كانوا عند سيْـرهم عبر هذه المقاطعات الشماليّة، يستطيعون أن يدّعوا أنهم “أعداء اليابانيّين” وهكذا يكسَبون قـلوب الناس. ومن جهةٍ أخرى، هذه المناطق لم تكن خطيرة إذ لا تـنتشرُ فيها أيّ فرقة يابانيّة. كانت الأرض التي يحتلــّها الجيش اليابانيّ تمتدّ على طول السّور العظيم. وإثر مرور سنةٍ على ذلك، عندما وصل الـح ش ص أخيرًا إلى شانباي (مقاطعة شماليّة من مقاطعات شانسي)، أضحت قوّة الجيش الأحمر المركزيّ التي كانت تعُدّ 80.000 رجلاً لا تعُدّ سوى 6.000 رجلٍ.

5- حادثة سيآن – الـح ش ص ينضمّ مرّة أخرى إلى الـك م ت
في ديسمبر 1936، قام “جانغ سويليانغ” و “يانغ هوشانغ” – وهما قائدان من قوّاد الـك م ت – باختطاف شيانغ كاي- شك بـ “سيآن”. ومنذ ذلك الحين تـُعرَفُ هذه الحادثة بـ “حادثة سيآن”.
استنادًا للرواية المذكورة في الكتب المدرسيّة للـح ش ص، كانت حادثة سيآن “عمليّة عسكريّة” قادها جانغ ويانغ، واللذان وضعا أمام شيانغ كاي- شك خيار الحياة أو الموت. وقد كان مُجبَرًا على اتـّخاذ موقف ضدّ الاحتلال اليابانيّ. ويُروى أنّ جو آنلاي وقع استدعاؤه في سيآن بصفته ممثلاً عن الـح ش ص لكي يُساعد على التفاوض للوصول إلى قرار سلميّ. وبفضل مختلف المجموعات الصينيّة التي تدخـّـلت بصفتها وسيطة في الأمر، وقع فضّ الحادثة بطريقة سلميّة، وتمّ بهذا وضع حدّ لعشر سنين من الحرب الأهليّة، وانطلاق حلف وطنيّ مُوحّد ضدّ اليابانيّين. الكتب التاريخيّة للـح ش ص تقول أنّ هذه الحادثة كانت مُنعَرَجًا جذريّا وحاسمًا للصين في أزمتها. ويصف الـح ش ص نفسه بكونه الحزب المُحبّ للوطن، الذي يُراعي مصالح الأمّة جمعاء.
ولكنّ عددًا مُتزايدًا من الوثائق كشف أنّ العديد من جواسيس الـح ش ص سَبَـق وأن التفــّوا حول يانغ هوشانغ وجانغ سويليانغ قبل حادثة سيآن. وكمثال على ذلك، أحد الأعضاء الخـفيّين للـح ش ص، “ليو دينغ”، تمّ تقديمه إلى جانغ سويليانغ من طرف “سونغ شينغلينغ”، زوجة “سون يات- سن”، وهي شقيقة السيّدة شيانغ وعضوة في الحزب. وبعد حادثة سيآن، هنـّأه ماوو تسي تونغ :”لقد قام ليو دينغ بدوره بطريقة ممتازة في حادثة سيآن.” وضمن أولئك الذين يعملون إلى جانب يانغ هوشانغ، كانت زوجته، “سي باووجن” عضوة ً في الحزب وكانت تعملُ في القسم السياسيّ للجيش. تزوّجت سي يانغ هوشانغ في يناير 1928 بموافقة الـح ش ص وتأييده. وزيادة على ذلك، “وانغ بينغنان”، عضو الـح ش ص، كان آنذاك يحُـلّ ضيف شرفٍ على يانغ. وقد أصبح وانغ فيما بعدُ نائب وزير في وزارة الشؤون الخارجيّة للـح ش ص. لقد كان هؤلاء الأعضاء، أعضاء الـح ش ص المتواجدين حول يانغ وجانغ هم من دبّروا هذه العمليّة مُباشرةً.
بالفعـل، في بداية الحادثة، كان مُسيّروا الـح ش ص يريدون قـتل شيانغ كاي- شك وهكذا ينتـقمون من قمعه السابق للـح ش ص. في ذلك الوقت، كان للـح ش ص قاعدة ضعيفة جدّا في مقاطعة شانسي الشماليّة، وكان قد تعرّض لخطر أن يـقع القضاء عليه نهائيّا في معركة واحدة. لذلك استجمع الـح ش ص كلّ مؤهّلاته في فنّ الافتعال والكذب والخديعة، وأوعز لجانغ وليانغ بأن يتمرّدا. ولإبطال حركة اليابانيّين ولمنعهم من مهاجمة الاتحاد السوفييتي، كتب ستالين إلى اللجنة المركزيّة للـح ش ص طالبًا منهم ألاّ يقـتلوا شيانغ كاي- شك، وأن يتعاونوا معه مرّة أخرى. وأدرك ماوو تسي تونغ و جو آنلاي أنه ليس بمقدورهم تدمير الـك م ت بتلك القوّة المحدودة للـح ش ص، وأنهم حتـّى وإن قـتلوا شيانغ كاي- شك، فإنهم سيُهزَمون بل وسيتمّ إبادتهم ثأرًا وانتقامًا من طرف جيش الـك م ت. حيال هذه الظروف، غيّر الـح ش ص لهجته، فأجبر شيانغ كاي- شك على قبول التعاون والعمل المُشترك مرّة أخرى، باسم مقاومة موحّدة ضدّ اليابانيّين.
افتعل الـح ش ص أوّلاً ثورةً عندما صوّب فوّهة البندقيّة نحو شيانغ كاي- شك، ولكنه سرعان ما تراجع، كما يفعل بطل على خشبة المسرح، وأرغمه من جديدٍ على قبول الـح ش ص. وبهذه الطريقة، لا فقط تفادى الـح ش ص أزمة موتٍ واندثار، بل واغتنم أيضًا الفرصة للانضمام إلى حكومة الـك م ت مرّة ثانية. ووقع تحويل الجيش الأحمر إلى جيش الطريق الثامن، وصار أكبر وأقوى ممّا كان عليه. ليس بوسعنا هنا سوى أن ننوّه بموهبة الـح ش منقطعة النظيـر في فنّ الخداع.

6- الحرب ضدّ اليابان – الـح ش ص ينمو ويزداد ممارسًا القتال بأسلحة مستعارة
في الواقع، عندما اندلعت الحرب ضدّ اليابان في 1937، كان الك م ت يملك ما يزيد على 1.7 مليون جندي مسلح، وسفن حمولة تتجاوز 110.000 طن، وما يقارب 600 طائرة قتال من مختلف الأصناف. مقارنةً مع ذلك، كان الحجم الكلــّي لجيش الـح ش ص، بما في ذلك الجيش الجديد والجيش الرابع الذي كان قد تمّ تجميعه في نوفمبر 1937، لا يتجاوز 70.000 رجلاً. كانت قوّته لا تزال بعدُ منهكة بسبب السياسات التقسيمية الداخلية وكان من الممكن القضاء على تلك القوة في معركة واحدة. لقد أدرك الـح ش ص أنه إن كان عليه مواجهة اليابانيين في المعركة، فلن يكون قادرًا أن يغـلب حتـّى فرقة واحدة من الفرق اليابانية. بالنسبة للـح ش ص، النقطة الجوهرية في تركيزه وتكريسه للـ “وحدة الوطنية” كانت تدعيم سلطته هو أكثر منها إنقاذ حياة الأمّة. ونتيجة لذلك، أثناء عمله المشترك مع الـك م ت، مارس الـح ش ص سياسة داخلية “تعطي الأولوية للصراع من أجل السلطة السياسية، وهذا الصراع يجب أن يكون مُعلـَنـًا في الداخل ويتمّ تجسيمه في ممارسات فعلية.”
بعد أن احتـلّ اليابانيون مدينة شانيانغ في 18 سبتمبر 1931، باسطين سيطرتهم على رقعة أوسع فأوسع من مناطق الصين الشمالية، حارب الـح ش ص يكاد يكون جنبًا إلى جنبٍ مع المحتـلّ الياباني للتغـلــّب على الـك م ت. في تصريـح كـُتـِبَ ردّا على الاحتلال الياباني، حرّض الـح ش ص سكـّان المنطقة التي يسيطر عليها الـك م ت على التمرّد، داعيًا “العمّال إلى الإضراب، والفلاّحين إلى اختلاق مشاكل، والطلاّب إلى مقاطعة الدروس، والفقراء إلى التوقف عن العمل، والجنود إلى الثورة” بهدف الإطاحة بالحكومة الوطنية.
رغم أنه كان يحمل كشعار لافتةً تدعو إلى مقاومة اليابانيين، إلاّ أنّ الـح ش ص لم يكن يملك سوى أسلحة محلــّية وقوات تقوم بحرب عصابات في معسكرات بعيدة عن خطوط الجبهة. باستثناء عددٍ من المعارك، بما فيها تلك التي وقعت في الممرّ الجبلي بـ “بينغسينغ”، لم يُساهم الـح ش ص كثيرًا في الحرب ضدّ اليابانيين. وعوضًا عن ذلك، كانوا يصرف طاقته في توسيـع قاعدته الشخصية. وعندما استسلم اليابانيون، أدخل الـح ش ص في جيشه الجنود الذين كانوا يستسلمون، زاعمًا أنه قد وسّع قاعدة الجيش إلى 90.000 ألف جندي نظاميّ ومليونيْ جندي احتياطيّ. لقد كان جيش الـك م ت بالأساس بمفرده على خطوط الجبهة محاربًا اليابانيين، وقد فقد 200 جنرالاً في الحرب. أمّا قوّاد الوحدة العسكرية عند الـح ش ص فيمكن القول أنهم لم يتكبّدوا خسائر. ومع ذلك فإنّ كـُتب الـح ش ص كانت دائمًا تدّعي أنّ الـك م ت لم يقاوم اليابانيين، وأنّ الـح ش ص هو من قاد معركة النصرالكبير في الحرب ضدّ اليابان.

7- إصلاح يانآن – خلق طرق الاضطهاد الأكثر رعبًا
لقد جذب الـح ش ص عددًا ضخمًا من الوطنيين الشبان في يانآن باسم محاربة اليابانيين، ولكنه إثر ذلك اضطهد الآلاف منهم أثناء حركة “الإصلاح” في يانآن. وبعد أن أمسك بزمام النفوذ على الصين، واصل الـح ش ص تصويـر يانآن على أنها “الأرض الثورية المقدسة”، ولكنه لم ينبس ببنت شفةٍ عن الجرائم التي ارتكبها أثناء “الإصلاح”.
كانت حركة “الإصلاح” في يانآن هي أكبرلعبة من ألعاب السلطة وأقـتمها وأكثرها ضراوة في العالم الإنساني. فـبذريعة تطهير طبقة البورجوازيين الصغار من سمومها، قضى الحزب على الأخلاق، وعلى استقلالية التـفكير، وعلى حرّية التصرف، وعلى التسامح وعلى الكرامة. كانت المرحلة الأولى في “الإصلاح” هي تكوين ملفّ أرشيف شخصيّ لكلّ فرد، وهذا الأرشيف يضمّ :
“1- تصريـح شخصيّ
2- تاريـخ الحياة السياسية للشخص
3- تاريـخ العائلة والعلاقات الاجتماعية
4- ترجمة شخصية والتغيّـر الايديولوجي
5- التقييم بناءًا على طبيعة الحزب”
في الأرشيف الشخصي، كان يجب على الفرد إعطاء قائمة في كلّ من يعرفهم، وفي كلّ الأحداث المهمّة التي وقعت له منذ الولادة، وأن يذكر الزمان والمكان الذي وقعت فيه. كانوا يطلبون من الناس أن يكتبوا في الأرشيف عدّة مرّات، وكانوا يقولون لهم أنّ عدم ذكر شيءٍ مّا سيُؤخـَذ على أنه علامة من علامات الدنس وعدم النقاوة. كان يجب على الفرد وصف كلّ الأنشطة الاجتماعية التي شارك فيها، وخصوصًا تلك المرتبطة بانتماءه للحزب. كان يتمّ وضع الثـقـل على المسار الذي يتـّبعه فكر الشخص أثناء هذه الأنشطة الاجتماعية. وأهمّ من ذلك كان التقييم المبنيّ على طبيعة الحزب، كان على الشخص أن يعترف بكلّ فكرة أو سلوك مضادّيْن للحزب في وعيه، وفي أقواله، وفي تصرّفه في العمل وفي الحياة اليومية أو الأنشطة الاجتماعية. في مراجعة المرء لنفسه بإمعان، كان المطلوب منه أن يتفحّص ما إذا كان منشغلاً بمصلحته الشخصية، ما إذا كان قد استغلّ عمله في خدمة الحزب لبلوغ أهداف شخصية، ما إذا كانت ثـقته في المستقبل الثوري قد خَـبَتْ نوعًا مّا أوتراجعت، ما إذا كان قد خشي الموت أثناء المعارك، وما إذا كان قد اشتاق إلى أفراد عائلته وزوجته. لم تكن هناك أجوبة موحّدة ثابتة، إذ ًا فكلّ شخص تقريبًا كان يمكن اتـّهامه بأنه يشكو من مشكل مّا.
كانوا يستعملون القسر والإكراه ليعتصروا “اعترافات” من الإطارات الذين كانوا يشكـّون فيهم وذلك بهدف القضاء على “الخونة المختبئين”. وقد أدّى هذا إلى مؤامرات لا تحصى ولا تعدّ، إلى اتـّهامات صحيحة وباطلة، وتمّ قـتل عددٍ كبير من الإطارات. أثناء “الإصلاح”، كانوا يُسمّون يانآن “موضعًا فيه يتمّ تطهير الطبيعة البشرية”. ودخل فريـق من فرق العمل إلى جامعة الشؤون العسكرية والسياسية ليتمعّن في السّيَـر الذاتية للإطارات، مسبّبًا شهريْن من الرعب والدم. تمّ اللجوء إلى مختلف الوسائـل لاعتصار الاعترافات، لقد أمروا الناس أن يعترفوا وبيّنوا لهم كيف يعترفون. كانت تحدث هناك أشياء مثـل “الإقناع الجماعيّ”، “الإقناع في خمس دقائق”، “المجلس الخصوصيّ”، “تقارير عن المحادثات والاجتماعات”، و “تعريف الفجل (أحمر من الخارج وأبيض من الداخل)”. كان هناك أيضًا “التقاط صور” يكون فيها الجميـع مصطفــّين صفـّا واحدًا على المصطبة ليخضعوا للامتحان. أولئك الذين كانوا يبدون عصبيين كانوا يُصنـّفون على أنهم مشكوك فيهم وكان يتمّ إجراء بحثٍ بشأنهم.
حتـّى مُمثـلون عن الكوومينتارن عبّروا عن نفورهم إزاء الوسائل المستعملة أثناء الإصلاح وقالوا أنّ الوضعية في يانآن مُحبطة. كان الناس لا يجرؤون على ربط علاقات مع بعضهم البعض. كان كلّ شخص يعمل من أجل مصلحته الشخصية وكان الكلّ عصبيّا ومُرتاعًا. لا أحد كان يجرؤ على قول الحقيقة أو على حماية الأصدقاء الذين عُومِلوا معاملة سيّـئة، لأنّ كلّ شخص كان يسعى للحفاظ على حياته. الفاسدون، أولئك الذين يتملــّـقون، ويكذبون، ويُهينون الآخرين، كان يتمّ ترقيتهم ؛ في يانآن، أصبحت الإهانة خبزًا يوميّا – إن كان ذلك إهانة الشخص لرفقاءه أو إهانته لنفسه. كان يتمّ دفع الناس إلى مصاف الجنون، بعد أن تمّ إجبارهم على ترك الكرامة والشرف والحياء والمحبة المُتبادلة، سعيًا إلى النجاة بحياتهم والحفاظ على مركزهم المهنيّ. فلم يعبّروا بعدها عن آرائهم الخاصة، وبدلاً عن ذلك كانوا يحفظون ويردّدون مقالات مسيّري الحزب.
وقد تمّ استعمال نفس نظام القمع هذا في كلّ الأنشطة السياسية للـح ش ص منذ استحواذه على السلطة في الصين.

8- ثلاث سنوات من الحرب الأهلية – خيانة الوطن للحصول على السلطة
كانت الثورة البورجوازية الروسية في فبراير 1917 انتفاضة صغيرة نسبيّا. كان القيصر يضع مصالح البلاد في المرتبة الأولى وتخلــّى بنفسه عن العرش بدل أن يقاوم. وعاد لينين من ألمانيا إلى روسيا بسرعة، ودبّـر انقلابًا آخر وقـتل ثوريّي الطبقة الرأسمالية الذين أطاحوا بالقيصر، وهكذا فقد لوى عنق الثورة البورجوازية الروسية. الـح ش ص، مثـله مثـل لينين، قطف هو الآخر ثمار الثورة الوطنية. بعد انتهاء الحرب ضدّ اليابان، شنّ الـح ش ص “حرب تحريـر” مزعومة (1946-1949) لكي يُطيـح بحكومة الـك م ت، جالبًا على الصين شؤم الحرب مرّة أخرى.
إنّ الـح ش ص شهير بـ “استراتيجيّة الجماهير الكبيرة” لديه : التضحية بعددٍ كبير من الأفراد إذ يُصابون أو يُقتـَلون في سبيل الانتصار في معركة. في عديد المعارك مع الـك م ت، بما فيها تلك التي شنـّوها في لياووسي- شانيانغ، بيكين- تيانجين وهواي- هاي [20]، استعمل الـح ش ص تـقنيات بدائية، همجية ووحشية، ولاإنسانية، تتمثـل في تضحية الدولة بعددٍ كبير من أفراد شعبها. في حصاره على مدينة شانغشون في مقاطعة جيلين في الشمال الشرقي للصين، وبهدف استنفاذ المدّخرات الغذائية للمدينة، كان على جيش تحريرالشعب (ج ت ش) أن ينفذ أوامر تتمثـل في منع المدنيين من مغادرة المدينة. أثناء الشهريْن الذيْن استغرقهما الحصار على شانغشون، مات قرابة 200.000 شخص بردًا وجوعًا. ولكن الـح ش ص لم يتركهم يغادرون. وعندما انتهت المعركة، ادّعى الـح ش ص، بكلّ وقاحة، أنه قد “حرّر شانغشون دون أن يطلق رصاصة واحدة”.
من 1947 إلى 1948، أمضى الـح ش ص على “معاهدة هاربين” و “معاهدة موسكو” مع الاتحاد السوفييتي، متنازلاً عن الممتلكات الوطنية وموزعًا موارد الشمال الشرقي مقابل الدعم الكامل من طرف الاتحاد السوفييتي في العلاقات الخارجية والشؤون العسكرية. حسب الاتفاقيات، من المفترض أن يمدّ الاتحاد السوفييتي الـح ش ص بـ 50 طائرة، وأن يعطيه – على دفعتيْن – أسلحة اليابانيين الذين استسلموا للعدالة، وأن يبيعه بسعـر منخفض العتاد الحربي والأدوات العسكرية تحت رقابة سوفييتية في الشمال الشرقي للصين. فإذا شنّ الـك م ت عملية برمائية واحتـلّ الشاطئ في الشمال الشرقي، يُفتـَرضُ أن يدعم الاتحاد السوفييتي جيش الـح ش ص سرّا. وزيادة على ذلك، يُفتـَرضُ أن يساعد الاتحاد السوفييتي الـح ش ص على المسك بزمام النفوذ على سيندجيانغ في الشمال الشرقي للصين، وأن يكوّن الـح ش ص والاتحاد السوفييتي قوات جوّية حليفة، وأن يساعد السوفييتيون على تجهيز 11 فرقة من جيش الـح ش ص، وأن ينقل ثـلث أسلحته التي زوّدته بها الولايات المتحدة (بما قيمته 13 مليار دولار) إلى الشمال الشرقي للصين.
للحصول على المساندة السوفييتية، وعد الـح ش ص الاتحاد السوفياتي بامتيازات في التنقـل في الشمال الشرقي، برّا وجوّا، وزوّد الاتحاد السوفييتي بمعلومات عن تحرّكات حكومة الـك م ت وعن الجيش الأمريكي في نفس الوقت، وزوّد الاتحاد السوفييتي بمنتوجات قادمة من الشمال الشرقي (قطن، فاصوليا السوجا) وبالأدوات العسكرية في مقابل أسلحة متطوّرة، ومنح الاتحاد السوفييتي حقوقـًا منجميّة تمييزية في الصين، وسمح لجيوش الاتحاد السوفييتي بالتوقف في الشمال الشرقي والسيندجيانغ، وسمح للسوفييتيين بتأسيس مكتب مخابرات الشرق الأقصى في الصين. وإن اندلعت حرب في أوروبا، يُفتـَرضُ أن يُرسل الـح ش ص حملة عسكرية ذات 100.000 رجلاً، إضافة إلى 20 مليون عاملاً لمساندة الاتحاد السوفييتي. وزيادة على ذلك، كان الـح ش ص يعِدُ بضمّ بعض المناطق الخاصة : مقاطعة لياوونينغ ومقاطعة آندونغ – إن اقتضى الأمر – مع كوريا الشمالية.

III. تجلـّي ملامح الفساد
1- خوف متواصل يطبـع مراحل تاريـخ الحزب
الخاصّية الأكثر بروزًا من خاصّيات الـح ش ص هو خوفه المستمرّ. البقاء على قيد الحياة ظلّ دائمًا محور الاهتمام الجوهري بالنسبة للـح ش ص منذ أن خـُلق. وقد نجح محور الاهتمام هذا في تجاوز الخوف الذي يكمن وراء صورته الخارجية، المتغيّرة باستمرار. إنّ الـح ش ص هو مثـل خـليّة سرطانية آخذة في الانتشار والتسرّب إلى كلّ جزءٍ من الجسم، مُسبّبةً موت الخلايا الطبيعية ومُتيحةً المجال لتكاثر الخلايا الخبيثة. في هذه الدورة التاريخية من تاريخنا المعاصر، لا يستطيع المجتمع أن يقضي على قوّة كهذه، قوّة طفرت مثـل الـح ش ص، ولا يملك المجتمع من حلّ سوى أن يتركها تنمو وتتنامى كما تشاء. لقد مرّت هذه القوّة بطفرة قويّة جدّا، قويّة إلى درجة أن لا شيء يقع داخل محيط توسّعها بإمكانه أن يوقفها. وبالتالي فإنّ جزءًا كبيرًا من المجتمع صار ملوّثـًا، ومناطق شاسعة تمّ اكتساحها من طرف الشيوعية أو عناصر شيوعية. هذه العناصر مُدَعّمة ومُستغلـّة من طرف الـح ش ص، وقد جعلت الأخلاق والمجتمع البشري ينحطان ويتدهوران من أساسهما.
لا يؤمن الـح ش ص بأيّ مبدأ أخلاقي أو مبدأ عدالة مثـلما هو سائد ومُتعارف بين الناس. كلّ مبادئه يوظفها بصفة كلــّية لصالحه. إنه أنانيّ بالأساس، وليس هناك مبادئ من شأنها أن تحدّ من رغباته أو تسيطر عليها. وهو يحتاج إلى أن يغيّـر – على قاعدة مبادئه الشخصية – بصفةٍ متواصلةٍ مظهره الخارجي، مثـل ثعبان يكتسي جلدًا بعد آخر. أثناء الفترة الأولى، عندما كان بقاءه على قيد الحياة في الميزان، التصق بالحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي، بالك م ت، بالهيئة المديرة للك م ت، وبالثورة الوطنية. وبعد أن استحوذ على السلطة، التصق بمختلف أشكال الانتهازية، بنفوس المواطنين ومشاعرهم، بالبُنى والأدوات الاجتماعية، وبكلّ شيءٍ أمكن له أن يضع عليه يده. لقد استعمل كلّ أزمةٍ كفرصةٍ لتحصيل المزيد من النفوذ وتدعيم وسائـل سيطرته.

2- الشرّ هو “السلاح السحري” الذي استـُعمِل لتأسيس الـح ش ص
يدّعي الـح ش ص أنّ النصر الثوري يتوقف على ثلاثة “أسلحة سحريّة” : تأسيس الحزب، القتال المسلــّح، والجبهة الموحّدة. التجربة مع الك م ت منحت الـح ش ص “سلاحيْن” آخريْن من نفس النوع : الدعاية والجوسسة. مختلف “الأسلحة السحرية” للحزب كلها مُستوحاة من الملامح التسعة الموروثة للحزب : الشرّ، الكذب، الاستفزاز، تمرّد حثالة المجتمع، الجوسسة، النهب، الصراع، التصفية، والسيطرة.
الماركسية-اللينينية شيطانية بطبعها. ومن سخرية الأقدار أنّ الشيوعيين الصينيين لا يفهمون جيّدًا الماركسية-اللينينية. قال لين بياو [21] أنّ هناك عددًا قليلاً جدّا من أعضاء الـح ش ص قد قرأوا فعلاً أعمال ماركس أو لينين. في نظر العامّة، كان تشو تشيو باي [22] ايديولوجيّا، ولكنه كان يعترف بأنه لم يقرأ سوى القـليل القـليل عن الماركسية-اللينينية. ايديولوجية ماوو تسي تونغ هي نسخة ريفيّة من الماركسية-اللينينية تدعو إلى تمرّد الفلاحين. ونظرية دانغ سياوبينغ في المرحلة البدائية للاشتراكية تـنضوي تحت عنوان : رأسمالية. “التمثيلات الثلاث” [23] لجيانغ زمين تمّ جمعها انطلاقـًا من لا شيء. لم يفهم الـح ش ص أبدًا الماركسية-اللينينية حقــّا، بل ورث بعض النواحي الشرّيرة أسّس على قاعدتها أشياءه الخاصّة التي هي أكثر شرّا.
الجبهة الموحّدة للـح ش ص هي ظرف مُكوّن من الخـُدع والرشاوي على مدًى قصير. كان الهدف من هذا الاتحاد هو ترسيـخ سيادته ومساعدته لينمو من عُصبة ضيّقة منعزلة إلى عُصبة ضخمة، وتحويـل مجموعة أصدقاءه إلى مجموعة أعداءٍ له. كان الاتـّحاد يحتاج إلى التمييز، فكان يُحدّد من هم الأعداء ومن هم الأصدقاء، ومن على اليسار، على الوسط، وعلى اليمين، ومع من ومتى يجب أن يـربط علاقة صداقة، ومن يجب أن تتمّ مهاجمته ومتى. كان يُحوّل بسهولة أعداء قدماء إلى أصدقاء ثمّ إلى أعداء من جديدٍ. مثلاً، أثناء فترة الثورة الديموقراطية، تحالف الحزب مع الرأسماليين، وأثناء الثورة الاشتراكية، قام بتصفية الرأسماليين. ولـْـنتأمّـل مثالاً آخر : تمّ استعمال مسيّري أحزاب ديموقراطية أخرى مثـل جانغ بوجون [24] ولوو لونغدجي [25] – أحد مؤسّسي “الرابطة الديموقراطية للصين” – كمدافعين ومنافحين عن الـح ش ص أثناء فترة استحواذه على السلطة، ولكن فيما بعد تمّ اضطهادهم بصفتهم “يمينيين”.

3- الـح ش ص عصابة دنيئة ومُحترفة
استعمل الح ش ص استراتيجيات ذات جانبين : جانب ليـّن ومرن، والجانب الآخر قاسٍ وصعب. استراتيجياته اللينة تضمّ الدعاية، الجبهات الموحّدة، بثّ الفتنة والخلافات، الجوسسة، تنظيم حركات التمرّد، الرياء والنفاق، التسرّب والتغلغل داخل نفوس الناس، غسل الدماغ، الكذب والخداع، إخفاء الحقيقة، الانتهاك النفسي، خلق جوّ من الرعب. بصنعه لكلّ هذا، يخـلق الـح ش ص مرض الخوف في قـلوب الناس، الأمر الذي يجعلهم ينسوْن بسهولة مساوئ الحزب. مجموعة الوسائـل هذه تمكـّنت من كبت الطبيعة الإنسانية ومن خلق جوّ ملائم للعدوانية عند الإنسان. الاستراتيجيات القاسية تضمّ العنف، الصراع المسلــّح، الاضطهاد، الحركات الساسية، قـتل شهود العيان، الاختطاف، تصفية الأصوات المعارضة، الهجومات المسلحة، الاضطهادات الدورية، الخ. هذه الوسائـل تخـلق الرعب وتـُثيره.
يستعمل الـح ش ص الوسائل اللينة والقاسية في الآن نفسه. هذه الوسائـل يُمكن أن تكون مُتسامحة في حالاتٍ، ومُتشدّدة في حالاتٍ أخرى، أو أنها قد تظهر مُتسامحة من الخارج ولكنها قاسية في أعماقها. في جوّ منبسط، شجّع الـح ش ص الناس على التعبيـر عن مختلف الآراء، ولكن كمَثــَل الثعبان الذي يـقع إغراءه بهدف استدراجه خارج الجحر، فإنّ أولئك الذين تكلــّموا بصراحة كان يـقع اضطهادهم في الفترة الموالية – فترة الرقابة الصارمة. كثيرًا ما استعمل الـح ش ص الديموقراطية ليتحدّى الـك م ت، ولكن عندما كان يوجد هناك – في المناطق التي يسيطر عليها الـح ش ص – مثقـفون لا يتـّفقون مع الحزب، كان يتمّ تعذيبهم أو حتـّى قطع رؤوسهم. مثلاً “حادثة السوسن البرّي” الشنيعة، وهي أنّ المثقـف وانغ شيويـز (1906-1947) الذي كتب مقال “السوسن البرّي” مُعبّرًا فيه عن مثـله الأعلى في المساواة والديموقراطية والإنسانية، تمّت “تصفيته” أثناء حركة إصلاح يانآن وتمّ إعدامه بالفأس من طرف الـح ش ص في 1947.
أحد الأعيان القدماء ممّن تعذبوا من قلاقل حركة “الإصلاح” بيانآن يتذكـّر أنه عندما كان يتمّ وضعه تحت ضغط شديد وإرغامه على أن يعترف، الأمر الوحيد الذي كان يستطيع فعله حينها هو أن يخدع ضميره ويختلق أكاذيب. كان يُحسّ داخليّا بالاستياء لتوريط رفقاءه واتـّهامهم لأوّل مرّةٍ. وكره نفسه إلى درجة أنه أراد وضع حدّ لحياته. وبالصدفة، كانت هناك بندقية قد وُضِعت على الطاولة، فأخذها ووجّه الفوّهة نحو صدغه وضغط على الزناد. ولكن البندقية كانت غير مُعبّأة. ثمّ دخل الشخص الذي كان يستجوبه وقال :”إنه لأمر جيّد كونك تعترف بأنك قد ارتكبت شيئـًا سيّئـًا. سياسات الحزب رحيمة. الحزب الشيوعي يعرف أنك بلغت الحدّ الأقصى، ويعرف “ولاءك” تجاه الحزب، إذ ًا فقد اجتزت الاختبار بنجاح.” يدفع الـح ش ص الناس إلى فخاخ قاتلة ؛ ثمّ يستمتع بمرأى عذابهم ومذلــّـتهم. وعندما يبلغون الحدّ الأقصى ولا يعودون يتمنـّوْن سوى الموت، يرتدي الحزب رداء الطيبة ويهَبُهم فرصة حياةٍ أخرى. هناك مَثـل يقول “جبان حيّ أفضل من بطل ميّت”. فيصيرون مُمتـنــّين نحو الحزب كما لو كان هو مُخلــّصهم. وبعد مُضيّ سنواتٍ من ذلك، سمع ذلك الموظف في هونغ كونغ عن الفالون غونغ : طريقة تشيكونغ ووسيلة تهذيب للجسم والروح، قد انبثـقت في الصين. كان يُدرك أنّ طريقة الممارسة هذه طيّبة، ولكن عندما بدأ اضطهاد الفالون غونغ، عادت إليه ذكريات الماضي المؤلمة ولم يجرؤ بعدئذٍ على قول أنّ فالون غونغ طيّب.
تجربة آخر امبراطور بو يي [26] كانت مماثـلة لتجربة هذا الموظف. فقد حبسه الـح ش ص في زنزانة، وعندما رأى أشخاصًا آخرين يُقـتـَلون، فكـّر أنه لن يمرّ وقت طويل قبل أن يأتي عليه الدور هو أيضًا. وللبقاء على قيد الحياة، قبــِل بالمذهبة وتعاون مع حرّاس السجن. وفيما بعد كتب قصّة حياته :”الشطر الأول من حياتي”، وقد استعمل الـح ش ص هذا الكتاب كنموذج لإعادة التطويـع الايديولوجي.
حسب دراسات طبّية معاصرة، عدد كبير من ضحايا الضغط الشديد والانعزال تنمو لديهم تبعيّة غيـر طبيعية تجاه غاصبـيهم، ويُعرَف هذا المرض باسم مرض ستوكهولم. وتـَبعًا لذلك، تصير أمزجة الشخص، سعادته أو غضبه، فرحته أو حزنه، يُمليها عليه غاصبه (أو جلاده). وأدنى هبةٍ أو معروفٍ تتقـبّـلهما الضحية بامتنان عميـق. هناك حتـّى حالات ينشأ فيها لدى الضحايا “حبّ” غاصبـيهم. وقد استعمل الـح ش ص منذ وقتٍ طويل هذه الظاهرة السيكولوجيّة بنجاح ضدّ أعداءه وللسيطرة على نفوس المواطنين.

4- الحزب الشيوعي هو الأشدّ إيذاءًا
الأمناء العامّون العشرة الأوائل للـح ش ص تمّ تـلقيـبهم بلقب “أعداء الشيوعية”. يبدو من الواضح أنّ الـح ش ص لديه حياته الخاصّة وكيانه المستقـلّ. الحزب هو الذي يُقرّر مصير مسيّريه وليس العكس. في “المناطق السوفييتية” من مقاطعة دجيانغتسي، عندما كان الـح ش ص مُحاصَرًا من طرف الك م ت وكان يُصارع من أجل العيش، حتـّى في ذلك الظرف لم يتورّع عن القيام بعمليّات تطهيـر داخليّ، باسم مكافحة “الأقسام المعادية للبولشيفية”، حيث يُعدم جنوده ليلاً أو يقـتلهم رجمًا بالحجارة لادّخار الرصاص. في المقاطعة الشمالية لشآنسي، ألفى الـح ش ص نفسه في مأزق بين المطرقة والسندان : اليابانيين من جهةٍ والك م ت من جهةٍ أخرى، فشنّ حركة إصلاح يانآن، حركة تطهير جماعيّ، قاتلاً كثيرًا من الأبرياء. هذا النوع من المجازر المتكرّرة، والمُقامة على نطاق واسع، لم يمنع الـح ش ص من توسيـع نطاق تأثيره حتـّى انتهى به الأمر إلى أن يحكم شبه القارّة الصينية. وانطلاقـًا من تلك الرقعة السوفييتية الصغيرة، عمّمَ نموذج القـتل ذاك على كلّ الصين.
إنّ الح ش ص أشبه ما يكون بالورم الخبيث. أثناء تناميه المتزايد، ورغم أنّ نواة الورم مُتحجّرة، إلاّ أنّ مساحة محيطها تنمو وتنتشر دائمًا في الجزء المُعافى من الجسم. وعندما يتمّ اكتساح هذا الجزء فإنه يُكوّن بدوره ورمًا آخر. مهما يكن الشخص جيّدًا أو سيّئـًا في البداية، هذا لا يهمّ، حالما يلتحق بالـح ش ص، يصير جزءًا من قوّته المدمّرة، وكلــّما كان الشخص نزيهًا وجدّيًا، كلــّما كانت هذه القوّة أكبر. طبعًا هذا الورم الذي هو الـح ش ص سيستمرّ في النموّ إلى أن لا يبقى له شيء يتغذى عليه. وبعد ذلك سيموت الورم بالتأكيد.
شان دوشيو، مؤسّس الـح ش ص كان مثقـفـًا وأحد زعماء الحركة الطلابية في 4 مايو. لم يكن يحبّ العنف، وقد حذر أعضاء الـح ش ص من مغبّة أن يحاولوا إقناع الك م ت بالايديولوجيات الشيوعية أو أن يُبدوا اهتمامًا كبيرًا بالسلطة، قائلاً لهم أنهم إذا فعلوا فإنّ ذلك سيقود بالتأكيد إلى توتـّر العلاقات. كان شان من أنشط العناصر في جـيل 4 مايو، وكان مُتسامحًا وحليمًا، ولكنه كان من بين الأوائل الذين تمّ نعتهم بـ “انتهازيّي الجناح الأيمن”.
تشو تشيو باي كان مُسيّرًا آخر من مُسيّري الـح ش ص، وكان يعتقد أنّ على أعضاء الـح ش ص أن يدخلوا في معارك، وينظموا حركات تمرّد، وأن يُطيحوا بالسلطات في جميع المستويات ويستعملوا وسائـل تدمير قصوى لكي يعود المجتمع الصيني إلى سيرورته العاديّة. ومع ذلك، قبل موته، كان منه هذا الاعتراف :”أنا لا أريد أن أموت كثوريّ. لقد فارقت حركتـكم منذ وقت طويل. لقد لعب بي التاريـخ، وقاد قدميّ، أنا المثقـف، إلى الساحة السياسية – ساحة الثورة، وتركني هناك لمدّة أعوام كثيرة. وفي النهاية، أنا لم أتمكـّن بعد من التغلـّب على أفكاري الارستقراطية الإقطاعية. على كلّ حال، لا أستطيـع أن أكون مُحاربًا من طبقة البروليتاريا.” [27]
مُسيّر الـح ش ص وانغ هينغ، وبإشراف مجلس من الكوومينتارن، أيّد فكرة إقامة وحدةٍ مع الك م ت في الحرب ضدّ اليابان، بدل فكرة توسيـع قاعدة الـح ش ص. في اجتماعات الـح ش ص، لم يُفلح ماوو تسي تونغ وجانغ وانتيان [28] في إقناع رفيقهم، ولم يكشفا له كذلك حقيقة وضعيّـتهم ؛ مع الموارد المحدودة للجيش الأحمر، لم يكـُن باستطاعتهم ردّ حتـّى فصيلة واحدة من فصائل اليابانيين. لو كان الـح ش ص قرّر النضال، إذ ًا فتاريـخ الصين كان يكون مختلفـًا بالتأكيد. ووجد ماوو تسي تونغ نفسه مُرغـَمًا على البقاء صامتـًا أثناء الاجتماعات. وفيما بعدُ، كان وانغ مينغ الأوّل الذي وقع طرده بسبب حياده عن “الجناح الأيسر” ثمّ نعْـته بـ :”انتهازيّ إيديولوجيا الجناح الأيمن”.
هو ياووبانغ كان أمينـًا آخر من أمناء الحزب، تمّ إرغامه على الاستقالة في ينايـر 1987، وقد ناضل من أجل إنصاف عددٍ من الضحايا الأبرياء المُتـّهمين بكونهم مجرمين أثناء الثورة الثقافية. كان يـُريد إكساب الشيوعية بـريقــًا وحيويّة جديديْن في قـلوب المواطنين. ورغم ذلك، فقد تمّ طرده في النهاية.
جاوو تسييانغ، آخر أمناء الحزب الذين سقطوا [29]، كان يُـريد مساعدة الـح ش ص على إصلاح نفسه أكثر. ورغم ذلك، فإنّ أعماله جرّت عليه عواقب وخيمة.
إذ ًا فماذا يمكن لكلّ مُسيّـر جديد للـح ش ص أن يفعله ؟ إصلاح الـح ش ص حقــّا كان يعني ضمنيّا قـتله. ووجد المُصلحون أنفسهم بسرعة مُجرّدين من السلطة من طرف الـح ش ص. هناك حدود تحُدّ ما يمكن لأعضاء الـح ش ص فعله لتغيير نظام الـح ش ص. إذ ًا فليس هناك أيّ أمل للـح ش ص في أن يشهد إصلاحًا.
إن كان كلّ مُسيّري الحزب قد أصبحوا “أشخاصًا سيّئين”، إذ ًا فكيف استطاع الـح ش ص أن يُنمّي ثورته ؟ في كثير من الأمثـلة، عندما كان الـح ش ص في أوج قوّته – وفي أوج شرّه – نجد أنّ موظفيه السّامين وكوادره العليا قد فشلوا في مهمّـتهم. ذلك لأنّ درجة شرّهم لم تكن تستجيب للمقياس المطلوب من الحزب، الذي لم يقـع اختياره أبدًا سوى على أكثر الأشياء شرّا. الحياة السياسيّة لعددٍ من مسيّري الحزب انتهت بتراجيديا، ولكن الـح ش ص بقي رغم كلّ شيءٍ. مُسيّرو الـح ش ص الذين ظلــّوا على قيد الحياة لم يكونوا من الصنف الذي يستطيـع أن يؤثـّر على الحزب، بل من الصنف الذي يستطيـع أن يفهم نواياه ويتـّبع منهجه الشرّير. لقد دعّموا قدرة الـح ش ص على البقاء على قيد الحياة أثناء الأزمات ووهبوا أنفسهم كـُلــّيةً للحزب. فليس من الغريب أنّ أعضاء الـح ش ص تجرّؤوا على مصارعة السماء، محاربة الأرض، ومحاربة بشر آخرين. ولكنهم لم يستطيعوا أبدًا معارضة الحزب. إنهم كلــّهم طوع أمر الحزب وأدوات تنفيذه، أو على الأكثر هم مرتبطون بالحزب ارتباطـًا تكافـليّا.
انعدام الحياء أصبح ميزةً للـح ش ص اليوم. حسب الـح ش ص، كلّ أخطاءه ارتكبها أفراد كانوا يُسيّرون الحزب، مثلاً جانغ غووتاو [30] أو زمرة الأربعة [31]. اعتبـر الحزب أنّ ماوو تسي تونغ كان له ثلاثة أقسام من الخطأ وسبعة أقسام من الصواب، بينما دانغ سياوبينغ يقـيّم نفسه فيعتبر أنّ لديه أربعة أقسام من الخطأ وستـّة أقسام من الصواب، ولكنّ الحزب في حدّ ذاته لم يرتكب أبدًا أخطاء. وحتـّى وإن ارتكب خطأ فإنه يقول أنه قد صوّبه بنفسه. لذلك يطلب الحزب من أعضاءه أن “ينظروا إلى الأمام” و “ألاّ يظلـّوا غارقين في أحداث الماضي”. أشياء كثيرة يمكن أن تتغيّر : الجنّة الشيوعية يمكن أن تتحوّل إلى ملجأ اشتراكي متواضع ؛ ماركس و لينين تمّ إبدالهما بـ “التمثيلات الثلاث” ؛ ولا يجب أن يتفاجئ الناس عندما يروْن الـح ش ص يدعو إلى الديموقراطية، أو ينفتح على حرّية الاعتقاد، أو يتخلــّى بين عشيّةٍ وضحاها عن جيانغ زمين، أو يقترح التكفيـر عن خطاياه في اضطهاد الفالون غونغ. ومع ذلك، هناك أشياء بخصوص الحزب لا تتغيّر : السعي وراء هدفه الأساسي – البقاء على قيد الحياة والحفاظ على السلطة والنفوذ.
لقد مزج الح ش ص العنف، والرعب، والمذهبة المفروضة فرضًا ليكوّن قاعدته النظرية، والتي تحوّلت فيما بعدُ إلى طبيعة الحزب، وأصبحت المبادئ العليا للحزب، وروح مسيّريه، وآليّة عمل وسير الحزب بأكمله والمقياس الذي يحدّد سلوك كلّ أعضاء الـح ش ص. الحزب الشيوعي صلب صلابة الفولاذ وهو يطبّـق نظامه بيدٍ حديديّة. نوايا كلّ أعضاءه يجب أن تكون موحّدة وأعمالهم يجب أن توافق تمامًا البرنامج السياسي للحزب.

خاتمة
لماذا اختار التاريـخ الحزب الشيوعي فوق كلّ قوّة سياسيّة أخرى في الصين ؟ مثـلما نعلم جميعًا، توجد في هذا العالم قوّتان، خياران. أحدهما هو القديم والسيّء، وهدفه هو فعل الشرّ واختيار ما هو سلبيّ. والآخر هو العادل والطيب، واختياره هو الخير والإحسان. الـح ش ص هو خيار القوى القديمة. لقد جمع الـح ش ص كلّ شرور العالم، الصينية والأجنبية، الماضية والحاضرة، لذلك وقع اختيار القوى القديمة على الـح ش ص. إنه يُمثـل بصفةٍ نموذجيّةٍ القوى الشريرة. منذ بداياته، استعمل الـح ش ص البراءة الفطرية للناس وإحسانهم لكي يغالطهم، ثمّ تدريجيّا نما واكتسب قوّة حتـّى اكتسب قوّة التدمير الحاليّة التي لديه.
ماذا كان الحزب يعني عندما صرّح أنه لم يكن لتكون هناك صين جديدة دون الحزب الشيوعي ؟ منذ تأسيسه في 1925 وإلى حدّ حصوله على السلطة السياسية في 1949، تـُرينا الأحداث بوضوح أنّ الـح ش ص لم يكن ليصل أبدًا للسلطة بدون الكذب والعنف. يختلف الـح ش ص عن كلّ تنظيم آخر في التاريـخ حيث أنه يتـّبع ايديولوجيا ماركسية- لينينية مشوّهة ويفعـل ما يبدو له. إنه يستطيـع أن يفسّر كلّ ما يفعله مُستعملاً نظريّات كبيرة ويربطها ربطـًا ذكـيّا بشرائح مُعيّنة من جمهور الشعب، وهكذا “يُبرّر” أفعاله. إنه يبثّ دعايته كلّ يوم ٍ، مقنـّعًا استراتيجياته بمختلف المبادئ والنظريات ومُبرّرًا ساحته بأنه دائمًا وإلى الأبد على صوابٍ.
نموّ الـح ش ص كان مسار تراكم للشرور، دون أيّ شيءٍ نبـيل البتـّة. تاريـخ الـح ش ص يُرينا بالتحديد لا- شرعيّته. الصينيون لم يختاروا الـح ش ص، بالعكس، الـح ش ص هو الذي فرض الشيوعية، هذا الشيطان الشرّير الغريب عن الشعب، مطبّـقــًا الملامح التسعة التي ورثها عن الحزب الشيوعي : الشرّ، الكذب، الاستفزاز، إخلاء المجال لحثالة المجتمع، الجوسسة، النهب، الصراع، التصفية، والسيطرة.

ملاحظات :
1- من النشيد الشيوعي.
2- من تقرير بخصوص بحث في حركة تمرّد الفلاّحين في هونان (1927).
3- أسطورة شعبية صينية، “الفتاة ذات الشعر الأبيض” تروي قصّة شخصية ناسكة صالحة تسكن في مغارة وتمتلك قوىً خارقة، وهي تـجازي الإحسان وتـُعاقب الشرّ، تـُشجّع الاستقامة وتحُدّ من الشرور. ولكن في النسخة “المعاصرة” من الباليه والأوبرا، تمّ تصويرها على أنها فتاة مُجبَرَة على الفرار وعلى الاختباء في مغارة بعد أن قـُـتـِل والدها بسبب رفضه تزويجها من فلاّح ثريّ مُسنّ. وابيضّ شعرها بسبب سوء التغذية. وقد استـُعمِلت هذه المسرحية لإثارة الكراهية ضدّ طبقة أصحاب الأملاك، وصارت إحدى أكثر المسرحيات “المُعاصرة” شهرة في الصين.
4- ترجمة “لمبونبروليتاريا” هي إجمالاً “عمّال الأحياء الشعبية الفقيرة”. يرمز اللفظ إلى طبقة المُهمّشين، أو المنحطين، أو طبقة العناصر المختبئة والذين يكوّنون شريحةً من سكان المراكز الصناعية. وهي تضمّ المتسوّلين، المومسات، قطاع الطرق، الابتزازيين، اللصوص والنصّابين، صغار المجرمين، المتسكعين، العاطلين المؤقـتين عن العمل أو العاطلين الدائمين، العمّال المطرودين من المصانع، وشتـّى أنواع العناصر الساقطة والمنبوذة والمنحطة. اللفظ هو من تأليف واختراع ماركس في صراع الطبقات بفرنسا، 1848-1850.
http://www.marxists.org/francais/marx/works/1850/03/km18500301a.htm)
5- جو آنلاي (5 مارس 1898-8 يناير 1976)، كان الشخصية الثانية التي تـلي ماوو تسي تونغ أهمّيةً في تاريـخ الـح ش ص. كان شخصيّة محورية في الـح ش ص ورئيس الوزراء في الجمهورية الشعبية للصين من 1949 إلى حدّ موته.
6- غو شونجانغ كان في الأصل أحد قوّاد نظام المُخبرين السرّيين لدى الـح ش ص. في 1931 وقـع القبض عليه من طرف الك م ت وساعدهم في معرفة الكثير من الأسرار المُخبّأة للـح ش ص. وفيما بعد، جميع أفراد أسرة غو الثمانية تمّ خنقهم إلى حدّ الموت ودفنهم في المقبرة الفرنسية بشانغهاي. لمزيد المعلومات، راجع “تاريـخ جرائم الـح ش ص” (http://english.epochtimes.com/news/4-7-14/22421.html).
7- الحرب بين الـح ش ص والك م ت في يونيو 1946. تـتميّـز الحرب بثلاث حملات متتالية : لياووسي-شانيانغ، هواي- هاي وبيكين- تيانجين، والتي إثرها أطاح الـح ش ص بحكومة الك م ت، مُنتهيًا إلى تأسيس النظام الشيوعي – الجمهورية الشعبية للصين 1 أكتوبر1949.
8- شيانغ كاي- شك كان يسيّر الك م ت، ثمّ فيما بعدُ، غادر إلى المنفى وأصبح رئيسًا لتايوان.
9- هو تسونغنان (1896-1962)، أصيل منطقة سياوو فانغ (المنتمية الآن إلى إقليم آنجي من مقاطعة جاجيانغ)، كان على التوالي قائدًا مساعدًا، قائدًا معوّضًا، ورئيس أعوان الجيش والقيادات المركزية الإدارية بالجنوب الغربي المُعتـَمَد لدى الك م ت.
10- لي سيانـّيان (1909-1992)، أحد أقدم مسيّري الـح ش ص. كان رئيسًا للصين في 1983. وقد لعب دورًا هامّا ورئيسيّا بمساعدته لدانغ سياوبينغ على استرجاع الحكم في أكتوبر 1976 عند نهاية الثورة الثقافية.
11- عندما بدأ الـح ش ص في إصلاح الأراضي، قام بتصنيف الناس. من بين الطبقات التي صنـّفها على أنها عدوّة، كان المثقـفون يقعون إلى جانب مالكي الأراضي، والرجعيين، والجواسيس، الخ. وكان ترتيبهم هو الصنف التاسع.
12- مأخوذة من قصيدة لسيما تشيان (145-135 ق م إلى 87 ق م)، وهو مؤرّخ تحت حكم عائلة هان في الغرب. قصيدته الشهيرة يقول فيها :
“كلّ فردٍ مائت لا محالة
يمضي بعضهم جليلاً أجلّ من تايشان
ويمضي بعضهم هيّنـًا أهون من ريشة”.
وتايشان هو أحد الجبال الرئيسية في الصين.
13- ترجمة غير رسمية مأخوذة من كتاب يانغ كويسونغ “لمحة عن الدعم الماليّ الذي مدّت به موسكو الحزب الشيوعي الصيني من 1920 إلى 1940” (1)، رقم 27، طبعة الانترنت في القرن 21 (30 يونيو 2004). موقع الانترنت : (بالصينية). الكاتب يانغ كويسونغ كان باحثـًا في التاريـخ المعاصر بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية. وحاليّا هو أستاذ في قسم التاريـخ بجامعة بيكين وأستاذ مساعد بجامعة المعلــّمين لشرق الصين.
14- بعثة الشمال كانت حملة عسكرية قادها شيانغ كاي- شك في 1927 بهدف توحيد الصين بتسيير من الك م ت ووضع حدّ لحكم أسياد الحرب المحلــّيين. وقد حقـــّـقت هذه الحملة الأهداف التي رسمتها على نطاق واسع. أثناء بعثة الشمال، كان الـح ش ص قد كوّن حلفـًا مع الك م ت.
15- الحركة الثورية أثناء حلف الـح ش ص-الك م ت، وما يميـّزها هو بعثة الشمال.
16- سون يات- سن (1866-1925)، مؤسّس الصين الحديثة.
17- الجيش الثوري الوطني تحت رقابة الك م ت، كان الجيش الوطني لجمهورية الصين. أثناء فترة الحلف ح ش ص- ك م ت، كان هذا الجيش يضمّ أعضاء الـح ش ص الذين انضمّوا إلى الحلف.
18- في الـ 12 من أبريل 1927، شنّ الك م ت الذي يقوده شان كاي- شك عمليّة عسكريّة ضدّ الـح ش ص بشانغهاي وعديد المدن الأخرى. حوالي 5.000 إلى 6.000 عضو من أعضاء الـح ش ص تمّ القبض عليهم والكثير منهم تمّ قـتلهم بشانغهاي ما بين 12 أبريل ونهاية عام 1927.
19- منطقة جبل دجينغ غانغشان تـُعتـَبَر القاعدة الريفية الثورية الأولى للـح ش ص، وهي تـُسمّى بـ “مهد الجيش الأحمر”.
20- لياووسي- شانيانغ، بيكين- تيانجين، وهواي- هاي كانت ثلاث معارك رئيسية بين الـح ش ص والك م ت ما بين سبتمبر 1948 ويناير 1949. في هذه المعارك سقطت كثير من أفضل الفرق عند الك م ت. ملايين الرجال هلكوا في هذه المعارك الثلاث.
21- لين بياوو (1907-1971)، أحد مسيّري الـح ش ص القدماء، لعب في فترة حكم ماوو تسي تونغ دور عضو المكتب السياسي الصيني، بصفته نائب رئيس (1958) ووزير دفاع (1959). يُعتـَبَرُ لين العقـل المُدبّر للثورة الثقافية الكبرى في الصين. وقد تمّ تعيين لين ليكون خـَلـَفـًا لماوو في 1966، ولكنه في 1970، تقول الإشاعات أنّ لين قد أحسّ مُسبَقـًا بسقوطه، فشارك في تدبيـر انقلاب سياسي، ثمّ حاول الفرار إلى الاتحاد السوفييتي عندما انكشفت المؤامرة. أثناء محاولته الفرار من الملاحقة، تحطمت طائرته في منغوليا وكان بذلك موته.
22- تشو تشيو باي (1899-1935) هو أحد مسيّري الـح ش ص الأوائل وأحد كتـّاب اليسار المعروفين الأوائل. تمّ القبض عليه من طرف الك م ت في 23 يناير 1935 ومات في 18 فبراير من نفس السنة.
23- “التمثيلات الثلاث” كانت قد ذكِرت في البداية في خطابٍ ألقاه جيانغ زمين في فبراير 2000. حسب هذه النظرية، على الحزب أن يعكس دائمًا اتـّجاه ازدهار ونموّ القوى المنتجة المتقدّمة للصين، الاتـّجاه الثقافي المتقدّم للصين، والمصالح الأساسية للغالبية الساحقة من الشعب الصيني.
24- جانغ بوجون (1895-1969) كان أحد مؤسّسي الرابطة الديموقراطية الصينية، وحزب ديموقراطي صيني. وقد نعته ماوو تسي تونغ بـ “رجل اليمين رقم 1” في 1957، وهو يبقى إلى اليوم من بين القلائل الذين لم يتمّ ردّ الاعتبار إليهم بعد الثورة الثقافية.
25- لوو لونغجي (1898-1965) كان أحد مؤسّسي الرابطة الديموقراطية الصينية، وقد نعته ماوو تسي تونغ بـ “رجل يمين” في 1958، ولم يـقع كذلك ردّ الاعتبار إليه بعد الثورة الثقافية.
26- بو يي، وهو منشوريّ (من منشوريا) ويُدعى إيسان جيورو (1906-1965)، آخر امبراطور صيني (1908-1912)، حكم تحت اسم هسوان تونغ. بعد تنحّيه عن العرش، منحته الحكومة الجمهورية الجديدة إقامة حكوميّة مُريحة وسمحت له بالعيش في المدينة المحرّمة إلى حدود 1924. بعد 1925، عاش في رقعة الأرض اليابانية مانشوكو أو منشوريا. قبض عليه الرّوس في 1945 وأبقوْا عليه سجينـًا. في 1946، شهد بو يي في قضيّة جرائم الحرب التي ارتكبتها طوكيو، متعلــّلاً بأنه كان – بدون إرادته – أداةً في يد العساكر اليابانيين، لا كما كانوا هم يدّعون، أداة الحكم والقرار الذاتيين في منشوريا. في 1946، تمّ تسليمه إلى الشيوعيين الصينيين وسُجـِنَ في شانيانغ إلى 1959، حيث منحه ماوو تسي تونغ العفـو.
27- عن تشي تشيو باي “بضعة كلماتٍ أخرى” في 23 مايو 1935، قـُبيْـل موته الذي كان في 18 يونيو 1935.
28- جانغ وانتيان (1900-1976)، كان أحد المسيّرين الهامّين للـح ش ص منذ سنوات 1930. كان الوزيـر المساعد للشؤون الخارجية للصين ما بين 1954 و 1960، وقد تمّ اضطهاده إلى حدّ الموت في 1976 أثناء الثورة الثقافية. وقد تمّ ردّ الاعتبار إلى وضعيّـته في أغسطس 1979.
29- آخر الأمناء العامّين العشرة للـح ش ص، وقد وقع طرده بسبب عدم تأييده لاستعمال القوّة لوضع حدّ للمظاهرات الطلاّبية في ساحة تيانانمن سنة 1989.
30- جانغ غووتاوو (1897-1979)، أحد مؤسّسي الـح ش ص، وقـع إقصاءه من الـح ش ص في أبريل 1938. وقد ذهب إلى تايوان في نوفمبر 1948، ثمّ إلى هونغ كونغ في 1949 قبل أن يهاجر إلى كندا في 1968.
31- تمّ تكوين “زمرة الأربعة” من قـِبَـل جانغ تشينغ (1913-1921)، زوجة ماوو تسي تونغ. كانت تضمّ أيضًا جانغ تشونتشياوو (1917-1991)، موظف قسم الدّعاية في شانغهاي، و ياوو وانيوان (1931)، ناقد أدبيّ، وعون أمن شانغهاي وانغ هونغوان (1935-1992). وقد وصلوا إلى السلطة أثناء الثورة الثقافية الكبرى (1966-1976) وكانوا يسيطرون على الساحة السياسية الصينية في بداية السنوات 1970.

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة الثالثة : طغيان الحزب الشيوعي الصيني
توطئة.
عندما نتحدث عن الطغيان، معظم الصينيين يتذكرون تشين شي هوانغ (259-210 م)، أول امبراطور في الأسرة الحاكمة تشين، والذي في فترة حكمه الطاغي كان يتمّ إحراق الكتب الفلسفية ويتمّ دفن العلماء الكونفوشيوسيين أحياء. القسوة التي كان تشين شي هوانغ يعامل بها شعبه كانت ناتجة عن سياسته المتمثـلة في “الحفاظ على سيادته والإبقاء عليها بواسطة كلّ الوسائـل الموجودة على الأرض.” [1]
كانت هذه السياسة تضمّ أربع نواحي كبرى : ضرائب ثقيلة جدا، إهدار اليد العاملة في أعمال تهدف إلى تمجيد شخصه هو، اضطهاد عنيف بمقـتضى القوانين الجائرة التي وضعها – مثـل معاقبة أفراد عائلة المتهمين وجيرانهم أيضًا، والسيطرة على العقول والنفوس عبـر سدّ المنافذ أمام أشكال التـفكير والتعبير الحرّ – كان يتمّ إحراق الكتب وكان يصل الأمر حتـّى إلى دفن العلماء وهم على قيد الحياة، تحت حكم تشين شي هوانغ، كانت الصين تعدّ تقريبًا 10 ملايين ساكنـًا ؛ وقد أرسل حكم تشين ما يزيد على المليونين منهم إلى الأشغال الشاقة. لقد طبـّـق تشين شي هوانغ قوانينه الجائرة في عالم المثقـفين، مانعًا حرّية التـفكير على نطاق واسع وشامل. في عهده، آلاف العلماء الكونفوشيوسيين والأعيان الذين تجرّؤوا على انتقاد طريقة حكمه تمّ إعدامهم. [2]
عنف الحزب الشيوعي الصيني (ح ش ص) اليوم وانتهاكاته يفوقان عنف حكم الطاغية تشين وتعسّفه. تنبني فلسفة الـح ش ص على الصراع، وقد انبنت سياسته على مجموعة من “الصراعات الطبقية”، “صراعات الجبهات”، و “الصراعات الايديولوجية”، سواءًا في الصين أو ضدّ البلدان الأخرى. لقد قال ماوو تسي تونغ صراحة :
“ما تباهى تشين شي هوانغ بفعله هو لا شيء. لقد دفن 460 عالمًا حيّـا ؛ أمّا نحن فقد دفنـّا 460.000 مثقـفـًا. لقد نعتنا البعض بأننا ديكتاتوريون مثل تشين شي هوانغ، ونحن نرحّب بهذا النعت. إنها الحقيقة. للأسف، أنتم لا تزالون بعد في مستوى أدنى من هذه الحقيقة، فعلينا فعـل المزيد إذًا.”
ولـْنـُلق الآن نظرة على هذه الخمسة والخمسين سنة الصعبة تحت حكم الـح ش ص في الصين. مع قاعدته الفلسفية التي تتمثـل في “صراع الطبقات”، لم يدّخر الـح ش ص جهدًا – منذ حصوله على السلطة – في ارتكاب مجزرة طبقاتٍ، مُنصّبًا حكمه الإرهابي بواسطة ثورة عنيفة. لقد تمّ استعمال القـتل وغسل الدماغ معًا للقضاء على كلّ عقيدة أخرى غير العقيدة الشيوعية. لقد أطلق الـح ش ص الحركة تـلو الأخرى بهدف تصوير نفسه للناس على أنه إلهيّ ومعصوم. وسيرًا على منهج نظريته في صراع الطبقات وثورته العنيفة، حاول تصفية المُنشقــّين والطبقات الاجتماعية المعارضة، مستعملاً العنف والحيلة لإرغام الشعب الصيني على أن يصبح الخادم المطيـع تحت حكمه الطاغي.

I. الإصلاح الزراعي – تصفية طبقة أصحاب الأملاك
لم تكد ثلاثة أشهر تمرّ على خلق الحزب الشيوعي بالصين، حتى كان الـح ش ص ينادي بتصفية طبقة مالكي الأراضي بصفتها إحدى الخطوط العريضة في برنامج الإصلاح الزراعي الوطني. شعار الحزب “الأرض للفلاحين” كان يثير الجانب الأناني في نفوس الفلاحين الذين لا يملكون أراض، وكان يشجّعهم على أخذ الأراضي عن طريق العنف دون اعتبار للمآخذ الأخلاقية لذلك العمل. حملة الإصلاح الزراعي، والتي تدعو صراحةً إلى تصفية طبقة أصحاب الأملاك – بدأت عبـر تصنيف سكان الأرياف إلى أصناف اجتماعية مختلفة. عشرون مليون ريفيّ في كامل البلاد تمّ تصنيفهم على أنهم “مالكو أراضي، فلاحون أغنياء، رجعيّون أو عناصر سيّئة”. هذه الطبقة الجديدة من منبوذي المجتمع أصبحت عرضة للميز، والإهانة، ولفقدان حقوقها المدنية. وبينما كان برنامج الإصلاح الزراعي يمتدّ ليصل إلى المناطق النائية والقرى ذات الأقـلــّية العرقية، كانت تنظيمات الـح ش ص تنمو أيضًا بسرعة. انتشرت لجان الحزب في كلّ مدينة، وانتشرت دوائر الحزب في كلّ قرية عبـر الصين. كانت الخلايا المحلــّية هي النائبة عن الحزب ولسانه الناطق، التي تبثّ تعليمات اللجنة المركزية للـح ش ص : كانت هي من يوجد على جبهة صراع الطبقات، محرّضةً الفلاحين على التمرّد على مشغـّـليهم من أصحاب الأراضي. لقد هلك أكثر من 100.000 صاحب أرض أثناء هذه الفترة. وفي بعض الأماكن قـتل الـح ش ص والفلاحون عائلاتٍ بأكملها ، دون تمييـز في الجنس أو العمر، كمحاولة للقضاء نهائيّا على طبقة أصحاب الأملاك.
وفي الأثناء، شنّ الـح ش ص حملته الدعائية الأولى، معلنـًا “الرئيس ماوو هو المخلــّص الأكبـر للشعب” و”الـح ش ص هو الوحيد القادر على إنقاذ الصين”. أثناء الإصلاح الزراعي، حصل الفلاحون الذين لا يملكون أراض على كلّ ما يريدونه بدون جهدٍ يُذكر، بفضل السياسة الشيوعية التي تنصّ على الحصاد دون عمل، وعلى السرقة دون اعتبار للوسائـل المستعملة. لقد نسب الفلاحون الفقراء للـح ش ص فضل تحسين مستوى عيشهم، وهكذا فقد أيّدوا دعاية الـح ش ص القائلة بأن الحزب يسعى لخدمة مصلحة الشعب.
بالنسبة للمالكين الجدد للأراضي التي تمّ الحصول عليها حديثـًا، لم تدم سعادتهم بـ “الأرض للفلاحين” طويلاً. ففي ظرف سنتين، فرض الـح ش ص عددًا من الممارسات على الفلاحين مثـل : جماعات المتعاونين (التعاونيات)، التعاضديات الأساسية، التعاضديات العليا، وكومونات الشعب. لقد دفع الـح ش ص بالفلاحين سنةً بعد أخرى إلى أن “يلقوا بأنفسهم” في الاشتراكية، واستعمل لذلك شعارًا يندّد بـ “النساء ذوات الأرجل المعصوبة”، أي أولئك اللائي تتحرّكن ببطءٍ، خطوة بعد أخرى. لقد وضع الحبوب، والقطن، والزيت الغذائي تحت نظام تموين موحّد على النطاق الوطني، ونتيجةً لذلك، أقصيت المنتوجات الفلاحية الرئيسية من سوق التبادل. وزيادةً على ذلك، وضع الـح ش ص دفتر محـلّ إقامة يمنع القرويين من الذهاب إلى المدن للعمل أو للسكن فيها. أولئك الذين يتمّ التصريـح بأنهم من سكان الريف لا يُسمَحُ لهم باشتراء الحبوب من مخازن الدولة، ولا يُسمَحُ لأبنائهم بمزاولة التعليم في المدن. أبناءالقرويين يجب أن يظلــّوا قرويين، وهو ما كان السبب – في بداية السنوات 50 – في تحويـل 360 مليون ريفيّا إلى مواطنين من الدرجة الثانية.
انطلاقـًا من 1978، أثناء السنوات الخمس التي أعقبت المرور من نظام جماعي إلى نظام تعاقد أسري، هناك – ضمن الـ 900 مليون قرويّ – البعض ممّن شهد تحسّنـًا طفيفـًا في مستوى عيشه ووضعه الاجتماعي تحسّن بعض الشيء. ورغم ذلك، فإنّ هذا الربح الضئيل لم يصمد أمام نظام أسعار يعطي الأولوية للمنتوجات الصناعية على حساب المنتوجات الفلاحية ؛ ومرّة أخرى، وقع القرويون من جديدٍ في الفقر. لقد اتسعت الهوّة بين مدخول المجتمع الريفي ومدخول المجتمع الحضري بشكـل كبير، واستمرّت الفوارق الاقـتصادية في الازدياد، وظهر أصحاب أملاك جدد وفلاحون أغنياء في المناطق الريفية. وكالة الأنباء “سينهوا” – الناطق الرسمي باسم الـح ش ص – تذكرُ أنه منذ 1997، “مدخول الفلاحين في المناطق الرئيسية لإنتاج الحبوب، ومدخول معظم العائلات الريفية قد ركد، بل وتراجع في معظم الحالات.” بعبارة أخرى، مدخول الفلاحين الحاصل عن المنتوج الفلاحي لم يزدد، بل على العكس، تناقص. وازدادت نسبة مدخول حضري/مدخول ريفي من 1.8 مقابل 1 في منتصف السنوات 80 إلى 3.1 مقابل 1 اليوم.

II. الإصلاح الصناعي والتجاري – تصفية طبقة الرأسماليين
كان الـح ش ص يريد تصفية طبقة أخرى، وهي الطبقة البورجوازية القومية التي كانت تملك رأسمالاً في المدن والتجمّعات الريفية. وفي الوقت الذي كان فيه الـح ش ص يُدخل تغييرات على الصناعة والتجارة في الصين، ادّعى أن الطبقة الرأسمالية والطبقة العمّالية هما مختلفتان في طبعهما من الأساس : الأولى هي الطبقة المستغـِلـّة، بينما الثانية هي الطبقة المستغـَلـّة وضدّ الاستغلال. حسب هذا المنطق، الطبقة الرأسمالية قد خـُلـِقت لكي تستغلّ وهي لن تكفّ عن فعـل ذلك حتى تموت ؛ إذ ًا فالحـلّ الوحيد هو تصفيتها لا إصلاحها. وانطلاقـًا من هذا الاستدلال المنطقي، لم يتورّع الـح ش ص عن استعمال القـتل وغسل الدماغ لكي يغيـّر الرأسماليين والتجار. لقد لجأ الـح ش ص إلى طريقته القديمة المتمثـلة في مساندة المطيعين وحمايتهم وتدمير أولئك الذين يعارضون. إذا وضعت كل أملاكك بين يدي الدولة وساندت الـح ش ص، إذًا فلم تكن تـُعتـَبَرُ سوى مشكل طفيف ضمن أفراد الشعب. وأمّا إذا لم تكن موافقــًا أو كـُنت تتذمّر من سياسة الـح ش ص، فقد كان يتمّ وصمك بأنك عدوّ الثورة وتصبح عرضةً لديكتاتورية الـح ش ص الظالمة.
أثناء الحكم الإرهابي الذي نتج عن تلك الإصلاحات، سلــّم الرأسماليون وأصحاب الشركات كلــّهم أملاكهم. الكثير منهم لم يتحمّـلوا الإذلال ووضعوا حدّا لحياتهم. شان يي – رئيس بلدية شانغهاي في ذلك الوقت – كان يسأل كلّ يوم :”كم من المظلــّيين لدينا اليوم ؟” مشيرًا إلى الرأسماليين الذين انتحروا في ذلك اليوم مُلقين بأنفسهم من سطح البنايات الشاهقة. هكذا إذ ًا كيف قضى الـح ش ص على الملكية الخاصة في الصين، في ظرف سنوات قـليلة فقط.
وفي الوقت الذي كان الـح ش ص يُنفـّـذ فيه برامجه في الإصلاح الزراعي والمالي، شنّ في الوقت نفسه حركات اضطهاد كبيرة ضدّ الشعب الصيني. هذه الحركات كانت تضمّ : قمع “أعداء الثورة”، حملات الإصلاح الإيديولوجي، تطهيـر عصبة المعارضين للـح ش ص والتي كان يقودها غاوو غانغ و راوو شوشي، وبحث بشأن مجموعة “أعداء الثورة” بهوفانغ [3]، وأيضًا “حملة «الأضداد» الثلاثة” و “حملة «الأضداد» الخمسة”، والهدف الموضوع نصب الأعين هو القضاء على أعداء الثورة. لقد استعمل الـح ش ص هذه الحركات لكي يستهدف ويضطهد عددًا لا يُحصى من الناس الأبـرياء. وفي كلّ حركة سياسية، استعمل الـح ش ص بصفة كاملة سيطرته على الموارد الحكومية، بالاتـّفاق مع لجان الحزب، ودوائره، ونيابات دوائره. كان ثلاثة أعضاء من الحزب يشكـّـلون قوة ضاربة صغيرة، متسرّبين إلى كلّ القرى وما يحيط بها. هذه القوة الضاربة كانت متواجدة في كلّ مكان، لا تترك شبرًا من التراب دون أن تفحصه. شبكة السيطرة هذه عند الـح ش ص والمتجذرة بعمق، هي نتيجة موروثة عن “شبكة الحزب الموضوعة داخل الجيش” لدى الـح ش ص أثناء سنوات الحرب، وقد لعبت منذ ذلك الحين دورًا هامّا ورئيسيّا في الحركات السياسية التي تـلت.

III. قمع المجموعات الدينية والشعبية

ارتكب الـح ش ص فظاعة أخرى، متمثـلة في قمعه العنيف للأديان ومنعه التامّ لكلّ المجموعات ذات الأصل الديني بعد خلق جمهورية الصين الشعبية. في سنة 1950، أعطى الـح ش ص أوامره للسلطات المحلية بمنع الاعتقادات الدينية غير الرسمية والطوائف السرية. كان يؤكـّد أن هذه الجماعات الخفيّة “الإقطاعية” كانت مجرّد أدواتٍ في أيدي أصحاب الأراضي والفلاحين الأغنياء والرجعيّين وعملاء الك م ت الخاصّين. في حركة القمع القومية هذه، عبّأت الحكومة الطبقات التي كانت تـثق فيها لكي تعثـر على أعضاء الجماعات الدينية وتضطهدهم. كانت السلطات، التي تـقع على مستويات مختلفة، متورّطة بصفة مباشرة في تبديد “طوائف الخرافة” كما تسمّيهم، مثـل الطائفة المسيحية، والكاثوليكية، والطاوية (وخصوصًا تلك التي تؤمن بـ : ايي- كوان طاوو) والبوذية. كانت تأمر كلّ أفراد الكنائس، أو المعابد أو الجماعات الدينية بأن يسجّـلوا أسماءهم لدى الوكالات الحكومية وأن يتوبوا من انضوائهم تحتها. ومن يخالف ذلك الأمر يعرّض نفسه لعقوبة ثـقيلة. في سنة 1951، أصدرت الحكومة رسميّا قوانين تهدّد أولئك الذين سيجرؤون على مواصلة نشاطاتهم ضمن جماعاتٍ دينيّة غير رسميّة، بالسجن مدى الحياة، أو بالإعدام.
لقد اضطهدت هذه الحركة عددًا كبيـرًا من المؤمنين الطيبين والذين يحترمون القوانين. هناك إحصائيات غير كاملة تبيّن أنه، في السنوات الـ 50، قد اضطهد الـح ش ص (بما في ذلك عمليات الإعدام) على الأقـلّ ثلاثة ملايين شخص من ذوي المعتقدات الدينية وأفراد جماعات سرّية. كان الـح ش ص يُفتـّـش تقريبًا كلّ منزل عبر البلاد، ويسأل أفراد البيت، بل وحتـّى أنه يُحطـّم الآلهة حارسة البيوت التي درج القرويون الصينيون على تقديسها. كانت الرسالة التي تحملها عمليات الإعدام وتؤكـّدها هي أن الايديولوجية الشيوعية هي الايديولوجية الوحيدة والعقيدة الشرعية الوحيدة. وسرعان ما ظهر مفهوم “المؤمن الوطني”. كان دستور الدولة يحمي المؤمنين “الوطنيين”. في الحقيقة، مهما يكن الدين الذي يعتقد فيه الشخص، لم يكن هناك سوى مقياس واحد : على الشخص اتـّباع تعـليمات الـح ش ص والإقرار بأنه فوق كلّ الأديان. إن كـُنت مسيحيّا، فإن الـح ش ص كان ربّ ربّ المسيحيين. وإن كـُنت بوذيّا، فإن الـح ش ص كان سيّد السيّد بوذا. وإن كـُنت مسلمًا، فإن الـح ش ص كان إله الله عند المسلمين. أمّا بالنسبة للبوذا الحيّ في البوذية التيبتية، فإن الـح ش ص كان يتدخل ويختار بنفسه من سيكون البوذا الحيّ. وملخص القول أن الـح ش ص لا يترك لك الخيار سوى فيما تقول وتفعـل ما يطلب منك الـح ش ص قوله وفعله. كلّ المتديّنين كانوا مرغمين على تطبـيق أهداف الـح ش ص غير مُبقيـن من ديانتهم سوى على الاسم. عدم الرضوخ لذلك كان يجعلك هدفـًا لقمع الـح ش ص ولديكتاتوريته. حسب تحقيق صادر على موقع الانترنت لمجلة “الإنسانية وحقوق الإنسان”، نجد أنّ 20.000 مسيحيّا قد زاولوا الدراسة ضمن الـ 560.000 مسيحيّ التابعين لكنائس عائلية في 207 مدينة في 22 مقاطعة في الصين. أظهر البحث أنّ 130.000 عضوًا من بين أعضاء هذه الكنائس العائلية كانوا تحت رقابة الحكومة. في الكتاب المسمّى :”كيف اضطهد الحزب الشيوعي الصيني المسيحيين” (1958)، نكتشف أنّ الـح ش ص قد قـتل أكثر من 11.000 متديّنـًا وأنه قام بإيقاف عدد أكبـر من ذلك بكثيـر – إيقافهم بطريقة اعتباطية وابتزاز المال منهم. إذ ًا بتصفيته لطبقة أصحاب الأملاك والطبقة الرأسمالية، وباضطهاده لعدد كبير من المؤمنين والناس الذين يحترمون القوانين، كان الـح ش ص يمهّد الأرضيّة لكي تصيـر الشيوعية الدين الأوحد والمهيمن في الصين.

IV. حركة ضدّ- اليمينيين – غسل دماغ على نطاق قوميّ
في 1956، شكلت نخبة من المثقـفين المجريّين دائرة بيتوفي، وهي حلقة تنتقد الحكومة المجريّة أثناء المنتديات وحلقات النقاش. وسرعان ما شنـّت هذه المجموعة ثورةً على نطاق وطني، ولكن هذه الثورة تمّ احتواءها ودكـّها من طرف الجنود السوفيتيين. وتعلـّم ماوو تسي تونغ درسًا من “الحادثة المجريّة”. في 1957، دعا المثقـفين الصينيين وأفرادًا آخرين إلى “مساعدة الـح ش ص على إصلاح نفسه”. هذه الحركة – والتي عـُرفت باسم “حركة المائة زهرة” – كانت تحت شعار “فلنترك مائة زهرة تتفتـّح ولنترك مائة مدرسة فكرية تتجابه”. كان الهدف من هذه الحركة هو إخراج “العناصر التي هي ضدّ-الحزب من جملة الشعب” عن طريق الحيلة والدهاء. في 1957، وفي رسالة منه إلى رؤساء الحزب في المناطق الريفية، يتحدث ماوو عن نيّته في تركهم يعبّرون عن آرائهم بصراحة باسم حرّية الفكـر ومن أجل إصلاح الـح ش ص.
في ذلك الوقت، كانت الشعارات تشجع الناس على التعبيـر عن آرائهم وتعدهم بأنّ ذلك لن يؤدّي إلى عقوبات – الحزب “لن يبحث عن القمّـل في الرؤوس، لن يعطي ضرباتٍ بالعصا، لن يضع قبّعاتٍ على الرؤوس، ولن يصفــّي حساباته بعد الخريف” ومعنى ذلك أنّ الحزب لن يتحيّن الأخطاء، ولن يهاجم، ولن يقذف أحدًا بالنعوت، ولن يسعى للقمع. ولكن سريعًا إثر ذلك، أطلق الـح ش ص حركة “ضدّ-اليمينيين” ناعتـًا 540.000 ممّن تجرّؤوا على الكلام بأنهم “يمينيون”. ومن بين هؤلاء، فـقد 270.000 مراكز عملهم، وتمّ وصم 230.000 بأنهم “يمينيون معتدلون” أو “عناصر معادية للاشتراكية، معادية للـح ش ص”. وفيما بعد، قام بعضهم بتـلخيص الاستراتيجيات السياسية التي يستعملها الـح ش ص لاضطهاد الناس في أربع مراحل :”إخراج الثعبان من الجحر” ؛ اختلاق وتـلفيق جرائم، المهاجمة بطريقة مباغتة، والمعاقبة على عنصر اتهام واحدٍ ؛ المهاجمة دون هوادةٍ وذلك باسم تخليص الناس ؛ والإرغام على الانتقاد الذاتي مستعملاً في ذلك أقسى النعوت والصّفات.
إذ ًا ما كانت تلك “الخطابات الرجعيّة” التي قضت على العديد والعديد من اليمينيين ومن أعداء الشيوعية بالمنفى لأكثر من ثلاثين سنة في أنأى مناطق البلاد ؟ “النظريات الرجعيّة الثلاثة الرئيسية”، والتي تعرّضت في ذلك الوقت لهجماتٍ شرسة من طرف الجميـع، كانت تتمثـل في بضعة خطابات لـ : لوو لونغجي، جانغ بوجون، وشو آنبينغ. وإذا نظرنا عن كثبٍ إلى تطلــّعاتهم وما كانوا يقترحونه، سنكتشف أنّ تطلــّعاتهم تلك لم تكن بالخطورة التي تمّ تصويرها.
كان لوو يقترح تكوين لجنة موحّدة تجمع الـح ش ص ومختلف الأحزاب “الديموقراطية” لفحص الانحرافات والخـلل في حملة “الأضداد الثلاثة”، وحملة “الأضداد الخمسة” وحركة تصفية الثوريين. كان مجلس شؤون الدولة في العادة هو نفسه يضع أمرًا جاهزًا تمّ القرار في شأنه بين يدي اللجان الاستشارية السياسية للشعب الصيني والتجمع الشعبي لكي يُدليا بملاحظاتهما وتعليقاتهما، وكان جانغ يقترح أن يشارك المؤتمر الاستشاري السياسي والتجمع الشعبي، كلاهما، في صنع القرار. أمّا شو، فكان اقتراحه هو الآتي : بما أن أولئك غير المنتمين للـح ش ص كانت لهم أفكار جيدة، وكانوا جديرين بالاحترام، ولديهم روح المسؤولية، فإذ ًا لم تكن هناك حاجة لوضع عضو من أعضاء الـح ش ص على رأس كلّ خليّة عمل، صغيرة كانت أو كبيرة، وفي كلّ البلاد، وأكثر من ذلك، لم تكن هناك أدنى حاجة لوضع عضو ح ش ص على رأس الفرق المتعلقة بخلايا العمل. لم تكن هناك حاجة إلى أن كلّ شيءٍ، صغيرًا كان أو كبيرًا، كان بالضرورة يتمّ على الشكـل الذي يُـريده أعضاء الـح ش ص. كلّ من الرجال الثلاثة قد عبّر عن رغبته في اتـّباع الـح ش ص ولم تتجاوز أيّ من اقتراحاتهم الحدود التي وصفها الأديب والناقد المعروف لو سون [4] كالتالي :”سيدي، ثوبك أصبح متسخـًا. من فضلك، دعني أنزعه عنك وأغسله لك.” تمامًا مثـل لو سون ، كان هؤلاء اليمينيون يعبّرون عن الطاعة والمرونة والاحترام.
لم يكن أيّ أحد من هؤلاء “اليمينيين” يقترح الإطاحة بالـح ش ص، كان كلّ ما يقدّمونه هو النقد البنّاء. نتيجة لهذه الاقتراحات بالتحديد، فـقد مئات الآلاف من الناس حرّياتهم. وقد أصابت هذه الكارثة ملايين العائلات. وتبع هذا ظهور المزيد من الحركات مثـل “الاعتراف للـح ش ص”، “البحث عن”، حملة الأضداد الثلاثة” الجديدة، إرسال المثقـفين إلى الأشغال الشاقة في الأرياف، والقبض على اليمينيين الذين أفلتوا من الموجة الأولى. أيّ شخص كان يختلف في الرأي مع رئيس خليّة العمل كان يُنعَتُ بأنه عدوّ الـح ش ص. كان الـح ش ص يُسلــّط عليهم انتقادات دائمة ويُرسلهم إلى مخيّمات عمل إجباري ليتمّ إعادة تربيتهم. أحيانـًا كان الحزب ينقـل عائلاتٍ بأكملها إلى مناطق ريفية أو يمنع الأبناء من دخول المعهد أو الجيش. لم يكن من حقــّهم المطالبة بمركز عمل لا في المدن ولا في القرى. كانت العائلات تفـقد حقــّها في مركز عمل آمن يقيها الحاجة وحقــّها في خدمات الصحة العمومية. لقد أصبحوا في مؤخرة صفّ القرويين والمنبوذين، حتـّى بين مواطني الطبقة الثانية.
بعد اضطهاد المثقـفين، تكوّنت لدى بعضهم ازدواجية في الشخصية. إذ اتـّبع بعضهم “الشمس الحمراء” وأصبحوا “المثقـفين المُعيـّنين من طرف الساحة الملكية” للـح ش ص ، يقولون ويفعلون كلّ ما يطلبه الـح ش ص منهم. وهناك آخرون ابتعدوا عن الأمور السياسية. إن المثقـفين الصينيين لديهم في العادة وعي ناضج بمسؤوليتهم تجاه أمّـتهم، ولكنهم منذ ذلك الحين وقـع إخماد أصواتهم.

V. القفزة الكبرى نحو الأمام – اختلاق أكاذيب لاختبار ولاء الشعب
إثر حركة ضدّ-اليمين، نشأ لدى الصينيين خوف من الحقيقة. أخذ كلّ الناس يستمعون إلى الأكاذيب ويروون الأكاذيب، ويختـلقون حكايات، ويتهرّبون من الواقع أويُخفونه عن طريق الأكاذيب والإشاعات. “القفزة الكبرى نحو الأمام” كانت ممارسة جماعية وطنية للكذب. شعبٌ بأكمله، بإشرافٍ وتوجيهٍ من الشيطان – الـح ش ص، قام بأشياء سخيفة ومضحكة. أولئك الذين يكذبون وأولئك الذين يُكذ َبُ عليهم، كلــّهم قد تمّ التغرير بهم. في حملة الأكاذيب والأعمال السخيفة هذه، زرع الـح ش ص طاقته العنيفة والخبيثة في العالم الروحي للشعب الصيني. في ذلك الوقت، كان الكثير يُنشدون الأغنية المناصرة للقفزة الكبرى نحو الأمام :”أنا امبراطور اليشب، أنا الملك-التنين، أنا قادر على تحويـل الجبال والأنهار من أمكنتها، هاأنذا.” [5] وسنة بعد أخرى، انخرط الجميـع في سياسات مثـل “بلوغ نسبة إنتاج حبوب تساوي 7.5 طن في الهكتار الواحد”، “مضاعفة إنتاج الصلب”، “التفوّق على بريطانيا العظمى في ظرف عشر سنوات وعلى الولايات المتحدة في ظرف خمسة عشر سنة”. وقد أفضت هذه السياسات إلى مجاعة وطنية كبرى وأودت بحياة الملايين.
مَنْ مِنَ الأعضاء المشاركين في الجلسة المكتملة الثامنة للجنة المركزية الثامنة للـح ش ص التي انعقدت بلوشان في 1959 لم يكن يشاطر القائد بانغ دوهواي [6] الرأي في أنّ القفزة الكبرى إلى الأمام التي أطلقها ماوو تسي تونغ كانت أمرًا جنونيّا ؟ كان الكلّ يرى أنها جنون. ولكن، تأييد سياسة ماوو أو عدم تأييدها كان يمثـل الخط الفارق بين الولاء والخيانة، الخط الفارق بين الحياة والموت. إحدى حكايات التراث الصيني تروي أنه عندما كان جاوو غاوو [7] يدّعي أن الأيل حصان، فهو كان يعلم تمامًا الفرق بين الأيل والحصان، ولكنه كان – عن قصدٍ – يدعو الأيل حصانـًا ليسيطر على الرأي العام، ويُسكت الأصوات المعارضة، ويبسط نفوذه أكثر. النتيجة التي أفضت إليها جلسة لوشان هي أن بانغ دوهواي نفسه اضطرّ إلى المصادقة على قرار يُدينه ويقضي بإقصاءه من الحكومة المركزية. وفي نفس السياق، في الأعوام التي تـلت الثورة الثقافية، اضطرّ دانغ سياووبينغ إلى التعهّد بأنه لن يعترض مُطلقا على قرار الحكومة بتجريده من مهامّه.
إنّ المجتمع يرتكـز على تجارب الماضي لكي يفهم العالم المُحيط به، ويُوسّع آفاقه. ومع ذلك فإنّ الـح ش ص قد انتزع من الناس كلّ إمكانية ليتعلـّموا تجارب ودروسًا تاريخية. ولم تقم الرقابة الرسمية على وسائـل الإعلام سوى بإضعاف قدرة الناس على التمييز بين الخير والشرّ. بعد كلّ حركة سياسية، تكون الأجيال الصغرى قد استمعت إلى وجهة نظر الحزب فقط، وتكون قد حُرمت من تجارب الأجيال السابقة وخبراتها ومُـثـلها. ممّا نتج عنه أنّ الناس لم يعد لديهم سوى معلومات متناثرة لكي يفهموا التاريـخ ويحكموا على الأحداث، كان يذهب إلى ظنهم أن وجهة نظرهم صائبة في حين أنهم كانوا على بعد كيلومترات من الحقيقة. وهكذا فإنّ سياسة الـح ش ص المتمثـلة في إبقاء الناس في حالة الجهل، قد تمّ تطبيقها بدقة وعناية.

VI. الثورة الثقافية – استحواذ شيطاني يهزّ العالم
لقد كانت الثورة الثقافية استعراضًا كبيرًا قدّمه شيطان الـح ش ص عندما كان مستحوذ ًا على كلّ الصين. في 1966، سرت موجة جديدة من العنف في الصين ؛ رعبٌ أحمر لا يُكبَحُ جماحه رجّ الجبال وجمّد الأنهار. وقد صوّر الكاتب تشي مو الثورة الثقافية بواسطة هذه العبارات القاتمة :
“لقد كانت كارثة لم يسبـق لها مثيل : سجن الـح ش ص ملايين الناس بسبب صلتهم بأفراد عائلتهم (المُستـَهدَفين)، ووضع حدّا لحياة ملايين الناس، وحطم عائلات، وحوّل أطفالاً إلى متسكعين ومتشردين، وأحرق كتبًا، وهدم معالم تاريخية، وخرب قبور مثقـفين، واقترف كل أنواع الجرائم باسم الثورة.”
حسب إحصائيات غير دقيقة، فإنّ عدد الوفيّات غير الطبيعية في الصين أثناء الثورة الثقافية يُقــَدّر بـ 7.73 ملايين.
كثيرًا ما يظنّ الناس – خطأ ً- أنّ العنف والجرائم أثناء الثورة الثقافية قد حدثت خاصّةً نتيجة لحركات التمرّد وأنّ الحرس الأحمر والمتمرّدين هم من ارتكبوا المجازر. ولكن آلاف التقارير السنوية عن المقاطعات الصينية والصادرة رسميّا تشير إلى أن ذروة حالات الوفاة غير الطبيعية أثناء الثورة الثقافية لم تكن سنة 1966، حين كان الحرس الأحمر يسيطر على معظم المنظمات الحكومية، ولا سنة 1967، حين كان المتمرّدون يقاتلون ضمن مختلف المجموعات بأسلحة عسكرية، بل في 1968، عندما استعاد ماوو نفوذه على البلاد بأكملها. كثيرًا ماكان القـتلة في هذه الأحداث البشعة هم ضبّاط عسكريون وجنود وميليشيات مسلحة وأعضاء من الـح ش ص في مختلف المستويات الحكومية.
الأمثال التالية تبيّن إلى أيّ مدًى كان العنف أثناء الثورة الثقافية هو سياسة الـح ش ص والحكومات الجهوية، وليس السلوك المتطرف للحرس الأحمر. لقد أخفى الـح ش ص مشاركته المباشرة في الحملة والتعليمات الصادرة عن مسيّري الحزب وموظفي الحكومة.
في أغسطس 1966، أطرد الحرس الأحمر سكان بيكين الذين سبق وأن صُنـّفوا في حركات سابقة على أنهم “أصحاب أملاك، فلاحون أغنياء، رجعيّون، عناصر سيئة، ويمينيون” وأرسلوهم إلى الريف. تشيـر إحصائيات رسمية غير تامّة إلى أن 33.695 منزلاً قد تمّ تفتيشه وأن 85.196 من سكان بيكين قد تمّ إخراجهم من المدينة وطردهم إلى من حيث جاء آبائهم في الأصل. لقد طبـّـق الحرس الأحمر هذه السياسة في كل البلاد، مُخرجًا أكثر من 400.000 ساكن حضريّ إلى الريف. وحتى موظفون سامون ممّن كان آبائهم أصحاب أراض اضطرّوا للذهاب إلى الريف.
في الحقيقة، لقد خطط الـح ش ص لحملة الطرد هذه حتى قبل أن تبدأ الثورة الثقافية. نجد أن عمدة بيكين الأسبق بانغ جان، قد صرّح بأنّ سكان مدينة بيكين عليهم أن يكونوا – ايديولوجيّا – أنقياء نقاوة “أعمدة الزجاج والبلور”، ويقصد من ذلك أن كلّ المتساكنين الذين ينتمون إلى طبقة اجتماعية سيئة سيُطرَدون من المدينة. في مايو 1966، أمر ماوو أتباعه بـ “حماية العاصمة”، وتمّ وضع فريـق عمل خاص بالعاصمة، يقوده يي دجيانيينغ، يانغ شانغوو و سيي فوجي. وكان من بين مهامّه أن يستعمل الشرطة لطرد سكان بيكين الذين لهم سوابق طبقية سيئة.
هذه الحكاية توضح لماذا لم تتدخل الحكومة والشرطة، بل ساندتا الحرس الأحمر في تـفتيش المنازل وطرد أكثر من 2% من سكان بيكين. وزير الأمن العمومي، سيي فوجي، أمر بألاّ تتدخل الشرطة في عمليّات الحرس الأحمر، بل بأن تسدي لهم النصيحة والمعلومات. بكل بساطة، لقد تمّ استعمال الحرس الأحمر من طرف الحزب للقيام بعمليات منظمة. ثمّ، مع نهاية 1966، تخلــّى الـح ش ص عن هذا الحرس الأحمر. الكثير من أفراد الحرس تمّ تصنيفهم على أنهم أعداء الثورة وتمّ سجنهم، آخرون تمّ طردهم إلى الريف مع حضريين شباب آخرين ليشتغلوا هناك ويتمّ “إصلاح عقـلياتهم”. منظمة الحرس الأحمر غرب المدينة، والتي قامت بطرد المتساكنين من المدينة، تمّ تأسيسها بإشراف و “سهر” من زعماء الـح ش ص. وفيما بعد، الأمر الذي يقضي بإدانة نفس هذا الحرس الأحمر، قد صدر هو أيضًا، بعد أن تمّت مراجعته من طرف الأمين العام لمجلس شؤون الدولة.
على إثر طرد البيكينيين الذين ينتمون للطبقة الاجتماعية السيئة، في 26 أغسطس 1966، تمّ إبلاغ خطاب سيي فوجي إلى قسم الشرطة بداسينغ أثناء انعقاد اجتماع عمل. لقد أمر سيي الشرطة بمساعدة الحرس الأحمر في تفتيش منازل “الطبقات السوداء الخمس” (أصحاب الأراضي، الفلاحون الأغنياء، الرجعيّون، العناصر السيئة، واليمينيون)، وذلك عبـر إسداء النصيحة والمعلومات له، ومساعدته في هجوماته. إنّ مجزرة داسينغ [8] الشنيعة قد حدثت تبعًا للتعليمات المباشرة لأقسام الشرطة. من نظـّم العملية كان المديـر وأمين قسم شرطة الـح ش ص، والقـتلة الآخرين كانوا في معظمهم ميليشيات، ولم يستثنوا حتـّى الأطفال. هناك الكثيـر الذين وقـع إدخالهم في الـح ش ص كمكافأة على “سلوكهم الجيد” أثناء المجازر. حسب إحصائيات منقوصة عن مقاطعة غوانغسي، نجد أن قرابة 50.000 عضوًا من أعضاء الـح ش ص كان متورّطـًا في المجازر. ونجد من بينهم 9.000 وقع إدخاله في الحزب فقط إثر مرور فترة قصيرة على ارتكابه لجريمة قـتل. أكثر من 20.000 ارتكبوا جرائم القـتل بعد انخراطهم في الحزب، وأكثر من 19.000 عضو آخر من أعضاء الحزب كانوا متورّطين في أحداث القـتل بشكل أو بآخر.
أثناء الثورة الثقافية، كانت النظرية الطبقية تنطبـق أيضًا على ممارسة الضرب. إذا ضُربَ الأشرار من طرف الأخيار، فذلك أنهم يستحقــّون ذلك. وإذا ضُربَ شخص شرّيـر من طرف شخص شرّيـر آخر، فذلك يُعَدّ شرفـًا للضارب. وإذا ضُربَ شخص خيّـر من طرف شخص خيّـر آخر، فتلك تـُعَدّ هفوةً. هذه النظرية هي من اختراع ماوو، وكانت منتشرة بشكل واسع أثناء حركات التمرّد. كان العنف والتقـتيل منتشريْن كثيرًا تبَعًا للمنطق القائـل بأنّ أعداء الصراع الطبقي يستحقــّون العنف الذي يُمارَسُ ضدّهم.
من 13 أغسطس إلى 17 أكتوبر 1967، قام الميليشيون التابعون لمحافظة داوو من مقاطعة هونان بتقـتيل عناصر منظمة “رياح وعواصف سيانغدجيانغ” وعناصر “الطبقات السوداء الخمس”. ودامت المجزرة 66 يومًا ؛ أكثر من 4.519 شخصًا من 2.778 أسرة تمّ قـتلهم في 468 قرية إدارية من 36 بلدية شعبية في 10 أقاليم. وفي المجموع 9.093 شخصًا تمّ قـتلهم، 38% من بينهم كانوا ينتمون لـ “الطبقات السوداء الخمس” و44% كانوا أبنائهم. كان أكبـر الضحايا سنا عمره 78 عامًا، وأصغـر الضحايا سنا عمره 10 أيام.
لم يكن هذا سوى حالة واحدة من حالات العنف، في حدود منطقة صغيرة، أثناء الثورة الثقافية – في منغوليا الداخلية، نجد أنه بعد وضع “اللجنة الثورية” في بداية عام 1968، قـتل التطهيـر الطبقي وعمليّات تطهيـر الحزب المُختـلق -“الحزب الثوري لشعب منغوليا الداخلية”- أكثر من 36.000 شخصًا. في عام 1968، شارك عشرات آلاف الأشخاص في مقاطعة غوانغسي في التقـتيل الجماعي للفئة المتمرّدة من منظمة “422”، وقضَوْا بذلك على 110.000 شخصًا. هذه الحالات تبيّن أن أعمال التقـتيل والمجازر أثناء الثورة الثقافية جميعها آتية من الأوامر والتحريضات المباشرة لرؤساء الـح ش ص، الذين أباحوا العنف واستعملوه لاضطهاد المواطنين وقـتلهم. هؤلاء القـتلة المتورّطون مباشرة في إعطاء إشارة الانطلاق للمجازر وتنفيذها، كانوا معظمهم من الجيش، من الشرطة، من الميليشيات المسلحة، وأيضًا أعضاء بارزون من الحزب ومن رابطة الشباب.
أثناء الإصلاح الزراعي، استعمل الـح ش ص الفلاحين للإطاحة بمالكي الأراضي وذلك للاستحواذ على الأراضي ؛ أثناء الإصلاح الصناعي والتجاري، استعمل الطبقة العاملة للإطاحة بالرأسماليين وذلك للاستحواذ على أرزاقهم ؛ أثناء حركة ضدّ-اليمين، قام بتصفية كلّ المثقـفين الذين لديهم رأي معارض – إذ ًا ما كان الهدف من كل مجازر الثورة الثقافية ؟ لقد استعمل الـح ش ص مجموعةً ليقـتل بها مجموعةً أخرى، دون أن يمنح ثـقته لأيّ طبقة. حتـّى وإن كـُنت تنتمي للطبقة العاملة أو طبقة الفلاحين اللتيْن اعتمد عليهما الـح ش ص في الماضي، هذا لا يمنع أنه عندما تكون وجهة نظرك مخالفة لوجهة نظر الحزب، فإنّ حياتك تكون في خطر. إذ ًا في النهاية، لـِمَ كلّ هذا ؟
كان الهدف هو خلق شيوعية تكون هي الدين الوحيد والأوحد المهيمن على البلاد بأكملها، مسيطرًا لا فقط على الدولة، بل على روح كلّ فردٍ.
لقد دفعت الثورة الثقافية للـح ش ص عبادة شخص ماوو تسي تونغ إلى درجة قصوى. كان يتمّ استعمال نظرية ماوو لفرض كلّ شيءٍ وكان على وجهة نظر شخص واحد أن ترتسم وتـُنحَتَ في عقول ونفوس الملايين. إن الثورة الثقافية – وبوسائل وطرق غير مسبوقة ولن يوجد لها مثيل أبدًا – لم تكن تحدّد ما لا يمكن فعله، وكان ذلك مقصودًا طبعًا. وبدلاً عن ذلك كان الحزب يبرز ما يمكن فعله وكيف القيام به. وكلّ ماكان يخرج عن هذا الإطار، لم يكن ممكنـًا فعله ولا حتـّى تصوّره.
أثناء الثورة الثقافية، كان الجميـع في البلد يُمارسون طقسًا مثـل الطقوس الدينية :”توجهوا إلى الحزب بطلب توجيهات في الصباح وقوموا بتقريـر للحزب في المساء”، إرسال التحية والسلام إلى ماوو تسي تونغ عدة مرات في اليوم مع تمنـّي عمر مديد لا يفنى له، والقيام بصلوات سياسية صباحًا ومساءًا، بشكـل يومي. تقريبًا كل شخص متعلــّم في الصين قد عاش تجربة تحرير النقد الذاتي وتقارير عن الأفكار. كـُنتَ كثيرًا ما تسمع الناس يتـلون أقوال ماوو مثـل :”صارعوا بشراسة كلّ فكرة أنانية” و “نفـّذوا التعليمات سواءًا كانت الأهداف واضحة بالنسبة لكم أم لا، سيتعمّـق فهمكم أثناء عملية التنفيذ.”
“إله” واحد كان يُسمَحُ بعبادته، وهو ماوو ؛ وكتابات واحدة كان يُسمَحُ بدراستها، وهي تعاليم ماوو. وفيما بعد تطوّر “تأليه” ماوو إلى درجة أنّ الناس لم يكونوا يستطيعون شراء طعام من المطعم دون أن يتـلوا قولة لماوو أو أن يُحيّـوا ماوو. عند القيام بالمشتريات، عند السفـر في الحافلة، أو حتـّى للقيام بمكالمة هاتفية، كان ينبغي تلاوة حكمة من حكم ماوو، حتـّى وإن لم تكن لديها أيّ علاقة مع ما نحن بصدد فعله. عند القيام بهذه الأشياء، كان الناس صنفيْـن : يكونون إمّا متعصّبين متحمّسين وإمّا سوداويين متشائمين، وفي الحالتين يكونون تحت سيطرة ذلك الشيطان، شيطان الشيوعية. صنع الكذب، وإباحة وجود الكذب والاعتماد على الكذب أضحى نمط عيش الشعب الصيني.

VII. عصر الإصلاح الاقتصادي – العنف يتطور مع الزمن
لقد كانت الثورة الثقافية فترة أهدِرَ فيها دم كثير، فترة مليئة بالمجازر، بالتظلــّمات، بفقدان الضمير وبالخلط بين الخير والشرّ. بعد الثورة الثقافية، أخذ مسيّرو الـح ش ص يُغيّرون شعاراتهم بكثرة بينما الحكومة نفسها تغيّرت ستة مرات في ظرف عشرين سنة. رجعت الملكية الخاصة إلى الصين، وتضخـّم الفارق في مستوى العيش بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية، اتـّسعت رقعة المساحات الصحراوية بسرعة، مياه الأنهار جفـّت، وازداد استهلاك المخدرات وممارسة الدّعارة. كلّ “الجرائم” التي حاربها الـح ش ص أصبحت مُباحة من جديد.
قـلب الـح ش ص القاسي وعديم الرحمة وطبيعته، آثامه، وقدرته على تخريب البلد، كل هذا قد كبـُرَ وازداد. أثناء مجزرة تيانانمن في 1989، عبّأ الحزب الجيش والدبابات لقـتل الطلبة الذين كانوا يتظاهرون في ساحة تيانانمن والاضطهاد الحالي لممارسي الفالون غونغ لهو أدهى وأمرّ. في أكتوبر 2004، عبّأت الحكومة المحلية 1.600 شرطيا من شرطة قمع المظاهرات لإيقاف 50 فلاحًا وقـتلهم ومصادرة أراضيهم في مدينة يولين، في مقاطعة شآنسي. إن الحكم السياسي للحزب الصيني قد انبنى دومًا على فلسفة صراع وعنف. الفارق الوحيد مع الماضي هو أن الحزب أصبح فاسدًا أكثر.

1- صنع القانون
لم يكفّ الـح ش ص أبدًا عن زرع الفتن والأحقاد بين الناس. لقد حكم على عدد كبير من المواطنين المتهمين بكونهم رجعيّين، أعداء للاشتراكية، عناصر سيّئة، وأعضاء جماعات وفرق شيطانية. إنّ الطبيعة الشمولية للـح ش ص لا تزال تدخل في صراع مع كل المجموعات والمنظمات المدنية الأخرى. باسم الحفاظ على “الاستقرار الاجتماعي”، غيّر الحزب باستمرار الدساتر، والقوانين والتعليمات، واضطهد كل شخص غير متـّفق مع الحكومة بتهمة أنه رجعيّ.
في يوليو 1999، قرّر جيانغ زمين – بصفة شخصيّة – وضدّ إرادة غالبية أعضاء المكتب السياسي الآخرين، تصفية الفالون غونغ في ظرف ثلاثة أشهر ؛ وعمّت الأكاذيب البلاد مرّةً أخرى. في مقابلة أجرتها معه صحيفة لوفيغارو الفرنسية، اتـّهم جيانغ زمين علانية ً الفالون غونغ بأنها “طائفة شيطانية”، وإثر ذلك تبعه أصحاب الدعايات الصينيون، وسرعان ما نشروا مقالاتٍ تمارس ضغطـًا متزايدًا على الناس لكي ينقـلب كلّ شخص في البلاد ضدّ الفالون غونغ. وفي نهاية الأمـر، أجبـِر التجمّع الشعبي الوطني على إصدار “قرار” يتناول أمر الطوائف الشيطانية ؛ وبعد ذلك بوقت قصير، أصدرت المحكمة الشعبية العليا بالشراكة مع المحكمة الصغرى الشعبية العليا “شرحًا” لهذا “القرار”.
في 22 يوليو 1999، نشرت وكالة الصحافة سينهوا خطابات لمسيّري قسم تنظيم الـح ش ص وقسم الدعاية، يؤيّدون علنـًا اضطهاد جيانغ للفالون غونغ. وألفى الشعب الصيني نفسه مسجونـًا في شباك الاضطهاد فقط بسبب قرار اتـّخذه الحزب ؛ فليس بوسعه سوى إطاعة الأوامر وليس قادرًا على القيام بأدنى اعتراض.
أثناء السنين الخمس الأخيرة الماضية، أنفقت الحكومة ربع الموارد المالية القومية على اضطهاد الفالون غونغ. وأجبـِر كلّ الناس في البلاد على الخضوع لاختبار : أغلب أولئك الذين يُقرّون أنهم يمارسون الفالون غونغ ويرفضون التخلــّي عن الممارسة كانوا يفـقدون مراكز عملهم، والبعض منهم حـُكـِم عليه بالأشغال الشاقة. إنّ ممارسي الفالون غونغ لم يخرقوا أيّ قانون، لم يخونوا بلادهم، ولم يعترضوا على الحكومة ؛ لم يفعلوا سوى كونهم يؤمنون بالقيم التالية : “الحق، الرحمة، التسامح”. ومع ذلك، فإنّ مئات آلاف الأشخاص قد سُجـِنوا. وفي نفس الوقت الذي كان الـح ش ص يضع فيه حصارًا معلوماتيّا منيعًا، تمّ تعذيب 1.100 شخصًا إلى حدّ الموت وفق ما أكـّدته عائلاتهم – وعدد القـتلى غير المسجّـلين لهو أكبر.

2- التضليل المعلوماتي
في 15 أكتوبر 2004، نقـلت صحيفة وانوا يباو (وان هوي باوو) في هونغ كونغ أنّ القمـر الصناعي رقم عشرين، أثناء عودته إلى الأرض، قد سقط على منزل هوو جيو في بلدة بنغلاي الموجودة في إقـليم دايين من مقاطعة سيشوان. كان التقرير يذكـر آيي يوتشينغ، مدير المكتب الحكومي لإقليم دايين، مؤكـّدًا أن “الكتلة السوداء” كانت بالفعـل القمر الصناعي. لقد كان آيي هو نفسه المدير المساعد لمشروع استرجاع المركب الفضائي. ورغم ذلك فإنّ سينهوا لم تعلن سوى عن ساعة عودته، مبرزةً أنه القمر الصناعي التجريبي العلمي والتـقني رقم عشرين الذي عثرت عليه الصين. سينهوا لم تكلــّف نفسها حتـّى ذكـر سقوط المركب على منزل. هذا مثال حيّ ونموذجي عن الممارسة المعتادة لتقارير وسائل الإعلام الصينية : إذاعة الأخبار الحسنة وكتمان الأخبار السيئة تـنفيذ ًا لأوامر الحزب.
إنّ الأكاذيب والثـلب الذي يُنشَـرُ في الصحف ويُذاع في التلفزيون قد ساهم كثيرًا في تفعيل سياسة الـح ش ص في كلّ الحركات السياسية السابقة. إنّ أوامر الحزب يتمّ تنفيذها بصفة فورية من قـِبَـل جميـع وسائـل الإعلام في البلاد. عندما أراد الحزب بعث حركة ضدّ اليمين، أخذت وسائـل الإعلام، في كلّ البلاد، تذيــع بصوت واحد جرائم اليمينيين. عندما أراد الحزب تأسيس الجمعيات الشعبية، أخذت كلّ صحيفة في الوطن تـُثني على محاسن الجمعيات الشعبية. أثناء الشهر الأول من اضطهاد الفالون غونغ، كلّ المحطات التلفزية والإذاعية شتمت دون هوادةٍ الفالون غونغ وذلك في ساعات الذروة للمشاهدة أو الاستماع وذلك لغسل دماغ الناس. ومنذ ذلك الحين، استعمل جيانغ كلّ وسائـل الإعلام لاختراع أكاذيب وشتائم متكرّرة بخصوص الفالون غونغ ونشرها بين الناس، محاولاً تأليب الرأي العامّ على الفالون وتحريض الرأي العامّ على كره الفالون غونغ، وذلك بواسطة بثّ أخبار مُختـَلقة عن ممارسين يرتكبون جرائم قـتل وانتحار. مثال على هذا النوع من التصويـر المزيّف هو حادثة “الانتحار حرقـًا في تيانانمن” المزعومة، والتي ندّدت بها الـمنظمة غير الحكومية العالمية للتنمية التربوية أمام الأمم المتحدة بجنيف على أنها حادثة مفبركة من طرف الحكومة لخداع الناس. أثناء السنين الخمس الأخيرة الماضية، لم تنقـل أيّ صحيفة أو قناة تلفزية في شبه القارة الصينية حدثـًا صادقـًا واحدًا بخصوص الفالون غونغ.
إن الشعب الصيني متعوّد على الأخبار الكاذبة من وسائل الإعلام. هناك صحفي قديم من وكالة سينهوا قد قال مرّةً :”كيف تستطيعون تصديق تقارير سينهوا ؟” إنّ الناس يصفون وكالات الصحافة الصينية حتـّى بكونها كلاب الحزب. ومثـلما تصف ذلك الأغنية الشعبية :”إنه كلب قد ربّاه الحزب، ويحرس باب الحزب. سيعضّ من يقرّر الحزب أنه يجب أن يُعَضّ، وسيعضّ عدد المرّات التي يريدها الحزب !”

3- التربية
في الصين، أصبحت التربية والتعليم وسيلة إضافية أخرى للتحكـّم في الناس. في الأصل، كانت التربية تهدف، علاوةً على تحصيل المعارف، إلى التنمية العقـلية لمَـلكة التمييـز. إنّ المعرفة تعني فهم المعلومة، فهم المعطيات والأحداث التاريخية، اكتساب رأي أثناء مسار التحـليل والبحث والنقد وإعادة إنتاج هذه المعرفة – مسار تنمية روحية. أولئك الذين لديهم معرفة دون أن يكون لهم رأي شخصي مميّز، هم أشبه ما يكونون بفئران المكتبة، لا بمثقـفين حقيقيين لديهم وعي وضميـر اجتماعي. لذلك نجد أنه في التاريـخ الصيني، كان المثقـفون الذين لديهم رأي مستقـلّ هم الذين يحظوْن فعلاً بالاحترام والتقديـر، وليس أولئك الذين لديهم فقط المعرفة. ولكن، تحت حكم الـح ش ص، أصبحت الصين تعجّ بالمثقـفين الذين لديهم المعرفة ولكن ليس لديهم رأي أو أنهم لا يجرؤون على ممارسة حرّية الرأي. إن التربية في المدارس لا تلقــّن الطلبة سوى عدم فعـل الأشياء التي لا يريد الحزب أن يفعلوها. في هذه السنين الأخيرة أخذت كلّ المدارس تعلــّم سياسة الـح ش ص وتاريخه معتمدةً كتبًا مدرسيةً موحّدةً. المدرّسون لا يعتقدون في محتوى النصّ، ولكن “نظام” الحزب يُجبرهم على تدريسه رغم إرادتهم. الطلبة لا يصدّقون الكتب المدرسية ولا أساتذتهم، ولكن عليهم أن يحفظوا ذلك عن ظهر قـلبٍ إذا كانوا يريدون النجاح في الامتحان. ومؤخرًا، تمّت إضافة أسئلة تهمّ الفالون غونغ إلى امتحانات دخول الجامعات والمدارس الثانوية. والطلبة الذين لا يعرفون الأجوبة النموذجية لا يحصلون على الأعداد الممتازة ويفقدون حظوظهم في الدخول إلى الجامعات الجيدة أو المدارس الثانوية الجيدة. إن تجرّأ طالب على قـول الحقيقة، يتمّ طرده في الحال من المدرسة ويفـقد حقــّه في التربية العمومية.
في نظام التربية العمومية، وبتأثيـر من الصحف والوثائق الحكومية، هناك عديد الأمثال والمقولات الشهيرة أصبحت تـُشاع على أنها حقائق، مثل قولة ماوو :”علينا مساندة ما يعارضه العدوّ ومعارضة ما يسانده العدوّ”. وشاع تأثيرها السلبي في كل مكان : لقد سمّموا قلوب الناس، وأبعدوا الإحسان والطيبة وقوّضوا المبدأ الأخلاقي المتمثـل في العيش بسلام وانسجام.
في 2004، قام رجل متعصّب بفري 28 طفلاً بسكـّين في مدينة سوجو. في 20 سبتمبر، جرح رجل من مقاطعة شاندونغ 25 تلميذ ًا من مدرسة ابتدائية بسكـّين. وأجبـر بعض مدرّسي المدارس الابتدائية التلاميذ على صنع متفجرات يدويّة وذلك لتنمية مداخيل المدرسة، متسببين في انفجار ومات تلاميذ جرّاء ذلك الانفجار.

4- تنفيذ السياسات
كثيرًا ما استعملت إدارة الـح ش ص التهديد والإرغام لـتـتأكد من تنفيذ الشعب للسياسات التي تريدها. ومن بين الوسائـل التي تستعملها هي الشعار السياسي. لفترة طويلة، اعتمد الـح ش ص عدد الشعارات المُعَلــّقة كمقياس لتقييم المساهمة السياسية لكلّ فردٍ. وأثناء الثورة الثقافية، أصبحت بيكين بين عشيّة وضحاها مثـل “بحـر أحمر” من مُعَلــّقات داتسيباوو (صحيفة حائطية صينية مُعلــّقة في الأماكن العمومية). كنتَ ترى شعار “ليسقط حكم الرأسماليين في الحزب” في كلّ مكان. وفي الأرياف، تمّ اختصاره – من سخرية القدر – إلى “ليسقط الحزب”.
مؤخرًا، ولتفعيـل القانون الخاصّ بحماية الغابات، قام مكتب الدولة المُكلــّف بالتأجيم (الزراعة الغابية) وكلّ محطاته وفروعه، ومكاتب حماية الغابات – فيما يشبه الأمـر – بتحديد عددٍ معين من الشعارات التي يتعيّن تعليقها. ومن لا يبلغ ذلك العدد المُحدّد، يُعتـَبَـرُ أنه لم يقم بالعمل المطلوب منه. ونتيجة لذلك، علــّقت المكاتب المحلية للحكومة عددًا كبيـرًا من الشعارات مثـل :”من يحرق الغابات إلى السجن مصيره”. في السنوات الأخيرة، وُجـِدت في إدارة مراقبة الولادات شعارات مخيفة أكثر :”إن اخترق أحدهم القانون فإنّ كل القرية سيتمّ تعقيمها”، “قبـر جديد أفضل من مولود جديد”، أو “إن لم يخضع لاسئصال الأسهر كما يتعيّن عليه، سيُهدَمُ منزله ؛ إن لم تخضع لإجهاض كما يتعيّن عليها، فستـُفتكّ منها بقراتها وحقول أرزّها.” بل هناك حتـّى شعارات ترمي عرض الحائط بحقوق الإنسان وبالدستور مثـل :”تنام في السجن غدًا إن لم تدفع ضرائبك اليوم.”
إنّ الشعار هو ببساطة عبارة عن دعاية، ولكنها مباشرة أكثر ومتكرّرة. لذلك، كثيرًا ما تستعمل الحكومة الصينية الشعارات لترويج أفكار، وقيم، ومواقف سياسية. نستطيـع أيضًا أن نعتبـر الشعارات السياسية بمثابة الكلمة التي توجّهها الحكومة للشعب. ولكن في هذه الشعارات المُروّجة لسياسات الـح ش ص، ليس من الصعب أن نلمس نزعتها نحو العنف والقسوة.

VIII. إخضاع كامل البلاد لغسل دماغي وتحويلها لـ “سجن فكري
إنّ السلاح الأكثر فاعلية الذي يستعمله الـح ش ص للإبقاء على حكمه الجائر هو نظام المراقبة. إنّ الـح ش ص يفرض، بطريقة منظمة جدّا، عقليّة طاعة وخضوع على كلّ فردٍ من أفراد شعبه. لا يهمّ إن كان هو نفسه متناقضًا أو كان يغيّر بصفةٍ دائمة سياسته، طالما أنه قادر على وضع طرق صارمة منظمة لحرمان الشعب من حقوقه الإنسانية الأساسية. إنّ كبّاشات الحكومة موجودة دائمًا وفي كلّ مكان. إن كان ذلك في المناطق الريفية أو الحضرية، من يحكم المواطنين هي اللجان المعروفة بـ “اللجان البلدية” أو لجان الشوارع. إلى يومنا هذا، يحتاج المواطنون لموافقة هذه اللجان إن كان ذلك للزواج أو للطلاق أو لإنجاب طفل. الإيديولوجية، طريقة التفكيـر، المنظمات، البنية التحتية الاجتماعية، آليّات الدعاية، والنظم الإدارية للحزب، كلها لا تخدم سوى هدفه الديكتاتوري. إنّ الحزب، من خلال أساليب حكمه، يحاول جاهدًا أن يراقب ويتحكـّم في كلّ فكرةٍ وفعـلٍ شخصيّـيْن.
إنّ الفظاظة التي يتحكـّم بها الـح ش ص في شعبه لا تقـف عند التعذيب الجسدي، إنه يُرغم الناس أيضًا على فـقدان قدرتهم على التفكير الشخصي الحرّ، إنه يصنع منهم جبناء ودفاعيّين لا يقدرون على الكلام بصراحة. إنّ الهدف من نفوذه هو الغسل الدماغي لكلّ مواطن من مواطنيه، بحيث يصير يفكـّر ويتكلــّم مثـل الـح ش ص، ويفعـل ما يطلبه الـح ش ص.
هناك مَثـل يقول :”سياسة الحزب هي مثل القمر، تتغيّـر كلّ 15 يومًا”. وكلّ مرّة يُغيّـر فيها الحزب سياساته، فإنّ كلّ شخص في البلاد يجب أن يتبعه. عندما يستعملك الـح ش ص ليؤذي الآخرين عن طريقك، فيجب أن تشكر الـح ش ص لأنه أحسن الظنّ بقدراتك ؛ عندما تكون مجروحًا، يجب أن تشكر الـح ش ص لأنه أعطاك درسًا ؛ عندما تتعرّض للميز والظلم ثمّ فيما بعدُ يعوّضك الـح ش ص عنه، يجب أن تشكر الـح ش ص لكرمه الكبير، ولسعة صدره ولقدرته على إصلاح أخطاءه. إنّ الـح ش ص يُمدّد طغيانه عبـر دوراتٍ متعاقبة من الظلم المشفوع بالإصلاح والتعويض.
بعد 55 سنة من الجور، سمّم الـح ش ص روح الأمّة وسجنها في الفضاء الذي حدّده لها. التفكيـر خارج إطار ذلك الفضاء يُعتـَبَـرُ جريمة. بعد صراعات متكرّرة، يمتدحون الغباوة ويسمّونها حكمة ؛ وصار الجبـن وسيلة أساسية للعيش. في مجتمع عصريّ تـلعب فيه الانترنت دورًا رئيسيّا في تبادل المعلومات، يصل الأمـر بالـح ش ص إلى أن يطلب من الشعب أن يمارس على نفسه الرقابة الذاتية وألاّ يقرأ المعلومات القادمة من الخارج، وألاّ يدخل إلى مواقع بواسطة كلمات- مفاتيـح مثـل “حقوق الإنسان” أو “ديموقراطية”.
إنّ قيام الـح ش ص بغسل دماغ شعبه أمر عديم المعنى، عنيف، وحقير، ولكنه متواجد دائمًا وفي كلّ مكان. لقد شوّه الـح ش ص القيم الأخلاقية ومبادئ المجتمع الصيني، لقد أعاد صياغة قواعد السلوك وطريقة عيش الأمّة. يستعمل الـح ش ص بصفة مستمرّة طرق تعذيب فكرية وجسدية ليقوّي ديكتاتوريته ويُرسي نفوذه المطلق على الصين مع “دين الـح ش ص” المهيمن.

خاتمة
لماذا على الـح ش ص أن يصارع دومًا للحفاظ على سلطته ؟ لماذا يعتقد الـح ش ص أن الصراع باق لا نهاية له ما دامت الحياة ؟ من أجل تحقيـق بغيته، هو لا يتردّد في قـتل الناس وإتلاف البيئة والمحيط، إنه لا يأبه كذلك بالفقر الجاثم على معظم القرويين وعدد كبير من الحضريين.
أمن أجل ايديولوجية الشيوعية يواصل الـح ش ص هذا الصراع بلا نهاية ؟ الإجابة هي لا. إنّ إحد مبادئ الحزب الشيوعي هي إزالة الملكية الخاصّة، وهو ما سعى لفعله عندما حصل على السلطة. لقد كان الـح ش ص يظنّ أن الملكية الخاصّة هي أصل كلّ الشرور. ولكن، إثـر الإصلاح الاقتصادي في السنوات 1980، أصبحت الملكية الخاصّة مُباحة من جديد في الصين وتتمتـّع بحماية الدستور. لو استطاع الناس كشف أكاذيب الـح ش ص، فسيروْن بوضوح أنه طيلة هذه الـ 55 سنة من الحكم، لم يقم الحزب سوى بإخراج مسرحية…مسرحية توزيـع الثروات. وبعد بعض دوراتٍ من “التوزيـع”، ذوّب الحزب بكلّ بساطة رأسمال الآخرين في أملاكه الخاصّة.
يدّعي الـح ش ص أنه “نصير الطبقة العاملة”. مهمّـته هي القضاء على الطبقة الرأسمالية. ومع ذلك فإنّ قوانينه اليوم تسمح للرأسماليين – دون لبس ٍ- بأن ينضمّوا للحزب. أعضاء الحزب لم يعودوا يؤمنون به ولا بالشيوعية، وجود الـح ش ص إذ ًا لا مبرّر له. ما بقي من الحزب الشيوعي لا يعدو أن يكون قشرة مُفرغة من محتواها المزعوم.
هل كان هذا الصراع الطويل يهدف إلى حماية أعضاء الـح ش ص من الفساد ؟ لا. بعد 55 سنة من الحكم، نجد أن الفساد وسرقة الأموال والسلوكيات اللا- قانونية والأعمال المضرّة بالأمّة والشعب لا تزال منتشرة بشكـل واسع بين موظفي الـح ش ص عبر كامل البلاد. في هذه السنوات الأخيرة، 8 ملايين – من جملة قرابة 20 مليون موظف من موظفي الحزب في الصين – وقع تتبّعهم عدليّا ومعاقبتهم بسبب جرائم تتعلــّق بالفساد. كلّ سنة، نجد أنّ قرابة مليون شخص يشتكون إلى السلطات المعنيّة من الموظفين الفاسدين الذين لم تـقع مراقبتهم. من يناير إلى سبتمبر 2004، حقــّـق المكتب الصيني لتصريف الأموال في حالات عمليات تصريف غيـر قانونية في 35 بنكـًا و41 مؤسسة، واكتشف تصريفـًا غير قانوني يُقدّر مبلغه الجمليّ بـ 120 مليون دولارًا أمريكيّا. حسب إحصائيات السنوات الأخيرة، هرب ما لا يقـلّ عن 4.000 موظف من موظفي الـح ش ص من الصين حاملين معهم مبالغ مالية طائلة مسروقة من خزائن الدولة تبلغ في الجملة عشرات المليارات من الدولارات.
هل كان الهدف من الصراعات هو تربية الشعب وإصلاح ضميره وجعل الشؤون الوطنية من بين مشاغله ؟ الإجابة هي “لا” أخرى مدوّية. في صين هذه الأيّـام، نجد أن الجري وراء الربح المادّي لا هوادة فيه، وأنّ الناس قد فـقدوا الخصلة الأصلية المتوارثة، خصلة النزاهة. لقد أصبح أمـرًا عاديّا أن يخدع المرء عائلته ويحتال على أصدقاءه. إزاء عديد المسائل الهامّة مثـل حقوق الإنسان أو اضطهاد الفالون غونغ، نجد أن ردّ فعل الكثير من الصينيين هو اللا- مبالاة، أو أنهم يرفضون الحديث فيها. احتفاظ الشخص برأيه لنفسه وعدم قول الحقيقة هي وسيلة أساسية للبقاء على قيد الحياة في الصين اليوم. في الآن نفسه، يغتنم الـح ش ص كلّ فرصةٍ ليحرّك في الناس أكثر وأكثر شعور الوطنية. يستطيـع مثلاً أن يتصرّف بحيث يجعل أفراد الشعب الصيني يرمون الحجارة على السفارة الأمريكية أو يحرقون الأعلام الأمريكية. لقد وقعت معاملة الصينيين إمّا على أنهم قطيـع مطيـع أو على أنهم جمهور هائج، ولكن أبدًا على أنهم مواطنون يتمتـّعون بحقوقهم الإنسانية مضمونة. إنّ المبادئ الأخلاقية التي تكلــّم عنها كونفوشيوس ومنشيوس قد كوّنت، لمدّة آلاف السنين، قاعدة النظام الاجتماعي وسيادة الدولة. “إن وقـع التخلــّي عن هذه المبادئ، إذ ًا فلن يكون للناس أيّ قانون يتـّبعونه ولن يستطيعوا بعد ذلك التمييز بين الخير والشرّ. سيسلك كلّ منهم طريقه…سوف ينطمس الداوو.” [9]
إنّ غاية الـح ش ص من صراع الطبقات هي خلق الفوضى بصفة مستمرّة، وبفضل تلك الفوضى يستطيـع أن ينـتصب بإحكام بصفته الحزب الأوحد والأعلى في الصين، وأن يستعمل ايديولوجية الحزب ليسيطر على الشعب الصيني. إنّ مؤسسات الحكومة، والقوى العسكرية، ومعلومات وسائل الإعلام هي كلــّها أدوات يستعملها الـح ش ص للحفاظ على ديكتاتوريته. وبعد أن نقـل أمراضًا قاتلة للصين، فإنّ الـح ش ص هو نفسه على حافة الموت الآن، ولا مفـرّ من سقوطه.
بعض الناس يُبدون تخوّفـًا من الفوضى التي ستشهدها البلاد إذا انهار الـح ش ص، من سيحلّ محلّ الـح ش ص في حكم الصين ؟ أثناء الـ 5.000 سنة من تاريـخ الصين، لن تعدو الـ 55 سنة من حكم الـح ش ص أن تكون سحابة ومرّت. للأسف، أثناء هذه الفترة القصيرة التي دامت 55 سنة، بدّد تمامًا المعتقدات والقيم الأصلية الصينية، وحطم المبادئ الأخلاقية والبُنى الاجتماعية المتوارثة، محوّلاً المحبة والرعاية بين الناس إلى صراع وكرهٍ، معوّضًا احترام السماء والأرض والطبيعة بالبجاحة التالية :”حبّ الغزو والاكتساح هي طبيعة بشرية”. وعملاً تخريبيّا بعد آخـر، حطـّم الـح ش ص شيئًا فشيئًا النظام الاجتماعي والأخلاقي والبيئي تاركـًا الأمّة الصينية في أزمة عميقة.
في تاريـخ الصين، كلّ حاكم طيّب كان يعتبر أن محبّة الشعب وإطعامه وتنشئته هي مسؤولية الحكومة. الطبيعة الإنسانية تجنحُ إلى الطيبة، ودور الحكومة هو تفجير ينابيـع هذه الطبيعة الإنسانية الفطرية. قال منشيوس :”إنها طريق الناس : أولئك الذين لديهم سند متمثـل في الموارد القارّة ستكون نفسيتهم مستقرّة، بينما أولئك الذين ليس لديهم سند متمثـل في الموارد القارّة لن تكون نفسيتهم مستقرّة.” [10] لقد اتـّضح أنّ التربية دون ازدهار مادّي هي عديمة الجدوى ؛ وقد احـتقر الشعب الصيني الحكـّام الطغاة الذين لم تكن في قـلوبهم أيّ محبّة نحو شعبهم وكانوا يقـتلون الأبرياء.
أثناء الـ 5.000 سنة من التاريـخ الصيني، وُجـِد هناك عديد الحكـّام الطيبين مثـل الامبراطور وان والامبراطور وو من العائلة المالكة جو، والامبراطور وان والامبراطور جينغ من العائلة المالكة هان، والامبراطور تانغ تايتسونغ من العائلة المالكة تانغ، والامبراطور كانغتسي والامبراطور تشيانلونغ من العائلة المالكة تشينغ. إنّ الازدهار والرخاء الذي كان ينعم به الناس في ظلّ حكم هذه الأسَـر المالكة كان بفضل حكـّام يمارسون الطاوو الإلهي، ويتـّبعون طريق الوسط، ويسعوْن وراء السلام والانسجام. إنّ صفات الحاكم الطيب تتمثـل في توظيف الناس المقتدرين والفاضلين، وفي اتساع صدورهم أمام اختلاف الآراء، وفي كونهم يُعـلون العدل والسلام ويُعطون الناس ما يحتاجونه. وبهذه الطريقة، ينصاع المواطنون طواعيةً للقوانين، ويكون لديهم حسّ مهذب وعادة احترام الآخرين، ويكونون سعداء ويعملون بجدّ وحماس.
عندما نلقي نظرة على العالم، كثيرًا ما نتساءل عمّا يحدّد ما إذا كانت دولة مّا ستنعم بالازدهار أو ستتلاشى، علمًا وأنّ رقيّ أمّة أو سقوطها لديهما أسباب. بعد الـح ش ص، يمكن أن نتوقــّع أن السلام والانسجام سيعودان من جديدٍ إلى الصين. يعود الناس صادقين، مهذبين، متواضعين ومتسامحين ؛ ستهتمّ الأمّة من جديدٍ بالحاجيات الأساسية للشعب، وكلّ المهن سوف تزدهر من جديدٍ.

ملاحظات :
1- راجعوا “أرشيف الأغذية والمنتوجات” في تاريخ الأسرة المالكة هان (هان تشو). “كلّ شيءٍ تحت السماء” تعني الصين تحت حكم الأباطرة.
2- تشيان يوشانغ، الثقافة الشرقية، الطبعة الرابعة، 2000.
3- غاوو غانغ و داوو شوشي كانا عضويْن في اللجنة المركزية. في 1954، وبعد محاولة فاشلة في الصراع على السلطة، وقع اتهامهما بتهمة التؤامر لتقسيم الحزب وإثر ذلك وقع طردهما. هو فانغ هو عالم وناقد أدبيّ، وقد كان معارضًا للسياسة الأدبية العقيمة للـح ش ص. تمّ طرده من الحزب سنة 1955 والحكم عليه بـ 14 سنة سجنـًا. من 1951 إلى 1952، أطلق الحزب حملة “الأضداد الثلاثة” وحملة “الأضداد الخمسة” وذلك باسم القضاء على الفساد والفوضى والبيروقراطية داخل الحزب والحكومة والجيش والتنظيمات الكبرى.
4- لو سون أو لو هسون (25 سبتمبر 1881-19 أكتوبر 1936)، يُعتبر مؤسس الأدب الصيني “المحلـّي” الحديث (بايهوا)، وكان أيضًا مترجمًا مميّزًا. لعب دورًا هامّا في تاريـخ الأدب الصيني بصفته كاتبًا ينتمي للجناح الأيمن. كتبه كان لها كبير الأثر في نفوس كثير من الشباب الصيني. درس الطبّ في سنداي باليابان سنة 1909، ثمّ عند عودته إلى الصين، أصبح أستاذ ًا محاضرًا بجامعة بيكين وبدأ في الكتابة.
5- امبراطور اليشب والملك التنين هما شخصيتان ميثيولوجيتان. امبراطور اليشب يُعرَفُ رسميّا بذي اليشب الجليل المهيب، ويعرفه الأطفال والناس ذوو الثقافة المتواضعة بـ “الجدّ السماويّ”، وهو حاكم السماوات وأحد أهمّ الآلهة في مجمع الآلهة الطاويّ. الملك التنين هو حاكم المحيطات الأربعة. كلّ محيطٍ يوافق الاتجاهات الرئيسية الأربعة ويحكمه ملك تنين. الملوك التنينات تعيش في قصور من الكريستال، يحرسها جنود قريدسات وقوّاد سرطانات. بالإضافة إلى سيادتها على الحياة المائيّة، تتحكم الملوك التنينات أيضًا في السحاب والمطر. يُقال أن الملك التنين الذي يحكم بحـر الشرق هو صاحب المملكة الأكثر اتـّساعًا.
6- بانغ داخواي (1898-1974) : قائد سياسي وماريشال شيوعي صيني. كان بانغ قائدًا عامّا في الحرب الكوريّة، ووزيرًا أوّلاً مساعدًا في لجنة شؤون الدولة، وعضوًا في المكتب السياسي، ووزيرًا للدفاع من 1952 إلى 1959. أقيل من مهامّه الرسمية لأنه لم يستحسن النظريات اليسارية لماوو في الجلسة المكتملة للـح ش ص بلوشان سنة 1959.
7- جاوو غاوو (تاريخ الولادة غيـر معروف، مات في 210 ق م) : رئيس الخدم لدى الأسرة المالكة تشين. في 210 ق م، بعد موت الامبراطور تشين تشي هوانغ، قام جاوو غاووو، بصحبة الوزير الأول لي سي والابن الثاني للامبراطور هو هاي بتأليف وصيّـتيْن (زعمًا أنهما وصيّـتا الامبراطور)، ومحتوى هاتين الوصيّـتيْن : إحداهما تسمّي هو هاي امبراطورًا جديدًا، والأخرى تأمر الأمير وريث العرش، فو سو، بالانتحار. ثمّ، فيما بعد، احتدمت الخصومات بين جاوو غاوو و هو هاي ؛ فجلب جاوو أيلاً إلى ساحة المملكة وقال أنه حصان. ولم يجرؤ سوى عدد قليل من الموظفين على الاعتراض وقول أنه أيل. اعتبر جاوو غاوو أن موظفيه كانوا ضدّه ونحّاهم من وظائفهم الحكومية.
8- مجزرة داسينغ حدثت في شهـر أغسطس 1966 أثناء تغيير حكومة الحزب ببيكين. في ذلك الحين، ألقى سيي فوجي، وزير الأمن العامّ، خطابًا أثناء انعقاد اجتماع بمكتب الأمن العامّ ببيكين، داعيًا إلى عدم التدخل إزاء الأعمال التي يمارسها الحرس الأحمر ضدّ “الطبقات السوداء الخمس”. وسريعًا ما وقـع تمرير هذا الخطاب في اجتماع للجنة التنفيذية لمكتب الأمن العامّ بداسينغ. وبعد الاجتماع، تحرّك المكتب في الحين، ورسم خطـّة لتحريض سكـّان مقاطعة داسينغ على قـتل “الطبقات السوداء الخمس”.
9- دو كانغ يوواي، مجموعة الكتابات السياسية، 1981. كانغ يوواي (1858-1927) كان مفكـّرًا كبيرًا ومُصلحًا في نهاية فترة تشينغ.
10- لـمنشيوس.

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة الرابعة : الحزب الشيوعي قوّة مناهضة للكون
توطئة
يولي الصينيون أهمّية كبيرة للـ “طاوو”(/داوو) أو الطريق (الصراط). فيما مضى، كان الامبراطور عندما يكون فظا قاسيًا، يقال عنه أنه “حاكم سافـل وعديم الطاوو”. كان كلّ سلوك يشذ عن المنهج الأخلاقي -والذي يُدعى بالصينية “داوو دو”، أي “الطاوو” و “الفضيلة” – يقال عنه أنه “لا يتـّبـع الطريق”. وحتـّى القرويون الذين يثورون، كانوا يكتبون على لافتاتهم : “بلوغ الطريق بحقّ السماء”.
قال لاوو تسي [1] :
«شيء مّا قد كان،
ليس مُحدّدًا ولكنه مكتمل،
قد وُلـِد قبل السماء وقبل الأرض،
لا تحتويه عبارات ولا تحدّه حدود،
مستقـلّ وصامد،
لاعب كلّ الأدوار في كلّ مكان دون كللٍ،
وبإيجاز هو أبو الخليقة،
بما أني لا أعرف اسمه، فإني أسمّيه “الطريق”.»
يشيـر هذا القول لـلاوو تسي إلى أن أصل خلق الكون هو “الطاوو”.
في المائة سنةٍ الأخيرة، خلق الاكتساح الفجئيّ لشبـح الشيوعية قوّة مناهضة للطبيعة والإنسانية، متسبّبًا في فظائع ومآسٍ لا يمكن تصوّرها، ودافعًا بالحضارة الإنسانية إلى شفا الهوّة. بارتكابه مختلف أصناف الفظائع التي هي ضدّ الطاوو والتي تعارض السماء والأرض، أصبح قوّةً شرّيرةً إلى أقصى درجةٍ تنتصب مناهضة للكون.
«الإنسان يتـّبـع سُبُـل الأرض،
الأرض تتـّبـع سُبُـل السماء،
السماء تتـّبـع سُبُـل الطريق،
والطريق يتـّبـع سُبُـله الخاصّة [2] »
قديمًا في الصين، كان الناس يعتقدون بأنّ على الإنسان أن يمتثـل للطبيعة ويتآلف وينسجم معها ويتواجد معها. إن البشرية هي جسم واحد مع السماء والأرض ووجود كلّ طرفٍ منهما متعلــّـق ومرتبط بوجود الآخر. إنّ طاوو الكون ثابت لا يتغيّر. والكون يسير وفق الطاوو سيـرًا منظمًا. الأرض تتـّبـع تغيّرات السماء وهكذا فلديها أربعة فصول مختلفة. عندما يحترم البشر السماء والأرض، يصير بإمكانهم أن ينعموا بحياةٍ ملؤها الانسجام والامتنان والبركة. لهذا السبب يُقال أن القولة التالية “الزمن المناسب، والمكان المناسب، والانسجام بين الأفراد” تعبّر عن قيمٍ صينيةٍ [3]. حسب الفكر الصيني، فإن علم الفلك، والجغرافيا، وتقويم الروزنامة، والطبّ، والأدب، وحتـّى تركيبة المجتمع، كلــّها ينطبق عليها هذا المفهوم.
ولكن الحزب الشيوعي يضع في طليعة مبادئه “الغلبة السّاحقة للإنسان على الطبيعة”، و “جوهـر” هذه الحرب بين الإنسان والطبيعة هي “فلسفة الصراع بين الطبقات”. إنهم يتحدّوْن الخاصّية الطبيعية للسماء وللأرض وللطبيعة. لقد قال ماوو تسي تونغ :”إنّ مكافحة السماء لسعادة لا تـُحدّ، ومكافحة الأرض سعادة لا تـُحدّ، ومكافحة البشر سعادة لا تـُحدّ”. ربّما قد تمتـّع الحزب الشيوعي بهذه الصراعات ووجد فيها لذةً، ولكن الناس دفعوا ثمنها باهضًا جدّا وتعذبوا كثيرًا.

I. مكافحة الناس والقضاء على الطبيعة الإنسانية
انقلاب مفاهيم الحق والباطل يقضي على الإنسانية
الإنسان هو قبل كلّ شيءٍ ابـن الطبيعة، ثمّ هو بدرجة ثانية كائن اجتماعيّ. “إنّ الإنسان طيّب بالفطرة” [4]، و “الرحمة موجودة في قـلوب كلّ الناس بدون استثناءٍ” [5] ؛ هذا يعطي فكرة عن بعض المبادئ والثوابت التي يحملها الناس في أعماقهم منذ الولادة – وهي عديدة. هذه القواعد تمكـّن الناس من التمييـز بين الحق والباطل وبين الخير والشرّ. أمّا الـح ش ص، فهو على العكس من ذلك، يرى أنّ البشر كالحيوانات، بل كالآلات. بالنسبة له، البورجوازية والبروليتاريا هما قوّتان مادّيتان لا غير.
إنّ هدف الـح ش ص هو السيطرة على الناس وتحويلهم التدريجي إلى صعاليك متمرّدين وثوريّين. يقول ماركس :”القوّة المادّية لا تهزمها سوى القوّة المادّية ؛ ولكن النظرية تتحوّل، هي أيضًا، إلى قوّة مادّية حالما تدخل صفوف الجماهير” [6]. لقد كان يظنّ أنّ كلّ تاريـخ البشرية ليس سوى تواصل لتطوّر الطبيعة البشرية وأن الطبيعة البشرية في الأصل طبيعة متكوّنة من طبقاتٍ، منطلقــًا من مبدأ أنّ لا شيء يأتي بصفة فطرية وطبيعية بل كلّ شيءٍ ناتج عن البيئة. يؤكـّد ماركس أنّ الإنسان هو “كائن اجتماعي”، خلافـًا لمفهوم “الإنسان الطبيعي” الذي اقترحه فويـرباخ. كان لينين يعتقد أنّ الماركسية لا يمكن أن تنشأ بصفة طبيعية داخل البروليتاريا، بل يجب حـقنها من الخارج. وقد بذل لينين قصارى جهده لجعـل العمّال يمرّون من الصراع الاقتصادي إلى المعركة السياسية من أجل السلطة، ولكنه لم يُـفلح. ورغم ذلك لم ينثن ِ وعلــّـق آماله على “نظرية ردّة الفعل المُكتـَسَبة” التي قدّمها الحائز على جائزة نوبل إيفان بتروفيتش بافلوف. قال لينين أنّ هذه النظرية هي ذات دلالات هامّة بالنسبة لبروليتاريا العالم أجمع. بل وحتـّى أنّ تروتسكي [7] طالما تمنـّى أن تتمكـّن ردّة الفعـل المُكتـَسَبة من تغييـر الفرد لا فقط على المستوى السيكولوجيّ بل وحتـّى الفيزيائيّ. تمامًا مثـلما يبدأ لعاب الكلب يسيل عندما يسمع الجرس الذي يعلن موعد الطعام، كان يرجو أيضًا أن يندفع الجنود – عندما يسمعون أصوات الطلق الناري – بشجاعة ليبذلوا حياتهم في سبيل الحزب الشيوعي.
منذ العصور القديمة، يعتقد الناس أنّ الجزاء هو ثمرة العمل والجهد. عندما يعمل المرء بكدّ ٍ، يمكن أن يحقــّق رخاء العيش. يحتقـر الناس الكسل ويعتقدون أنه من اللا-أخلاقيّ أن يحصد الفرد أرباحًا بدون عمل. لقد اجتاحت الشيوعية الصين مثل الوباء، وأصبح حثالة الجنس البشريّ والطفيليّون – بتشجيـع من الـح ش ص – يقتسمون الأراضي، ويسرقون المُمتلكات الخاصّة، ويُرعبون الرجال والنساء. لقد تمّ هذا علنـًا وباسم القانون.
الكلّ يعي قيمة احترام الناس الأكبـر سنـّا، ورعاية الناس الأصغـر سنـّا، وأنّ عدم احترام الناس الأكبـر سنـّا والمعلــّمين هو أمـر سيّء. التربية الكونفوشيوسية في الماضي كانت تضمّ قسميْن : سياو سو (الدراسة الصغرى) و داسو (الدراسة الكبرى). كان الطلبة يتلقــّوْن تكوين الدراسة الصغرى قبل سنّ الخامسة عشـر. وقد كانت ترتكـز على التصرّفات المهذبة اللائقة وحسن معاملة الآخرين والعلاقات الاجتماعية والآداب (أي النظافة، السلوك في المجتمع، طريقة الكلام، الخ). أمّا تكوين داسو فكان يضع الثـقـل على الفضيلة وعلى اتـّخاذ الطريق الموصل إلى الطاوو [8]. أثناء حملات الـح ش ص ضدّ لين بياوو [9] و كونفوشيوس، ندّد الحزب بالاحترام الذي يوليه الناس للأساتذة وأزال كلّ التعاليم الأخلاقية من نفوس وأذهان أصغر الأجيال سنـّا.
هناك مَثـل قديم يقول :”معلــّمٌ ليومٍ واحدٍ، أبٌ كامل الحياة”. في أغسطس 1966، أرغـِمت بيانغ جونغيون، وهي مدرّسة في معهد للفتيات تابـع لجامعة المعلـّمين ببـيكين، من طرف تلميذاتها على عبور الشارع على وقـع الطبـول المُكوّنة من القمامة. وكانت ترتدي على رأسها طرطورًا، وترتدي ملابس ملوّثة بالحبـر الأسود، وتحمل سبّورة سوداء مليئة بالشتائم معلــّقة بعنقها. وأجبروها على أن تجثو على ركبتيْها، وضربوها بعصيّ ملآنة مساميرًا وأحرقوها بالماء المغليّ. وماتت جرّاء التعذيب.
مديرة المعهد التابـع لجامعة بـيكين أيضًا أرغمتها الطالبات على أن تضرب مغسلاً مكسّرًا وتصيـح :”أنا عنصر سيّء !” وقصّوا شعرها بطريقة شعثاء للإمعان في إذلالها. وبينما كانوا يجبرونها على الزحف أرضًا، ضربوها على رأسها إلى حدّ النزيف.
الجميـع يعلم أنّ النظافة صفة محمودة وأنّ الوسخ صفة سيّئة. ولكن الـح ش ص يشجّع على “التمرّغ في الوحل وأن يعلو اليدين التـّكـلكـل (يـُبوسة)”. إنه يدعو إلى أنه من الجيّد أن يكون الناس “بأيدي سوداء وبأقدام قد علـِق بها روث الحيوانات” [10]. مثـل أولئك الأشخاص كانوا يُعتـَبَرون أشدّ الثوريّين حُمرة، وبإمكانهم أن يذهبوا للجامعات، وأن يصيروا أعضاء في الحزب، وأن يحصلوا على منح ماليّة، وفي النهاية حتـّى أن يصبحوا زعماء للـح ش ص.
لقد تطوّرت الإنسانية وتقدّمت بفضل تحصيل المعارف، ولكن تحت حكم الـح ش ص ، أصبح يُنظـَرُ إلى اكتساب المعارف على أنه أمـر سيّء. كان يتمّ تصنيف المثقـفين في “الصنف الكريه التاسع” – أي أسوء صنفٍ ضمن سلــّم يتدرّج من واحد إلى تسعة. كانوا يأمرون المثقـفين بمزاولة دروس في مدرسة محـو الأمّية، كان يجب أن يقوم بتدريسهم و “تربيتهم” من جديدٍ فلاحون فقراء قبل أن يتسنـّى لهم أن يبدؤوا حياة جديدة. وفي نفس الصّدد، بهدف متابعة إعادة تربية وتعليم المثقـفين، تمّ نفي أساتذة من جامعة تسينغهوا (تشينغهوا) إلى جزيرة كاربا في نانشانغ من مقاطعة دجيانغسي. وقد كانت البلهاريسيا [11] مرضًا منتشرًا في تلك المنطقة، إلى درجة أنّ أحد مخيّمات العمل قد تمّ نقـله من هناك. وقد انتقـل المرض إلى الأساتذة بعد استعمالهم لماء النهر وتكوّن لديهم مرض الاشقرار (مرض كبدٍ)، وهكذا فقد فـقدوا كلّ قدرة على العمل والعيش.
وقام الحزب الشيوعي الكمبودي (الخمير الحمر) – بتشجيـع من الوزير الأوّل السابق جو آنلاي – باضطهاد المثقـفين بقسوةٍ لا مثيل لها. كلّ شخص كان لديه تفكير مستقـلّ كان يجب “إعادة تكوينه” وتدميره روحيّا وجسديّا. من 1975 إلى 1978، قــُتـِل ربع الشعب الكمبودي، بل أنّ البعض قد قــُتـِل فقط بسبب الأثـر الذي تركته النظارات على وجهه.
بعد انتصار الشيوعية في كمبوديا في 1975، شرع بول بوت في تنصيب الاشتراكية بصفةٍ سابقة لأوانها -“جنّة في المجتمع البشري”- تدعو إلى مجتمع دون طبقاتٍ، ودون فوارق بين الرّيف والمدينة، ودون نقودٍ ولا تبادل تجاريّ. وفي النهاية تمّ تفكيك تركيبة الأسرة وتعويضها بفرق عمل رجاليّة وفرق عمل نسائيّة. كان على الجميـع أن يعملوا سويّة وأن يأكلوا سويّة وأن يرتدوا جميعهم نفس الزيّ الثوريّ الأسود أو البدلة العسكريّة. والأزواج والزوجات لم يكن بإمكانهم أن يلتقوا سوى مرّة في الأسبوع وشرط أن يحصلوا على الموافقة أيضًا.
يدّعي الحزب الشيوعي أنه لا يخشى السماء ولا الأرض، ورغم ذلك فقد حاول ببجاحة أن “يُصلح” السماء والأرض دون أيّ اعتبار للعناصر وللقوى الحقــّة في الكون. قال ماوو تسي تونغ ما يلي عندما كان طالبًا بهونان :
“على مرّ التاريـخ، قادت كلّ الأمم ثوراتٍ كبرى. ما هو قديم يتمّ دهنه وصبغه بأصباغ جديدة ؛ تغيّرات كبرى قد ظهرت اختـلطت فيها الحياة بالموت، والنجاح بالفشل. نفس الأمر بالنسبة لتدميـر الكون. تدميـر الكون هو بدون شكّ ليس تدميـرًا نهائيّا، وممّا لا شكّ فيه أنّ التدميـر هنا سيكون ولادة هناك. كلــّنا نتوقــّع هذا التدميـر، لأنه بتدميرنا للكون القديم، سنجلب كونـًا جديدًا. أفلن يكون أفضل من القديم ؟”
إنّ المحبة هي شعور طبيعي بين الزوج والزوجة، بين الآباء والأبناء، وبين الأصدقاء، وفي المجتمع بصفة عامّة. ولكن الـح ش ص، عبر حملاته السياسية المتواصلة، حوّل الرجال إلى ذئابٍ أو حتـّى إلى حيواناتٍ أكثر ضراوة وأكثر قسوة من الذئاب. ولكن علينا القول أنّ النمور، وإن كانت حيوانات قاسية وضارية، فهي مهما يكنْ لا تأكل أبدًا صغارها. ولكن تحت حكم الـح ش ص، كان من الدارج أن يشي الآباء والأبناء ببعضهم وأن يشي الأزواج والزوجات بعضهم ببعض ؛ كان من الدارج أن ينبذ الناس الأواصر التي تجمعهم بعائلتهم.
في إحدى المدارس الابتدائية ببـيكين في أواسط السنوات 1960، قامت مدرّسة – على سبيل الخطأ -باستعمال لفظيْ “اشتراكية” و “سقوط” متجاوريْن عندما كانت بصدد إعداد امتحان لتلاميذها، فقام التلاميذ بإبلاغ موظفي الـح ش ص عنها. وإثر ذلك، تعرّضت للانتقاد بصفة يوميّة وللضرب من طرف التلاميذ. وتبرّأت منها ابنتها. وفي كلّ مرّة كان يحتدّ فيها الصراع، كانت ابنتها، أثناء الاجتماعات السياسية، تنتقـد “التقـليعة الجديدة” لوالدتها في “صراع الطبقات”. وأثناء السنوات التي تـلت هذه الحادثة، كان عملها في المدرسة يقتصر على أشغال التنظيف، بما في ذلك تنظيف المراحيض.
الناس الذين عاشوا فترة الثورة الثقافية لن ينسوْا بكلّ تأكيدٍ جانغ جيسين، التي أرسِلت إلى السجن لأنها كانت تنتقد ماوو للفشل الذي باء به في القفزة الكبرى نحو الأمام. لقد قام أعوان السجن بتمزيق ثيابها ثمّ بتقييد يديها وراء ظهرها وإلقائها في زنزانة مساجين ذكور لكي يغتصبوها. وانتهى بها الأمر إلى فقدان رشدها. ولحظة إعدامها، خاف الحرّاس أن ترفع صوتها بشعارات الاحتجاج، فأسندوا رأسها إلى آجرة وقطعوا حبالها الصوتية بدون أدنى تبنيـج.
حاليّا أيضًا، في اضطهاد الفالون غونغ، يواصل الـح ش ص اللجوء إلى نفس هذه الطرق القديمة لتحريض الناس على الكراهية وإذكاء العنف بينهم.
إنّ الحزب الشيوعي يقاوم الطبيعة الفاضلة في الإنسان، وهو يشجّع جانب الشرّ في الإنسان ويـوظفه ليدعّم سلطته هو. حملة بعد أخرى، أخذ الناس الذين لديهم شيء من الضمير يصيرون مُجبـَرين على السكوت خوفـًا من التعرّض للعقاب. لقد دمّر النظام الشيوعي بصفةٍ مُنظمة ومُمنهجة المقاييس الأخلاقية الإنسانية العامّة محاولاً إزالة مفاهيم الخير والشرّ، والشرف والعار تمامًا ومحوها…هذه المفاهيم التي تتوارثها الإنسانية لمدّة آلاف السنين.
الفساد يتجاوز قانون التناتج والتضادّ الدائميْن
قال لاوو تسي :
«عندما يعمّ الجمال يأتي القبح
وعندما تنتشر الطيبة تأتي الشرور
الوجود واللا- وجود يولد كلّ منهما من الآخـر
الميسور والفقير يصنع كلّ منهما الآخـر
الطويل والقصير يتكاملان
المرتفع والمنخفض يرنو كلّ منهما إلى الآخـر
الصوت وصداه يُرجّع كلّ منهما الآخـر
الأمام والخلف يتعاقبان [12] »
من الواضح أنّ قانون التناتج والتضادّ الدائميْن يوجد في العالم البشري. لا فقط البشـر ينقسمون إلى أناس طيّبين وأناس سيّئين، ولكن الخير والشرّ يوجدان معًا في الشخص ذاته.
كان داوو جي، وهو شخصية- رمـز لقطاع الطرق في الصين القديمة، يقول لأتباعه :”اللصوص أيضًا عليهم باتـّباع الطريق”. ويواصل أنّ اللصّ يجب أيضًا أن يكون “نزيهًا، شجاعًا، حكيمًا، وطيّبًا”. أي بعبارةٍ أخرى حتـّى اللصّ لا يمكنه أن يفعـل ما يحلو له. هو أيضًا عليه أن يسير وفق قواعد.
إذا ألقينا نظرة على تاريـخ الـح ش ص، بوسعنا أن نرى أنه مليء بالأكاذيب والخدع المتكرّرة، دون تحفـّظ. مثلاً، من أكثر الصفات التي يقدسها اللصوص هي “الإخلاص”، بل حتـّى أنهم يُسمّون المكان الذي يقتسمون فيه غنيمتهم “قاعة الإخلاص المُخصّصة لتقاسم الحصاد”. أمّا الـح ش ص ففي كلّ أزمة تطرأ، يشي أعضاءه بعضهم ببعض ويتـّهم بعضهم بعضًا، والأدهى من ذلك أنهم حتـّى يُـلفـّـقون تهمًا كاذبة لبعضهم البعض.
خذوا مثلاً القائد بانغ داهواي. كان ماوو تسي تونغ، وهو أصيل منطقة ريفية، يعلم جيّدًا أنه من المستحيل إنتاج 130.000 جين من الحبوب في الـ “مو” الواحد [13]، وأنّ ما قاله بانغ كان صحيحًا تمامًا. وكان يعلم أيضًا أنّ بانغ لم تكن لديه أيّ نيّة في الاستحواذ على السلطة، بالإضافة إلى أنه، أثناء الحرب بين الـح ش ص والكوومينتانغ (الحزب الوطني الصيني)، كان بانغ قد أنقذ حياته عديد المرّات عندما حارب ضدّ الـ 200.000 جنديّ من فرقة هو تسونغنان بينما هو لم يكن لديه سوى 20.000 جنديّ. ورغم ذلك فحالما عبّر بانغ عن عدم موافقته لماوو، اغتاظ هذا الأخير غيظـًا شديدًا ورمى في الحال القصيدة التي كتبها في مدح بانغ في سلة المهملات – “من ذا الذي يجرؤ على الانطلاق على ظهر حصانه نحو ساحة الوغى مُشهرًا سيفه ؟ لا أحد غير قائدنا بانغ !” كان ماوو مصمّمًا على قـتل بانغ، رغم نبل هذا الأخير الذي سبق وأن أنقذ حياته وروح المساعدة التي يملكها.
إنّ الـح ش ص لا يحكم بمحبّة، إنه يقـتل بشراسة ؛ إنه يضطهد أعضاءه أنفسهم ويدخل في صراعات داخلية مُشيحًا عن كلّ روح صداقة وإخلاص ؛ إنه يُقايض الأراضي الصينية بكلّ جبن ونذالة ؛ إنه يُعادي الاعتقادات الحقــّة من قلــّة حكمته، إنه يُؤجّـج سعير حركاتٍ شعبية بصفة تتعارض مع تلك التي يُسيّـر بها إنسانٌ حكيمٌ البلاد. وفي الجملة فإنّ الـح ش ص قد وصل به الأمر حتـّى إلى التخلـّي عن القواعد الأخلاقية والتي بمقتضاها “حتـّى اللصوص أيضًا يجب أن يتبعوا الطريق.” إنّ شرّه وفساده قد تجاوزا بكثيـر القانون الكونيّ، قانون التناتج والتضادّ. إنّ الـح ش ص يقـف على طرف النقيض تمامًا من الطبيعة ومن الإنسانية، وهدفه هو طمس مفهوم الخير والشرّ والإطاحة بنظام الكون. لقد وصل تعسّفه المجنون إلى ذروته، ومحكوم عليه الآن بالانهيار التامّ.

II. مكافحة الأرض ومعارضة قوانين الطبيعة يتسبّب في كوارث لا تـنتهي

1- صراع الطبقات يمتدّ ليشمل الطبيعة
في 1968، كان جين سينهوا تلميذًا مُجازًا من المعهد رقم 2 بشنغهاي وعضوًا في اللجنة الدائمة لمعهد الحرس الأحمر بشانغهاي. وقد تمّ إرساله إلى ريف مقاطعة هايلونغجيانغ في مارس 1969. في 15 أغسطس 1969، هبط سيل جارف من سلسلة جبال وغمـر بسرعة المناطق الواقعة على طول ساحل نهر شوانغ. فرمى جين نفسه في الماء لكي يستردّ عموديْ تلغراف تابعيْن لفريق الإنتاج لديه وغرق.
فيما يلي مقطعان مقتطفان من مذكـّرات جين [14] قبل موته :
4 يوليو
“لقد بدأت أحسّ بقسوة صراع الطبقات وحدّته في الريف. بصفتي حارسًا من الحرس الأحمر تحت إمرة رئيسنا ماوو، فإنني مستعدّ تمامًا لمحاربة القوى الرجعيّة على الجبهة، جاعلاً من فلسفة ماوو تسي تونغ العظمى سلاحي وذخيرتي. أنا أريد أن أفعـل ذلك، حتـّى وإن كان فيه فقدان حياتي. سأحارب، وأحارب وأحارب بكلّ ما أوتيت من قوّة لأدعّم ديكتاتورية البروليتاريا.”
19 يوليو
“إنّ الأعداء الطبقيين في فرقة الإنتاج هذه هم متعجرفون. إنّ الشبيبة المثقـفة قد أتت هنا إلى الريف خصّيصًا للمشاركة في الحركات الثورية الثلاثة الكبرى. صراع الطبقات يأتي قبل كلّ شيءٍ وبعد كلّ شيءٍ. يجب أن نعوّل على طبقة الفقراء والطبقة الدنيا المتوسطة من القرويين، وأن نعبّأ الجماهير ونقضي على صلف الأعداء. نحن، الشباب المثقـفون، علينا أن نرفع دائمًا راياتٍ كبيرة قد كـُتِبت عليها أفكار ماوو تسي تونغ، وألاّ ننسى أبدًا صراع الطبقات ولا ننسى أبدًا ديكتاتورية البروليتاريا.”
لقد ذهب جين إلى الريف حاملاً في رأسه فكرة مكافحة السماء والأرض لتغيير الإنسانية. إنّ مذكـّراته تكشف أنّ ذهنه كان يعجّ بـ “الصراعات”. لقد تنامت عنده فكرة “مكافحة البشـر” لتصبح فكرة مكافحة السماء والأرض، وانتهى به الأمر إلى الهلاك. إنّ جين هو مثال نموذجيّ على فلسفة الصراع، وفي الآن نفسه، بدون شكّ، صار هو نفسه ضحيتها.
يقول انجلس أنّ الحرّية هي الاعتراف بالمحتوم. وأكملها ماوو مُضيفـًا :”وتغيير العالم”. هذه اللمسة الأخيرة قد بيّنت كيف يرى الـح ش ص الطبيعة، أي بعبارة أخرى، هو يريد تغييرها. ما يعتبره الشيوعيون “محتومًا” هو المادّة التي تـقع خارج حقل مفاهيمهم و “القوانين” التي وراءها. هم يعتقدون أنّ الطبيعة والإنسانية يمكن “غزوهما” وذلك بتحريك العقـل البشري الذاتي وتحفيزه ودفعه إلى فهم القوانين الموضوعية. في محاولتهم لتغييـر الطبيعة، نشر الشيوعيون الفوضى والخراب في روسيا كما في الصين، البلدين الذيْن اتـّخذوهما حقـل تجارب.
إنّ الأغاني الشعبية التي تعود لفترة القفزة الكبرى نحو الأمام تبيّن عنجهيّة الـح ش ص وحُمقه :”فلتنحن ِ الجبال، فلتتنحّ الأنهار جانبًا” ؛ “ليس هناك امبراطور يشب في السماء، ليس هناك ملك تنين على الأرض. أنا هو امبراطور اليشب وأنا هو الملك التنين. أنا آمر الجبال الثلاثة والمصبّات الخمسة بالتنحّي جانبًا، فأنذا قد أتيت !” [15].
إنّ الحزب الشيوعي قد أتى ! ومعه أتى تدميـر توازن الطبيعة والانسجام الأصلي للعالم.

2- بإدخال الاضطراب على الطبيعة، يجني الـح ش ص ما زرعه
من خلال سياسته الفلاحية التي تشغـَلُ فيها الحبوب مركز كلّ مخططاته، حوّل الـح ش ص كثيرًا من المناطق الشاسعة الجبلية الملتوية والمراعي التي لم تـُخلـَق لتكون أرضًا زراعية، حوّلها إلى أراض زراعية. لقد ردم أودية وبحيرات في الصين ليجعـل منها أراض فلاحية غنيّة. وماذا كانت النتيجة ؟ لقد زعم الـح ش ص أنّ نسبة إنتاج الحبوب في 1952 قد تجاوزت نسبة الإنتاج في الفترة القومية، ولكن ما لم يكشفه الـح ش ص أنّ نسبة الإنتاج الجمليّ للحبوب في الصين لم تتجاوز نظيرتها في عهد تشيانلونغ الآمن تحت حكم عائلة تشينغ سوى في عام 1972. إلى حدود يومنا هذا، تظلّ نسبة إنتاج الحبوب دون نظيـرتها في عهد حكم تشينغ. إنها لا تكاد تتجاوز ثـلث ما تمّ إنتاجه في حكم العائلة المالكة سونغ، الفترة التي بلغ فيها الإنتاج الفلاحي أوجه في كلّ تاريـخ الصين.
قطع الأشجار دون تمييـز وتسوية الأنهار وردم البحيرات لم تكن نتيجته سوى تخريب البيئة الصينية بصفة نهائية لا يمكن إصلاحها. نجد أنّ النظام البيئيّ في الصين اليوم هو على وشك الانهيار. جفاف نهر هاي والنهر الأصفـر، تلوّث نهر هواي ونهر يانغتسي قد قطعت جميعها العصب الحيوي الذي تعتمد عليه الأمّة الصينية في عيشها. ومع اختفاء المراعي في غانسو، وفي تشينغهواي، وفي منغوليا الداخلية، وفي السيندجيانغ، اتجهت العواصف الرملية نحو السهول الوسطى.
في السنوات 1950، وتحت إشراف خبراء سوفيتيين، بنى الـح ش ص المولــّد الكهربائي المركزي الهيدرولي سانمانسيا على النهر الأصفر. هذا المولــّد الكهربائي لا ينتج سوى طاقة توليد لمركز توليد طاقيّ لنهر متوسط، رغم أنّ النهر الأصفر هو ثاني أكبر نهر في الصين. وأدهى من ذلك، تسبّب هذا المشروع في تراكم التراب والرمل في المنطقة العليا من النهر، بحيث ارتـفع مستوى قاع النهر. ونتج عن ذلك أنّ الفيضانات، حتـّى وإن كانت معتدلة، صارت تتسبّب في خسائـر بشرية وخسائـر مادية بالنسبة للسكان الموجودين على كلا ضفـّـتي النهر. في سنة 2003، وأثناء فيضان نهر واي، بلغت قمّة منسوب الماء 3.700 مترًا مكعّبًا في الثانية، وهو منسوب يأتي كلّ ثلاث – إلى خمس سنوات. ومع ذلك فإنّ الكارثة التي تسبّب فيها كانت الأخطر على مدى الخمسين سنة الماضية.
لقد تمّ إنشاء خزانات ماء كبيرة وعديدة جدّا في منطقة جوماديان، من مقاطعة هينان. في 1975، انهارت سدود هذه الخزانات، واحدًا تـلو الآخـر. في ظرف أقلّ من ساعتين، مات 60.000 شخصًا غرقـًا. وبلغ العدد الجمليّ للموتى 200.000.
يواصل الـح ش ص إلى اليوم تخريب أرض الصين دون مبرّر. إنّ السدّ على نهـر يانغتسي ومشروع نقـل ماء الجنوب نحو الشمال يمثلان محاولة من الـح ش ص لتغيير النظام البيئيّ، وتبلغ كـلفة هذا الاستثمار مئات مليارات الدولارات. دون الحديث طبعًا عن المشاريـع الصغيرة والمتوسطة لـ “مكافحة الأرض”. وزيادة على ذلك قد تمّ مؤخرًا عرض الاقتراح التالي : وهو استعمال قنبلة ذرّية لفتح ممرّ على عرض الهضبة التيبتية لتشينغهاي ممّا سينتج عنه تغيير البيئة الطبيعية لغرب الصين. رغم أنّ عنجهيّة الـح ش ص واحتقاره لأرضه قد أثارا تقزّز العالم، فإنهما على كلّ حال لم يكونا أمـرًا مفاجئًا.
في السداسيات (باغوا) من كتاب التحوّلات (يي شينغ) [16]، كان الصينيون القدامى يعتبرون السماء “تشيان” (أو عنصر الخلق) ويقدّسونها بصفتها الطاوو السماوي. وكانوا يعتبرون الأرض “كون” (أو الرّحم) وكانوا يقدّسون طبيعة القابلية والتلقــّي فيها.
“كون”، السداسية التي تأتي بعد “تشيان”، مشروحة في كتاب التحولات كما يلي :”إنّ طبيعة الأرض، بما أنها توجد في سداسية “كون”، تتمثـل في كونها تتمدّد وتتـّسع وتـلبّي. وفي الطرف المقابل لها، نجد أنّ الكائنات العلوية تتحرّك وتحفظ كلّ شيءٍ، وتقوم بأعمال كلـّها فضائل.”
يقول كونفوشيوس في تعليقه على كتاب التحوّلات :””كون” ليّنة جدّا، ومع ذلك، فإنّ حركتها مُحكـَمة. هي هادئة جدّا، ولكنّ طبيعتها صلبة. هي تتبـعُ، فتحظى بسيّدها، ولكنها تحافظ على طبيعتها الخاصّة بها، وهكذا فهي تتحمّـل. إنها تحتوي على كلّ شيءٍ وهي بارعة في عملية التحويل. ذلك هو صراط “كون” –إنها طيّعة جدّا، تـُسنِد السماء ومتغيّرة مع تغيّر الزمن.”
إذ ًا من الواضح هنا أنّ كلّ الأشياء على الأرض لا تبقى قائمة ولا تزدهر سوى بفضل خصائص الاستجابة والخصائص الحاضنة للأرض الأمّ – النعومة، الهدوء، والقدرة على التحمّـل المتمثـلة في الامتثال للسماء. كتاب التحوّلات يعلمنا كيفيّة التصرّف القويم تجاه الطاوو السماوي وتجاه الخصوصيات الأرضية، فهو يفـرض علينا اتـّباع السماء وطاعة الأرض، واحترام الطبيعة.
ولكن الـح ش ص انتصب ضدّ “تشيان” وضدّ “كون”، مناديًا بـ “محاربة السماء ومكافحة الأرض”. لقد نهب ثروات الأرض بلا مبرّر. وسيـبوء بعقاب السماء، والأرض، وقانون الطبيعة.

III. مكافحة السماء، بإزالة العقيدة وبرفض الإيمان بالله
1- أنـّى لكائن محدود أن يُدرك الفضاء والزمان اللا- متناهييْن ؟
سأل ادوارد، ابـن انشتاين، والده ذات يوم عن سبب شهرته. فأجاب انشتاين، مُشيـرًا إلى جُعـل أعمى كان يزحف على كرةٍ من الجلد، بأنّ ذلك الجُعـل لم يكن يعلم أنّ طريقه مُحدّب، ولكن هو – انشتاين – كان يعلم ذلك. إجابة انشتاين هذه تنطوي على دلالات عميقة جدّا. هناك مَثـل صيني يحتوي على دلالة مماثلة :”أنت لا تعرف الصورة الحقيقية لجبل “لـو” لأنك تـقف بالتحديد على جبل “لـو”.” لفهم نظام مّا، يجب الخروج من هذا النظام وتأمّـله من خارج. لذلك، فإنّ الإنسانية، بمفاهيمها المحدودة، لن تكون أبدًا قادرة على فهم الطبيعة الحقيقية للفضاء والزمان اللا- محدوديْن في كوننا. لذا سيظلّ الكون إلى الأبد لغزًا بالنسبة للإنسانية.
المسائل التي يعجز العلم عن اختراقها تنتمي للميدان الروحي وللميتافيزيقا، أي ميدان “العقيدة”.
العقيدة، وهي فعل واع ٍ يتضمّن تجربة في الحياة وفهمًا للحياة، والزمان والمكان، والكون ؛ هي شيء يقـع خارج إطار ما يمكن لحزبٍ سياسيّ أن يُنظمه ويُديره. “أعطوا لقيصر ما هو لقيصر وأعطوا للإله ما هو للإله” [17]. ومع ذلك، فإنّ الـح ش ص، مستندًا إلى فهمه المُزري وعديم المنطق للكون والحياة، يسمّي كلّ ما يقـع خارج إطار نظريّاته “خرافة” ويُخضِـعُ أولئك الذين يؤمنون بالله إلى غسل دماغيّ لصرفهم عن دينهم. وأولئك الذين رفضوا الارتداد عن إيمانهم تمّ التشهير بهم بل وحتـّى قـتلهم.
العلماء الحقيقيون لديهم رؤية واسعة جدّا للكون، وهم لا ينكرون عدم وجود حدودٍ للـ “مجهول” بمفاهيمهم الشخصية المحدودة. العالم الشهيـر نيوتن يشرح في مؤلـّفه “قوانين رياضية” المنشور سنة 1687 – والذي أصبح مرجعًا – بالتفصيل القوانين الميكانيكية، قوانين تكوّن المدّ والجزر وحركات الكواكب، ويحسب حركات المجموعة الشمسية. نيوتن، هذا الرجل العلاّمة الكبير، كان يقول مرارًا أنّ كتابه لا يعدو أن يكون مجرّد وصف لظواهر سطحية، وأنه لا يجرؤ إطلاقـًا على الحديث عن الدلالة الحقيقية للربّ الأعلى الذي خلق الكون. في الإصدار الثاني لكتابه “قوانين رياضية”، عبّر نيوتن عن إيمانه بـ “أنّ هذا النظام، الرائع على الإطلاق، والمتكوّن من الشمس، والكواكب، والمُذنبات، لا يمكن أن يعمل سوى بإشراف وتحت حكم كائن عاقـل ومقتدر…تمامًا مثـل الأعمى الذي ليست لديه أيّ فكرة عن الألوان، نحن كذلك ليست لدينا أيّ فكرة عن الكيفية التي بها يُدرك أحكم كائن – وهو الإله – كلّ شيءٍ ويحيط به علمًا.”
فلنترك جانبًا مسألة ما إذا كانت هناك جنـّات سماوية في الغيب (تتجاوز الزمان والمكان)، وما إذا كان الذين يتوقون للطريق يستطيعون العودة إلى أصلهم الإلهي واسترجاع كينونتهم الأصلية. هناك على الأقـلّ أمر يمكن أن نتـّـفق عليه جميعًا، وهو أنّ : كلّ أولئك الذين لديهم إيمان حقيقي يعتقدون أنّ جزاء الخير هو الخير وجزاء الشرّ هو الشرّ. الاعتقادات الحقــّـة تقوم بدور هامّ جدّا في الحفاظ على أخلاق الإنسانية على مستوىً معيّن. من أرسطو إلى انشتاين، عديدون هم الذين اعتقدوا في وجود قانون مُهيمن في الكون. لم تفتأ الإنسانية أبدًا تبحث بمختلف الوسائـل، عن حقيقة الكون. فإلى جانب العلم، لماذا لا يتمّ اعتماد الدين والإيمان و “العبادة” أيضًا كمقاربات أخرى لاكتشاف حقيقة الكون ؟

2- الـح ش ص يدمّر العقيدة الحقــّة للإنسانية
كلّ الأمم في الأصل قد اعتقدت في الله. وتحديدًا بفضل إيمان البشر بالله وبالقانون السببي (الكارمي) للخير والشرّ، يتقيـّدون بحدودٍ ويحافظون على الأخلاق في المجتمع البشري. على مرّ كلّ العصور، وفي كامل المعمورة، نجد في الغرب الديانات الأورثوذوكسية*، وفي الشرق الكونفوشيوسية، والبوذية، والطاوية، كلــّها علــّمت البشر أنّ السعادة الحقيقية تأتي من الإيمان بالله، وتقديس السماء، والتحلــّي بالطيبة، وتقدير الإنسان للنـّعم التي بين يديه، والاعتراف بالفضل للآخرين، ومجازاة الإحسان بالإحسان.
من المعطيات الأساسية التي قامت عليها الشيوعية هي الإلحاد – أي الاعتقاد بأنه لا يوجد بوذا، ولا طاوو، ولا حياتات سابقة، ولا حياة بعد الموت، ولا جزاء كارمي. لذلك قال الشيوعيون في مختلف البلاد للفقراء وللبروليتاريا الرثة [18] أنهم ليسوا في حاجة إلى الإيمان بالله ؛ وليسوا في حاجة إلى احترام القوانين والحرص على التزام سلوك حسن. بالعكس، عليهم أن يلجؤوا للغشّ والعنف للحصول على الربح.
نجد أنّ الأباطرة في الصين القديمة، ورغم أنه يُنظـَرُ إليهم على أنهم أشخاص ذوو أصل رفيـع جدّا، كانوا يضعون أنفسهم في مرتبة تحت السماء، ويُسمّون أنفسهم “أبناء السماء”. كانوا يُقرّون أنّ السماء تحكمهم وتراقبهم، وكانوا من حين لآخر ينشرون مرسومًا امبراطوريّا يُؤنّبون فيه أنفسهم ويُعبّرون عن ندمهم وتوبتهم. أمّا الشيوعيون، فكانوا يَحسَبون أنفسهم مُمثـلي الإرادة السماوية ؛ دون أيّ قانون أو زاجـر يحدّهم، كانوا يحسّون أنفسهم أحرارًا يفعلون ما يريدون. وكانت النتيجة أنهم بدَل أن يخـلقوا جنّة في الأرض، خـلقوا فيها جحيمًا تـلو الآخر.
كان ماركس، أبو الشيوعية، يعتقد أنّ الدين هو الأفـيون الروحي للشعوب. كانت تـُفزعه فكرة أنّ الشعب يؤمن بالله ويرفض شيوعيته. يحتوي الفصل الأول من كتاب انجلس، “ديالكتيكية الطبيعة” على انتقادٍ لماندالا ياف ومجموعته التي تدرس التصوّف.
لقد صرّح انجلس أنّ كلّ ما هو قادم من فترة القرون الوسطى أو ما قبلها، يجب أن يُبرّر وجوده أمام محكمة العقـل المنطقي البشري. عندما قام بهذه الملاحظة، كان بالتأكيد يرى نفسه، هو وماركس، قضاة هذه المحكمة المزعومة. عبّر باكونين، وهو أحد أتباع تيّار الفوضويّة وصديق لماركس، عن رأيه في ماركس في التعليق التالي :”كان يبدو وكأنه الله بالنسبة للناس. كان لا يقبـل بأحدٍ إلهًا باستثناء نفسه. كان يريد أن يقدّسه الناس كما يُفتـَرَضُ أن يفعـلوا تجاه الإله، وأن يقوموا نحوه بشعائر الولاء ويعبدوه. وإذا لم يتصرّف الناس كذلك، كان يهاجمهم لفظيّا أو يلاحقهم.”
الإيمان الأصلي الأورثودوكسي يُمثـل بطبيعة الحال عائقـًا أمام عنجهيّة الشيوعية.
لقد فـقد الـح ش ص تمامًا برودة أعصابه أثناء اضطهاده للدين بطريقة محمومة. أثناء الثورة الثقافية، هُدِمت معابد عديدة ومساجد عديدة، وتمّ الطواف بالرهبان في الشوارع لإذلالهم. في التيبت، ألحِقَ الضرر بـ 90% من المعابد. إلى حدّ يومنا هذا، يواصل الـح ش ص قمع االدين، وسجن عشرات الآلاف من المسيحيين. غونغ بينماي، وهو راهب كاثوليكي في شانغهاي، اضطـُهـِدَ من طرف الـح ش ص بسبب عقيدته. لقد تمّ سجنه لأكثر من 30 سنة. وقدم إلى الولايات المتـّحدة في السنوات 80. وقبل موته في سنّ الـ 90، كتب في وصيّـته :”أرجعوا قبري إلى شانغهاي عندما يزول حكم الـح ش ص من الصين”. أثناء الـ 30 سنة التي سُجـِن فيها في زنزانة منفردة، ضغط عليه الـح ش ص لمرّاتٍ عديدةٍ لكي يتخلــّى عن عقيدته ويعتنق مبدأ اللجنة الوطنية [19] ذات الاستقلاليات الذاتية الثلاث التي يسيّرها الـح ش ص مقابل إطلاق سراحه.
في السنوات الأخيرة، نجد أنّ قمع الـح ش ص للفالون غونغ – الذي يدعو لمبادئ الحقّ والرحمة والتسامح، هو تواصل لمذهبه “محاربة السماء” وفي نفس الوقت أيضًا هو نتيجة حتميّة لعملية إجبار الناس على التصرّف رغم إرادتهم.
الشيوعيّون المُلحدون يسعوْن للسيطرة على معتقدات الناس وعرقـلتها. إنهم يدّعون أنّ “مُحاربة السماء لذة لا تـُحَدّ”. تعوزنا العبارات هنا لوصف افتقارهم للمنطق، وصف هذا الخلوّ من المنطق بكونه عنجهيّة أو ادّعاءًا مجنونـًا لا يمكن أن يعبّر حتـّى عن جزءٍ منه.

خاتمة
لو نتحدّث بصفة فعلية، فإنّ الشيوعية قد فشلت الآن في كلّ الأرض. جيانغ زمين، وهو الحاكم السابق لآخـر نظام شيوعيّ هامّ في العالم، قال في تصريـح له لأحد مراسلي صحيفة واشنطن بوست في مارس 2001 :”عندما كنت شابّا، كنت أعتقد في النصر القريب للشيوعية، أمّا اليوم فليست لديّ نفس الرّؤى” [20]. حاليّا، أولئك الذين يعتقدون في الشيوعية قلائل وهم بعيدون كلّ البعد عن أن يُمثــّـلوا أغلبيّة.
إنّ الحركة الشيوعية مُقدّر لها بالفشل لأنها تنتهك قوانين الكون وتقـف ضدّ السماء. قوّة كهذه تنتصب ضدّ الكون سيؤول مصيرها إلى عقاب من المشيئة السماوية ومن الأرواح الإلهية.
رغم أنّ الـح ش ص قد خرج عديد المرّات من أزماته سالمًا وعلى قيد الحياة، مغيّـرًا صورته تارةً ومتشبّـثـًا تارة ً أخرى بحيله الأخيرة، فإنّ مصيره المقضي والمحتوم يتراءى بوضوح للجميـع في كلّ العالم. إنّ الـح ش ص، إذ تسقط عنه أقنعته الخدّاعة واحدًا تـلو الآخر، ينبري للعالم في صورته الحقيقية، وهي البُخل، والعنف، وانعدام الذمّة، والجبن، والكراهية، ومناهضة الكون. إلى يومنا هذا، يواصل الهيمنة على عقول الناس، ويواصل تشويه الأخلاق الإنسانية، ويعيث فسادًا في مجال الأخلاق والسلم والتقدّم.
إنّ الكون الشاسع يحمل في طيّاته الإرادة السماوية التي لا رادّ لها، والتي يمكن أن نسمّيها أيضًا المشيئة الإلهية أو قانون وقوّة الطبيعة. لن يكون للإنسانية مستقبل إلاّ إذا احترمت مشيئة السماء، واتـّبعت طريق الطبيعة، وامتثـلت لقانون الكون، وأحبّت كلّ الموجودات تحت السماء.

ملاحظات :
1- لاوو تسي، “الطريق وفضيلة الطريق (طاوو تي كينغ)”، ترجمة فرانسوا هوانغ وبيار لايريس، مطبعة سوي، مجموعة : بوان ساجاس، باريس، 1979، ص 69.
2- نفس المرجع.
3- ترجمة حرّة عن النسخة الصينية لكتاب “منشيوس”، منشيوس، دار النشـر فراندشيب بشاندونغ، الصين 2001.
4- سان تسي دجينغ، كتاب الحروف الثلاثة، ترجمة ديفارغ، يونيو 2005.
5- ترجمة حرّة عن النسخة الصينية لكتاب منشيوس، منشيوس، دار النشـر بشاندونغ، الصين 2001.
6- كارل ماركس، “مساهمة في نقد فلسفة الحقّ المدني لهيغل”، ترجمة جول موليتور، طبعة آلياس 1998.
7- ليون تروتسكي (1879-1940)، منظر شيوعي روسي، ومؤرّخ وقائد عسكري، وهو الذي قام بتأسيس الحرس الأحمر. وقد وقع اغتياله في 22 أغسطس 1940 من طرف أعوان ستالين.
8- حسب بو سي أو شو هسي (1130-1200 م)، وهو معروف أيضًا باسم جو- تسي أو شو- تسو، وهو عارف ومفكـّر نيو- كونفوشيوسي في عهد الأسرة المالكة سونغ، الدراسة الصغرى (سياوو سو) تشرح التصرّف الحسن الذي ينبغي التحلــّي به والدراسة الكبرى (دا سو) تشرح بإفاضة القوانين التي تقوم عليها هذه التصرّفات. المصدر : محادثات المعلــّم جو (جو تسي يولاي)، المجلـّد 7 (الدرس الأول).
9- لين بياوو (1907-1977)، أحد كوادر الـح ش ص العليا ومسيّريه. وقد عمل تحت إمرة ماوو بصفته أحد أعضاء المكتب السياسي الصيني، وشغل فيه منصب نائب رئيس (1958)، ووزيـر دفاع (1959). يُعتـَبَرُ لين المُخطـّط للثورة الثقافية الكبرى في الصين. وقد عُـيّن لين كخَلـَفٍ لماوو في 1966، ولكنه تمّت إقالته في 1970. وعندما أحسّ بسقوطه القريب، شارك في مؤامرة انقلاب سياسية ثمّ عندما انكشفت المؤامرة حاول الهرب إلى الاتحاد السوفياتي. أثناء محاولته تلك الهرب من التتبعات العدلية، تحطمت طائرته في منغوليا مسبّبة موته.
10- ماوو تسي تونغ، ماوو تسي تونغ، في الأدب والفنّ، طبعة صادرة بلغة أجنبية، بيكين، 1967، ص8.
11- مرض تسبّبه دودة طفيلية، الاتصال بالماء الجاري الملوّث بهذه الدودة يمكن أن يؤدّي للإصابة بهذا المرض. من العوارض النموذجية لهذا المرض : الحمّى، الارتجاف، نوبات سعال وآلام عضليّة. أكثر الحالات خطورة هي عندما يُصيب هذا المرض الكبد أو الأمعاء أو الرئتيِن أو المثانة، أو حتـّى أنه في حالاتٍ نادرة يسبّب نوبات صرع أو شللاً أو التهابًا في النخاع الشوكي.
12- لاوو تسي، “الطريق وفضيلة الطريق (طاوو تي كينغ)”، مطبعة سوي، مجموعة بوان ساجاس، باريس 1979، ص23.
13- دجين، وحدة صينية لقيس الأوزان (1 دجين = 0.5 كيلوغرام). مو، وحدة صينية لقيس مساحات الأراضي (1 مو = 0.165 أكرًا).
14- ترجمة حرّة عن النص الأصلي الصيني.
15- امبراطور اليشب والملك التنين هما شخصيتان ميثيولوجيتان. امبراطور اليشب يُعرَفُ رسميّا بذي اليشب الجليل المهيب، ويعرفه الأطفال والناس ذوو الثقافة المتواضعة بـ “الجدّ السماويّ”، وهو حاكم السماوات وأحد أهمّ الآلهة في مجمع الآلهة الطاويّ. الملك التنين هو حاكم المحيطات الأربعة. كلّ محيطٍ يوافق الاتجاهات الرئيسية الأربعة ويحكمه ملك تنين. الملوك التنينات تعيش في قصور من الكريستال، يحرسها جنود قريدسات وقوّاد سرطانات. بالإضافة إلى سيادتها على الحياة المائيّة، تتحكم الملوك التنينات أيضًا في السحاب والمطر. يُقال أن الملك التنين الذي يحكم بحـر الشرق هو صاحب المملكة الأكثر اتـّساعًا.
16- “يي كينغ” الكامل، ترجمة ألفريد هوانغ. روشستر ف ت : التقاليد الأولى (1998).
17- كتاب التوراة المقدّس، ماتيو، 21، 22.
18- لومبونبروليتاريا، وتـُتـَرجَمُ على حسب التقريب إلى : عمّال الأحياء الحقيرة، هذا اللفظ يعني : طبقة منبوذي المجمتع، المنحطـّون أوالمخالفون للقانون والذين يكوّنون شريحة ضمن سكـّان المراكز الصناعية. وهو يضمّ أيضًا المتسوّلين والعاهرات وقطاع الطرق والابتزازيين والنصابين وصغار المجرمين والمتسكعين والعاطلين عن العمل والأشخاص المرفوتين من مجال الحرف والصنائع بصفة مزمنة أو بصفة دائمة، وكلّ شخص ذي منزلة وضيعة في المجتمع. وماركس هو من استنبط هذا اللفظ في صراع الطبقات في فرنسا، 1848-1850.
19- اللجنة الوطنية للاستقلاليات الثلاث (سي بي تي آ)، وهي من صنع الـح ش ص. الاستقلاليات الثلاث هي: “الحكم الذاتي، استقلالية الموارد، واستقلالية النشـر”. اللجنة الوطنية للـ “استقلاليات الثلاث” تطلب من المسيحيين الصينيين أن يقطعوا كلّ صلةٍ مع المسيحيين خارج الصين. الـ “سي بي تي آ” تتحكـّم في كلّ موظفي الكنائس بالصين. والكنائس التي لم تـلتحق بهذه الحركة تمّ إغلاقها بالقوّة. مسيّرو الكنائس المستقـلـّة وأتباعها يتمّ اضطهادهم وكثيرًا ما يُحكـَمُ عليهم بالسجن.
20- جوهن بومفري “جيانغ يحذر الولايات المتحدة – الزعيم الصيني يقول أنّ مسألة أسلحة تايوان هي بمثابة حافز على الرقي والازدهار”، واشنطن بوست، 24 مارس 2001 (ترجمة حرّة).

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة الخامسة : تواطؤ جيانغ زمين والحزب الشيوعي الصيني معًا في اضطهاد الفالون غونغ

توطئة
كانت السيدة جانغ فوجان، البالغة من العمر 38 سنةً تقريبًا، موظفة بسيانهه بارك، في مدينة بينغدو، من مقاطعة شاندونغ بالصين. ذهبت هذه السيدة إلى بيكين للمناداة بحقّ ممارسة الفالون غونغ في نوفمبر 2000، ونتيجة لذلك احتجـزتها السلطات. بناءًا على معلومات مصادر داخلية، فإنّ رجال الشرطة قد عذبوا جانغ فوجان وأهانوها، وجرّدوها تمامًا من ثيابها وحلقوا شعرها. وأوثـقوها إلى سرير بحيث يكون كلّ طرف من أطرافها الأربعة مشدودًا إلى جهةٍ – ونتيجةً لذلك، كانت مُجبَرَة على التخلــّص من فضلاتها على السرير. وفيما بعدُ، حـقنها رجال الشرطة بمادّة سامّة غير معروفة. بعد الحقن، أحسّت جانغ بألمٍ فظيـٍعٍ إلى درجة أنها أوشكت على الجنون. وهكذا ظلــّت تصارع، وهي على الفراش، تلك الآلام الفظيعة إلى أن ماتت. وقد عاين موظفون محلــّيون من مكتب 610 المشهد من بدايته إلى نهايته. (حسب تقرير بتاريـخ 23 يوليو 2004 نـُشِرَ على موقع الانترنت كليرووزدم). [1]
كانت السيدة يانغ ليرونغ تبلغ من العمر 34 سنة، وتقطن بشارع بنيمان بمدينة دينغجو، من إقـليم باوودينغ، التابع لمقاطعة نيباي. طالما أزعجت الشرطة عائلة يانغ ليرونغ وضايقتها لأن يانغ كانت تمارس الفالون غونغ. في 8 فبراير 2002، وبعد زيارة ليليّة فجئيّة من الشرطة، أصيبَ زوج السيدة يانغ، وهو ميكانيكي في مكتب الأرصاد والقيس الجوّي، بصدمة. لقد خاف من فقدان عمله، ولم يقوَ على تحمّـل الضغط الهائـل الذي كانت تمارسه السلطات عليه. وفي صبيحة اليوم التالي، عند الفجر، انتهز فرصة خروج الوالدان العجوزان من المنزل وقام بخنق زوجته. ماتت يانغ ليرونغ بطريقة مأساويّة، تاركةً وراءها طفلاً ابـن 10 سنوات. وإثر ذلك بقـليل، أخبر زوجها السلطات بما حدث، فهرعت الشرطة إلى مكان الحادث لتقوم بتشريـح جثة يانغ، التي كانت لم تبرُد بعد. وقامت بنزع العديد من أعضاءها في حين كان جسدها لا يزال بعد دافئـًا وينزف. لقد قال شخص تابـع لمكتب الأمن العمومي بدينغجو :”هذا ليس بتشريـح جثة، هذا تشريح حيّ !” (وفق تقرير نـُشِرَ على موقع الانترنت كليرووزدم بتاريـخ 22 سبتمبر 2004). [2]
داخل مخيّم العمل الإجباري بوانجييا، مقاطعة هايلونغجيانغ، وقع تعليـق امرأة حامل في شهرها السابـع إلى عارضة. كانت يداها موثـقتان بحبل غليظ ملفوف حول بكرة مشدودة إلى العارضة، ثمّ تمّ جذب المقعد الذي كان يُسندها. وهكذا ظلــّت معلــّقة في الهواء. كان ارتفاع العارضة حوالي 3 أو 4 أمتار فوق الأرض. كان الحبل يمرّ عبر البكرة، وكان حرّاس السجن يمسكون بطرف الحبل. عندما كان الحرّاس يجذبون الحبل، كانت تبقى معلــّقة في الهواء، وحالما كانوا يتركونه، كانت تسقط على الأرض. وهكذا تعرّضت المرأة الحامل لعملية التعذيب تلك، إلى أن أجهضت. والأمـر الأشدّ قسوةً هو أنهم أجبروا زوج تلك المرأة على النظر إلى ذلك المشهد، مشهد زوجته وهي تتعذب. (وفق تقرير نـُشِرَ على موقع الانترنت كليرووزدم بتاريخ 15 نوفمبر 2004، حوار مع السيدة وانغ يوجي التي عُذبَت لأكثر من 100 يوم في مخيّم العمل الإجباري بوانجييا). [3]
هذه المآسي المذهلة حدثت في صين اليوم. لقد حدثت لممارسي الفالون غونغ المُضطهدين بقسوة. والوقائع المذكورة أعلاه ليست سوى بضعة قليلة من الوقائع التي حدثت خلال السنين الخمس الماضية من الاضطهاد المستمرّ.
منذ أن انخرطت الصين في إصلاحات اقتصادية، سعى الـح ش ص جاهدًا لرسم صورةٍ إيجابيّةٍ عنه في نظر المجتمع الدّولي، صورة إيجابيّة ومتحرّرة. ومع ذلك، فإنّ اضطهاد الفالون غونغ في هذه السنين الخمس المنصرمة، هذا الاضطهاد الدّموي، المجنون، الواسع، العنيف، والقاسي، قد أتاح للمجتمع الدّولي أن يكتشف مرّةً أخرى الوجه الحقيقي للـح ش ص، وأكثر فصل مُخجل في سجلّ حقوق الإنسان لديه. إنّ غالبيّة الشعب في الصين قد ضلــّـلت عينيها الإصلاحات والتقدّم الذي أحرزه الحزب، لذلك درجت على إلصاق التهمة بالشرطة وما عُرفَ عنهم من أخلاقيات منحطـّة، كلـّما وقعت انتهاكات فظيعة يرتكبها النظام التشريعي ونظام تنفيذ القوانين في البلاد. ولكنّ الاضطهاد العنيف والمُمنهج للفالون غونغ، والحاضر في كلّ شريحة من شرائح المجتمع الصيني، بخـّر تمامًا الأمل في تحسين وضع حقوق الإنسان. الكثيـر من الناس يتساءلون اليوم كيف يمكن أن يحدث مثـل ذلك الاضطهاد الدامي والشائن في الصين. كنـّا نظنّ أنّ الوضع الاجتماعي قد استقرّ من جديد بعد الفوضى التي عمّت في الثورة الثقافية منذ عشرين سنة، إذ ًا لِمَ دخلنا من جديدٍ في حلقة الأحداث المرعبة، حلقة الكوابيس تلك ؟ لماذا الفالون غونغ، الذي يتـّبع مبادئ “الحقّ والرحمة والتسامح” والذي اتـّبعه الناس في أكثر من 60 بلدًا، يُضطـَهَدُ في الصين فقط ، وليس في أيّ من غيرها من بلدان العالم ؟ ماهي العلاقة بين جيانغ زمين والـح ش ص في هذا القمع ؟
إنّ جيانغ يعوزه الاقـتدار والنزاهة الأخلاقية في آن واحد. بدون آلة عنف مُبرمجة بدقــّة مثـل الـح ش ص، آلة تعتمد على القـتل والكذب، لم يكن ليتسنـّى له أبدًا أن يقود تلك المجزرة، مجزرة امتدّت إلى كلّ مكان في الصين وتجاوزت حتـّى حدود الصين. من جهةٍ أخرى، من المُستبعد أيضًا أن يسير الـح ش ص بنفسه ومن تلقاء نفسه ضدّ الموجة التاريخية الحاليّة، وضدّ البيئة التي خلقـتها إصلاحاته الاقتصادية الحديثة وضدّ محاولاته في الانفتاح على العالم ؛ فقط ديكتاتور عنيد مثـل جيانغ زمين، مصمّم على ألاّ يتصرّف سوى وفق هواه الشخصي، كان يمكن أن يجرّ وضعيّة كتلك. إنّ التواطؤ والشبه والتوافق ما بين جيانغ زمين وشيطان الـح ش ص قد أوصلا فظائع الاضطهاد إلى درجة لم يسبق لها مثيل. إنّ ذلك شبيه بمَثـل ما يمكن أن يُحدثه رجع الصّدى، إنّ صدى صوت مصعد التزلج على الثـلج المتراكم يمكن أن يُحدث انهيارًا ثـلجيّا ويُسبّب عواقب وخيمة.

I. الظروف المتشابهة تـُفرز أحداثـًا متشابهة
وُلد جيانغ زمين في سنة مليئة بالاضطرابات، وهي 1926. ومثـلما يُخفي الـح ش ص التاريـخ الدامي لنشأته وتطوّره، كذلك أخفى جيانغ زمين عن الحزب وعن الشعب الصيني تاريخه الشخصي، والمتمثـل في كونه خائنـًا لوطنه.
في السنة التي كان جيانغ زمين سيبلغ فيها 17 سنةً، كانت الحرب العالمية الثانية في أوجها. في 1942، وفي حين كانت مجموعات الشباب الوطنيين تمضي الواحدة تـلو الأخرى إلى خطوط المواجهة لمحاربة اليابانيين وإنقاذ الصين، آثر جيانغ زمين مواصلة دراسته العليا في الجامعة المركزية المُؤسسة من طرف نظام وانغ دجينغواي بنانجينغ، ذلك النظام الذي كان دمية تحرّكها أيدي قوّات الاحتلال. ومثـلما بيّنت التحقيقات التي قامت بها مختلف المصادر، فإنّ السبب الحقيقي هو أنّ الأب البيولوجي لجيانغ زمين، جيانغ شيجون، كان في يوم من الأيّام ضابطـًا بـرتبة قائد في قسم الدّعاية المناهضة للصين في الجيش الياباني، بعد أن احتلــّت اليابان مقاطعة دجيانغسو عندما اجتاحت الصين. لقد كان جيانغ شيجون خائنـًا لوطنه – الصين – بأتمّ معنى الكلمة.
إنّ جيانغ زمين والـح ش ص يتساويان في الخيانة وفي الخديعة، كلاهما مُجرّد من العاطفة تجاه الشعب الصيني، إلى درجة أنه يجرؤ على قـتل النفوس البـريئة ببرودٍ ودون أن يهتـزّ له قـلب.
لقد تسرّب جيانغ زمين داخل الـح ش ص، بعد أن انتصر هذا الأخير في الحرب الأهلية، وكان هدفه هو تنمية ثروته الخاصّة وتقوية مركزه الشخصيّ. ولبلوغ هذا الهدف ألـّف كذبة : وهي أنّ عمّه جيانغ شانغتشينغ قد تبنـّاه وربّاه، وهذا العمّ التحق في شبابه بصفوف الـح ش ص، ثمّ مات مقتولاً بالرصاص على أيدي قطـّاع طرق. وبفضل هذه الرواية العائلية المُختلقة، تمّت ترقيته إلى منصب نائب وزير للصناعة الالكترونية في ظرف سنوات قـليلة فقط في حين أنه كان مجرّد موظف بسيط. إنّ ترقية جيانغ لم تكن بسبب كفاءته، بل بسبب علاقاته الشخصية ووساطاته.
أثناء تولــّيه منصب أمين الـح ش ص بمدينة شانغهاي، لم يدّخر جيانغ زمين جهدًا في التحذلق لشخصيّات مهمّة في الحزب، مثـل لي سيانـّيان و شان يون [4] اللذان كانا يأتيان إلى شانغهاي كلّ سنة لحضور مهرجان الربيـع. في أحد الأيام، عندما كان أمين الحزب لمدينة شانغهاي، بلغ به الأمر إلى الوقوف والانتظار ساعات طويلة وسط الثـلج المتراكم ليسلــّم كعكة عيد ميلاد بصفة شخصية لـلي سيانـّيان.
لقد كانت مجزرة تيانانمن مُنعرجًا آخـر في حياة جيانغ زمين. لقد أصبح الأمين العامّ للـح ش ص بفضل إغلاقه لصحيفة ليبرالية :”البريد العالمي الاقتصادي”، ووضعه لرئيس مؤتمر الشعب – وان لي – قيد الحراسة الدائمة، ومساندته للمجزرة. وحتـّى قبل وقوع المجزرة، مرّر جيانغ زمين رسالة سرّية لدانغ سياووبينغ، طالبًا منه اتـّخاذ “إجراءات صارمة” بشأن الطلبة، وإلاّ فإنّ “الأمّة والحزب كليْهما سيقـع استعباده”. أثناء الخمسة عشر سنة الماضية، قاد جيانغ دون رقيبٍ ولا حسيبٍ حملات قمع وتقـتيل كلّ الانفصاليين وكلّ مجموعة لديها أفكار مستقلــّة، بتعلــّة “الاستقرار هي الأولوية الأولى”.
مذ أن بدأت روسيا والصين تراقبان حدودهما المشتركة في 1991، لم يستنكر جيانغ زمين مطلقــًا اكتساح الصين من طرف القيصر والاتحاد السوفييتي السابق، ووافق تمامًا على كلّ المعاهدات بين روسيا والصين رغم ما تحتوي عليه هذه المعاهدات من حيفٍ وتفاوتٍ، بدايةً من معاهدة إيغون، مُزيلاً بصفة نهائيّة من على الخارطة أراضٍ صينيّة تمسح أكثر من مليون كيلومتر مكعّب.
إذ ًا من خلال تاريخه الشخصيّ، وادّعاءه كونه يتيمًا، وكون والده الفقيد هو شهيد من شهداء الـح ش ص-في حين أنه في الحقيقة كان الابـن الأكبر لعميل وخائن صينيّ – قد احتذى جيانغ زمين شخصيّا بمَثـل الـح ش ص في الكذب والبهتان، وعندما ساند مجزرة “4 يونيو”، وقام بقمع الحركات الديموقراطية والعقائد الدينية، قد تبنـّى شخصيّا ممارسات الـح ش ص المعروفة وهي القـتل. وتمامًا مثـلما كان الـح ش ص يأتمر بأوامرالاتحاد السوفييتي بصفته فرع الشرق الأقصى للعالمية الشيوعية، هاهو جيانغ زمين الآن يوزّع مجّانـًا الأراضي الصينية، وهذا العمل الخائن أيضًا هو عمل طالما درج الـح ش ص على فعله.
إنّ جيانغ زمين والـح ش ص ينحدران من نفس الأصل، ولهما نفس التاريـخ المخجل، لذلك يعيش كلاهما من خوفٍ دائمٍ من فـقدان سلطته.

II. حـقّ رحـمة تسامح : كلمات تُقضّ مضجع جيانغ زمين والـح ش ص

إنّ تاريـخ العالمية الشيوعية قد كـُتـِبَ بالدّم، دم ملايين الناس. تقريبًا كلّ بلد شيوعي قد اتـّبع مسارًا مماثلاً لمسار قمع أعداء الثورة الذي قاده ستالين في الاتحاد السوفييتي السابق. ملايين، بل عشرات ملايين النفوس البريئة قـُـتِلت. في السنوات 1990، انحلّ الاتحاد السوفييتي ومرّت أوروبا الشرقية بتغييرات جذرية. بين عشيّةٍ وضحاها، فـقد الشقّ الشيوعي أكثر من نصف أراضيه. وتعلــّم الـح ش ص العبرة من الدرس : لقد فهم أنه إذا أوقف القمع وسمح بحرّية التعبير، فإنه إنما يجري لحتفه. إذا سمح الـح ش ص للناس أن يعبّروا بحرّية، فكيف سيتسنّى له أن يخفي فظائعه الدّامية ؟ وكيف سيتسنّى له أن يبرّر ايديولوجيته الخدّاعة ؟ إذا توقـف القمع وتحرّر الناس من ربقة الخوف، فسيجرؤون على تبنـّي طرق عيش ومُعتقدات تختلف عن الشيوعية، أليس كذلك ؟ إذًا فكيف سيحتفظ الحزب الشيوعي بالقاعدة الشعبية الضرورية لبقاءه ؟
إنّ الـح ش ص يبقى في العمق هو نفسه، رغم كلّ التغييرات التي قام بها على السطح. بعد مجزرة 4 يونيو، دعى جيانغ زمين إلى “القضاء على كلّ عوامل عدم الاستقرار وهي في مرحلتها الجنينية”. لقد كان الرعب يملأه، لذلك قرّر ألاّ يعزف أبدًا عن الكذب على الشعب، وأن يستمرّ في قمع الناس إلى أن يستعبدهم كلــّيًا.
لقد أدخِل الفالون غونغ إلى الصين في تلك الفترة بالذات. في البداية اعتبره الكثيرون نوعًا من التشيكونغ [5]، فعّالاً جدّا في توفيـر الصحة الجيّدة ومنح الطاقة. ثمّ تدريجيّا، فهم الناس أنّ أهمّ شيءٍ في الفالون غونغ لا يكمن في تلك التمارين الخمسة البسيطة، بل في تعاليمه التي تعلــّم الناس كيف يكونون أفضل بالاعتماد على مبادئ “الحقّ، والرحمة، والتسامح”.

1- الفالون غونغ يعلــّم “الحقّ، الرحمة، التسامح” والحزب الشيوعي ينشر “الكذب، الكره، الصراع”
الفالون غونغ يدعو إلى الحقّ : هذا يتضمّن بالخصوص قول الحقيقة والتصرّف بنزاهة. بينما الـح ش ص قد اعتمد على الأكاذيب لغسل أدمغة الناس. إن أخذ كلّ شخص في قول الحقيقة، فسيعلم الشعب أنّ الـح ش ص قد توصّل ببراعة إلى اكتساب رضى الاتحاد السوفييتي، يقـتل، ويخطف، ويلوذ بالفرار أيضًا إن اقتضى الأمر، ويزرع الأفـيون، ويستغلّ استغلالاً فاحشًا قضيّة الكفاح ضدّ الاحتلال الياباني، وما إلى ذلك. بل لقد أعلن الـح ش ص يومًا أنه “بدون الكذب، لا يمكن تحقيق شيءٍ ذي أهمّية”. بعد أن استولى الـح ش ص على السلطة، قاد حركات سياسية متعاقبة ولطـّخ يديه بدم الأبـرياء. إنّ الدعوة إلى الحقّ والحقيقة ونشرها تعني ببساطة مصيرًا مُهلكـًا للـح ش ص.
الفالون غونغ يدعو إلى الرحمة، وهذا يعني مراعاة مصلحة الآخرين قبل كلّ شيءٍ، والإحسان للآخرين في كلّ الظروف. بينما الـح ش ص لم يُناد طول الوقت سوى بـ “الصراعات العنيفة والقمع الذي لا هوادة فيه”. الشخصية النموذجية للـح ش ص هو لاي فانغ، وقد قال يومًا :”علينا أن نعامل أعداءنا بدون شفقة، وببرودٍ كبرد الشتاء القاسي”. في الواقع، لم يكتـف الـح ش ص بمعاملة أعداءه بتلك الطريقة، بل أبناؤه أيضًا لم يلقــَوْا منه معاملة أفضل. مؤسّسو الحزب الشيوعي، والآمرون والقوّاد، والماريشالات، وحتـّى رئيس البلاد، كلــّهم وقـع استجوابهم بقسوة، وضربهم بوحشيّة، واضطهادهم في ظروف تعيسة. لقد كان تقـتيل من يدّعي بأنهم “الأعداء الطبقيـّون” يتـّصف بعنفٍ ووحشيّةٍ تقشعرّ لها الأبدان. لو كانت الطيبة تسود المجتمع، لما كان لحركاتٍ شعبيّة مبنيّة على الشرّ كتلك التي أنشأها الحزب أن تحدث أبدًا.
إنّ بيان الحزب الشيوعي يُعلن أنّ تاريـخ أيّ مجتمع هو تاريـخ صراع بين الطبقات. هذا هو تصوّر الحزب الشيوعي لتاريـخ العالم. أمّا الفالون غونغ، فهو يدعو الإنسان إلى البحث عن أسباب النقص في ذاته عندما يواجه مشاكل وخلافات. هذا الحِلم ومحاسبة الفرد لنفسه قبل محاسبة الآخرين يقف على طرف النقيض تمامًا من فلسفة الـح ش ص الداعية إلى الصراع والعدوانية.
لقد كان الصراع، بالنسبة للـح ش ص، هو الوسيلة الأساسية التي بواسطتها نال السلطة السياسية وظلّ على قيد الحياة. لقد أطلق الحزب بصفة دوريّة حركات سياسية لقمع بعض المجموعات، وذلك كان يشحنه مُجدّدًا بالطاقة و”يُذكي فيه روح الصراع الثوري”. وقد أعاد نفس العملية مِرارًا، دائمًا مصحوبةً بالعنف والخديعة، مُجدّدًا ومُرسّخـًا الخوف في نفوس الناس لئلاّ تضيـع منه السلطة.
إنّ الفلسفة التي ارتكز عليها للحفاظ على حياته، من منظور ايديولوجي، هي على طرف النقيض تمامًا ممّا يعلــّمه الفالون غونغ.

2- أولئك الذين لديهم إيمان حقيقي بقلوبهم لا يعرفون الخوف ؛ وخوف الناس ركيزة أساسية للـح ش ص للحفاظ على حياته
أولئك الذين يُدركون الحقيقة ليس في قلوبهم خوف. لقد اضطـُهـِدت المسيحية لمدّة تقارب 300 سنة. مسيحيّون كثيرون قـُـطـِعت رؤوسهم، أو أحر ِقوا أحياء، أو أغر ِقوا، أو ألقي بهم طعامًا للأسود والنمور، ولكنّ المسيحيين لم يتخلــّوْا عن دينهم. عندما واجهت البوذية محنة الدهارما في التاريـخ، برهن البوذيون هم أيضًا على إخلاصٍ لدينهم وتمسّـكٍ به لا يقـلّ روعة.
إنّ خطاب دعاية الإلحاد يريد أن يوهم الناس أنه ليس هناك جنّة ولا جحيم، وليس هناك ثواب ولا عقاب، وما نتج عن ذلك هو أنّ الناس لم يعودوا محكومين بضمائرهم. وبدل ذلك، هم ينصرفون كلــّيًا للسعي وراء المال ورفاه العيش ولا يفكـّرون سوى في العالم المادّي فحسبُ. وانطلاقــًا من ثمّ، يصير من السهل استغلال مواطن الضعف في الطبيعة البشرية، وهكذا، باستعمال التهديد تارةً والإغراء تارةً أخرى، يتسنّى للحزب الشيوعي أن يتحكـّم في الناس كلــّيًا. ولكن، من في قـلوبهم عقيدة دينية راسخة، يُدركون ما وراء الحياة وما وراء الموت. لذلك هم لا يغترّون بسراب الحياة الدنيا وزيْـفها. ومن ثمّ فلا رغبات العالم الأرضي تستهويهم ولا تهديدات الموت تـُخيفهم، لذا فإنّ الحزب الشيوعي عندما يُريد التحكـّم فيهم، تذهب جهوده عبثــًا ولا يجني سوى التعب.

3- القيم الأخلاقية العالية للفالون غونغ تـُؤرق الـح ش ص
بعد مجزرة 4 يونيو 1989، أفلست ايديولوجية الـح ش ص إفلاسًا تامّا. في أغسطس 1991، انهار الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، وأعـقبت ذلك الانهيار تغييرات جذرية في أوروبا الشرقية. وقد سبّب ذلك هلعًا وضغطـًا هائلاً داخل الـح ش ص. في تلك الآونة الصعبة التي كان يواجه فيها أزمات كبرى داخلية وخارجية، كان يواجه في نفس الوقت تحدّيًا هائلاً وغير مسبوق يتمثـل في شرعيّة سلطته أو عدمها من الأساس، وفي حظوظه في البقاء على قيد الحياة. في ذلك الحين، كان الـح ش ص قد صار غيـر قادر على توحيد صفّ أعضاءه وجمع شملهم حول النظريّات الأساسية، النظريّات الماركسية واللينينية والماوية. ولكنه، بدل ذلك، كان يُقابل إخلاص أعضاءه وولائهم له بالفساد. بعبارةٍ أخرى، من كان يتـّبع الحزب كان يتمكـّن من تحقيق مآرب وأرباح شخصية عن طريق الفساد وسرقة أموال الدولة، وكان ذلك امتيازًا لا يحلم به من لم يكن عضوًا في الحزب. وخصوصًا منذ جولة دانغ سياووبينغ في الصين الجنوبية في 1992 [6]، فإنّ جشع موظفي الحكومة والفساد سواءًا في الميدان العقاري أو في سوق البورصة بلغا حدّا فاق السيطرة. كما أصبح البغاء والسوق السوداء في كلّ مكان. تجارة الجنس، والميسر، والمخدّرات هي الآن علـل مستوطنة في كامل الصين. ورغم أنه ليس من الإنصاف القول بأنه لم يعد هناك بتاتـًا أيّ شخص صالح داخل الحزب الشيوعي، فإن معظم الشعب قد فـقد منذ زمن طويل الثقة في جهود الحزب في مكافحة الفساد ؛ ويعتقد أنّ أكثر من نصف الموظفين العاديين أو السامين فاسدون.
وفي الآن نفسه، فإنّ القيم الأخلاقية السامية التي تجلــّت عند ممارسي الفالون غونغ – الذين يمارسون “الحقّ، الرحمة، التسامح”، كان لها خير وقـع في نفوس الناس. أكثر من 100 مليون شخص أعجـِبوا بالفالون غونغ وشرعوا في ممارسته. إنّ الفالون غونغ هو مرآة صدقٍ، ومجرّد طبـيعته الحقــّة تكشف عدم استقامة الـح ش ص.

4- الـح ش ص تتملــّكه الغيرة الشديدة من الطريقة التي انتشر بها الفالون غونغ وطريقة تسييره
لقد ذاع الفالون غونغ وانتشر بصفة فريدة، إذ كان يذيـع خبره من فردٍ إلى آخر، من القـلب إلى القـلب. تنظيمه يتـّسم بالمرونة، كلّ فردٍ بإمكانه أن يذهب ويأتي حينما يشاء، الأمر الذي يختلف كثيرًا مع التنظيم الصارم للـح ش ص. إنّ الدروس السياسية والأنشطة الجماعية المُبرمجة كلّ أسبوع، أو أكثر من مرّة في الأسبوع، في قطاعات الـح ش ص، لم تكن توجد إلاّ بصفة شكليّة. قـلــّة قـليلة من أعضاء الحزب كانوا مقتنعين بإيديولوجية الحزب. وخلافـًا لذلك كان تلاميذ الفالون غونغ يتـّبعون عن تمام وعي وبمحض إرادتهم مبادئ “الحقّ، الرحمة، والتسامح”. بفضل الفاعلية القوية للفالون غونغ في تحسين الصحة البدنية والنفسية، فإنّ عدد الممارسين كان يتزايد بشكل مستمرّ. كان التلاميذ يدرسون مجموعة كتب السيد لي هونغ جي، وكانوا يعرّفون بالفالون غونغ من تـلقاء أنفسهم وبالاعتماد على إمكانياتهم الخاصة. في ظرف سبع سنين، بلغ عدد تلاميذ الفالون غونغ 100 مليون شخص. كانوا عندما يمارسون التمارين صباحًا، تتناهى إلى الأسماع موسيقى تمارين الفالون غونغ يكاد يكون في كلّ حديقة بالصين.
لقد قال الحزب الشيوعي أنّ الفالون غونغ كان “ينافس” الـح ش ص وأنه كان “دينـًا”. في الحقيقة ما يجـلبه الفالون غونغ هو ثقافة ونمط عيش. إنها ثقافة قديمة ضاربة في عمق التراث الصيني، فقدها الشعب منذ زمن طويل. لقد خاف جيانغ زمين والحزب الشيوعي من الفالون غونغ، لأنّ هذه التربية الأخلاقية والأصيلة، مُذ وجدت طريقها إلى قـلب الشعب، لم يعُد بإمكان أيّ شيءٍ أن يوقف انتشارها السريـع. مُعتقدات الشعب الصيني الأصيلة المتوارثة قد اجتـُثـّت وشُوّهت من طرف الحزب الشيوعي لمدّة عقودٍ من السنين. كان يمكن أن تكون العودة للأصل هي خيار التاريـخ. كان يمكن أن يكون ذلك هو طريق العودة الذي تختاره الغالبية العظمى من الناس بعد الأحزان والمصاعب. إن أعطي الناس حرّية الاختيار، فإنهم بالتأكيد سيميّزون بين الحقّ وغير الحقّ، وعلى أرجح تقدير سيتركون وراءهم طريق الشرّ. وسيكون ذك بالأساس رفضًا جذريّا لما يدّعيه الحزب وتخلــّيًا عنه، سيكون ذلك بمثابة ضربة قاضية تقضي على ضعف الـح ش ص. فعندما تجاوز عدد ممارسي الفالون دافا عدد أعضاء الحزب، يمكن أن نتصوّر الخوف العميـق للـح ش ص وغيرته.
إنّ الـح ش ص في الصين يمارس سيطرة كلــّية على كلّ جانبٍ من جوانب المجتمع. هناك في الأرياف فروع للـح ش ص في كلّ قريةٍ صغيرةٍ. في المدن، نجد فروعًا للحزب في كلّ مكتبٍ إداريّ. فروع الحزب تصل حتـّى إلى جذور الجيش، والحكومة، والمؤسّسات. لكي يحافظ الـح ش ص على نظام حكمه، هو يلجأ بالأساس إلى السيطرة المطلقة والتحكـّم. الدستور يذكر هذه المسألة بطريقة مُقنـّعة :”يحتفظ الحزب بدور التسيير”. بينما تلاميذ الفالون دافا اتـّضح أنهم يميلون أكثر إلى اتـّباع مبادئ “الحقّ، الرحمة، والتسامح”. ولم يَـرَ الـح ش ص في ذلك سوى “إنكارًا للدور المسيّر للحزب”. وهو أمر لا يسمح به مُطلقــًا.

5- الحزب الشيوعي يعتبر أنّ “الطابـع الديني” للفالون غونغ يهدّد شرعيّة النظام
إنّ عقيدة دينية حقــّة ستمثـل بالضرورة تحدّيًا لا يُستهان به أمام الـح ش ص. بما أنّ شرعيّة النظام الشيوعي مبنيّة على ما يُدعى بـ “المادّية التاريخية” والرغبة في إقامة “جنّةٍ على الأرض”، فلا يسعُهُ إذ ًا إلاّ أن يُعوّل على قيادة “الطليعة في العالم”، ألا وهو الحزب الشيوعي. وفي الوقت ذاته، فإنّ ممارسة الإلحاد قد مكـّنت الـح ش ص من أن يفسّر ويأوّل بحرّية كاملة ما هو الطيب، وما هو الجيّد وما هو السيّء. وبالتالي، لم يعد للناس المجال للحديث عن أيّة أخلاقيّات وعن أيّ تمييز بين الخير والشرّ. كلّ ما يجب أن يتذكـّره الناس هو أنّ الحزب دائمًا “عظيمٌ ومَهيبٌ وعادلٌ”.
ومع ذلك فإنّ الدين يُعطي الناس مقياسًا ثابتـًا يُحدّد الخير والشرّ. إنّ تلاميذ الفالون غونغ يُحدّدون الخير والشرّ بالاعتماد على “الحقّ، الرحمة، التسامح (/أو الحِلم)” وهذا يُمثـل عقبة واضحة أمام الجهود المُمنهجة التي يبذلها الـح ش ص في “توحيد تفكير الناس”.
لو نواصل التحليل، فإنه لا تزال هناك تفسيرات أخرى. ومع ذلك فإنّ أيّا من العناصر المذكورة أعلاه كافٍ ليكون قاتلاً للـح ش ص. وفي الواقع، فإنّ جيانغ زمين يقمع الفالون غونغ لنفس الأسباب. أوّل ما بدأ به جيانغ زمين مسيـرته هو الكذب بخصوص ماضيه، إذ ًا من الطبيعي أنه يخاف من “الحقّ”. عندما قمع الناس، فإنّ الأمر لم يطـُـل به وسرعان ما لمع نجمه وأصبح قويّا، إذ ًا من الطبيعي أنّ “الرحمة” أمرٌ مُنفــّرٌ بالنسبة له. وقد تمكـّن من الاحتفاظ بالسلطة بفضل الصراعات السياسية، إذ ًا من الطبيعي أنه يكره “التسامح/الحِلم”.
هناك حادثة صغيرة تعطينا فكرة عن سخافة جيانغ زمين وغيـرته البالغة. متحف الآثار الثقافية بهامودو [7] في مقاطعة يوياوو – (وهي اليوم قد أعيدَ تصنيفها إلى تجمّع سكني) من مقاطعة جاجيانغ، هو موقع تاريخي وثقافي يقـع تحت مسؤولية إشراف الدولة. في الأصل، كان تشياو شي [8] هو صاحب المنقوشة الكتابية لهذا المتحف. في سبتمبر 1992، وأثناء الزيارة التي أدّاها جيانغ زمين للمتحف، رأى كتابة تشياو شي، فأظلم وجهه وصار عبوسًا وكئيبًا. عند ذلك أصبح الأعوان الذين يرافقونه عصبيين، لأنهم كانوا يعلمون أنّ جيانغ زمين لا يُطيـق تشياو شي وأنه يحبّ أن يضع نفسه في المقدّمة دائمًا، إلى درجة أنه يكتب منقوشة كتابية في كلّ مكان يذهب إليه، حتـّى عندما زار قسم الشرطة المرورية التابع لمكتب الأمن العمومي بجينان، أو جمعيّة المهندسين المتقاعدين بجانغجو. ولم يجرؤ موظفو المتحف على جرح كبرياء جيانغ، لذلك، في مايو 1993، وتحت ذريعة القيام بأشغال ترميمٍ، أبدلوا كتابة تشياو شي بكتابة جيانغ قبل إعادة فتح أبواب المتحف.
يُقال عن ماوو تسي تونغ أنه لديه “أربـع مجلــّدات من الأفكار العميقة والقويّة”، بينما النصوص المختارة لدانغ سياووبينغ تحتوي على “نظريّة القط” [9] ذات الطابع البراغماتي. جيانغ زمين من جهته، اعتصر دماغه، فلم يستطع أن يُخرج سوى ثلاث جُمل، وادّعى أنه ابتكر “التمثيلات الثلاث”. وتمّ إصدارها في كتاب، وقام الـح ش ص بالدعاية لهذا الكتاب في جميـع مستويات الحكومة، ولكنه كان يُباع فقط لأن الناس كانوا مُجبَرين على اشتراءه. رغم ذلك، فإنّ أعضاء الحزب أنفسهم لم يكونوا يحترمون جيانغ زمين بالمرّة. كانوا يُشيعون أقاويل بخصوص مغامراته مع مغنـّية، وبخصوص الواقعة المُحرجة التي غنـّى فيها “أو سو لي ميو” أثناء سفرٍ له بالخارج، والحادثة التي أعاد فيها تصفيف شعره أمام ملك إسبانيا. عندما كان مؤسّس الفالون غونغ، لي هونغ جي، وهو مواطن عاديّ، يُلقي مُحاضرة، كانت القاعة تغصّ بالأساتذة والخبراء والجامعيين الصينيين الذين يدرسون بالخارج. كثير من الناس الحائزين على الدكتوراه أوعلى الإجازات كانوا يقطعون آلاف الكيلومترات ليأتوا ويستمعوا إليه. عندما كان السيد لي يُدرّس بطلاقة على المنصّة لعدّة ساعات، كان يفعـل ذلك دون أدنى مذكـّرة. وإثر ذلك، يتمّ نسخ المحاضرة على الورق ثمّ تـُنشَرُ في كتاب. كلّ هذا كان لا يُحتـَمَـلُ بالنسبة لجيانغ زمين، وهو على ما نعلم من عنجهيّة وغيرة وسخافة.
إنّ جيانغ زمين يعيش حياة بذخ، وكسل، وفساد. لقد دفع 900 مليون يوان (قرابة 91 مليون يورو) لشراء طائرة فارهة مخصّصة لاستعماله الشخصي. وكثيرًا ما نزع جيانغ جانبًا عشرات المليارات من خزائن الدولة لصرفها على مشاريـع ابنه. لقد مارس طريقة محاباة الأقارب بتوليتهم المناصب الحكومية وهكذا رفع أقاربه وخُدّامه إلى مناصب سامية أعلى من المنصب الوزاري، وقد لجأ إلى وسائل قصوى ومستميتة ليغطـّي جرائم أصدقاءه وفسادهم. لكلّ هذه الأسباب مجتمعة، فإنّ جيانغ يخشى من التأثير الأخلاقي للفالون غونغ، ويخشى بصفة أشدّ أن تكون المفاهيم التي تحدّث عنها الفالون غونغ – مفاهيم الجنّة والجحيم، والثواب والعقاب ؛ صحيحة بالفعـل.
إنّ جيانغ زمين، رغم أنه يملك أعلى سلطة داخل الـح ش ص، فإنه كان يفـتقر إلى الإنجازات السياسية والموهبة. كان دائمًا متخوّفـًا من أن تـقع تنحيته من السلطة بسبب الصراعات الداخلية في الـح ش ص حول السلطة، هذه الصراعات التي لا ترحم. كان موضعه في “قـلب” السلطة مجلبة للقـلق. ولكي يُصفـّي المعارضة، حاك دسائس دنيئة ليتخلــّص من أعداءه السياسيين يانغ شانغكون وشقيقه يانغ بايبينغ. في المؤتمر الوطني الخامس عشر للجنة الحزب الشيوعي (ل ح ش) في 1997، وفي المؤتمر الوطني السادس عشرللـ “ل ح ش” في 2002، أجبر جيانغ معارضيه على مغادرة مراكزهم. وهكذا فقد تجاهـل حتـّى التراتيب المفروض العمل بها، ولم يكن يهمّه سوى التشبّث بمركزه.
عقد الأمين العامّ الجديد للـح ش ص، جيانغ زمين، ندوة صحفيّة تضمّ صحفيين صينيين وأجانب. فأثار صحفيّ فرنسيّ قصّة طالبة كانت، بسبب ضلوعها في حادثة 4 يونيو، قد تمّ نقـلها إلى ضيعة في مقاطعة سيشوان لتحمل الآجر من مكان إلى آخر، وفيما بعد تعرّضت للاغتصاب مرّاتٍ عديدة من طرف القرويين هنالك. فأجابه جيانغ :”لا أدري إن كان ما تقوله صحيحًا أم لا، ولكن هذه المرأة كانت متمرّدة عنيفة. حتـّى وإن كان هذا صحيحًا، فإنها كانت تستحقــّه على كلّ حال.” أثناء الثورة الثقافية، وقع إخضاع جيانغ جيسين [10] للاغتصاب الجماعي عندما كانت مُعتقـلة بالسجن، ثمّ قطعوا حنجرتها (لمنعها من الجهر بالحقيقة). وربّما أنّ جيانغ سيعتبر أيضًا أنها تستحقّ ذلك. بإمكاننا أن نرى بسهولة عقليّة جيانغ الفاسدة ونذالته وقسوته.
مُلخـّص القول أنّ تعطـّش جيانغ زمين للسلطة ونزعته الديكتاتورية، وقسوته وخوفه من “الحقّ، الرحمة، التسامح”، كلّ هذا كان وراء قراره إطلاق حملة قمع ضدّ الفالون غونغ متـّفقة تمامًا مع أساليب وطرق الـح ش ص.

III. جيانغ زمين والـح ش ص يستعمل كلّ منهما الآخر
الجميـع يعلم أنّ جيانغ زمين مخادع ويستعمل الحيل والأكاذيب السياسية. جهله وعدم كفاءته هما أيضًا أمران معروفان. رغم أنه تمنـّى من كلّ قـلبه “القضاء” على الفالون غونغ من منطلق دوافع وأحقاد شخصيّة، فإنه لم يكن بوسعه أن يفعـل الكثير لأن الفالون متجذر في الثقافة الشعبية الصينية، وقد أصبح معروفـًا ومنتشرًا إلى درجة اكتساب قاعدة شعبية عريضة. ورغم ذلك فإنّ آليّات الغطرسة التي يستعملها الـح ش ص والتي تمّ بلورتها وصقـلها عبر فترات عديدة، كانت في أوج عطاءها، وكانت لدى الـح ش ص فعلاً نيّة القضاء على الفالون غونغ. لقد اغتنم جيانغ زمين منصبه كأمين عامّ للـح ش ص وأعطى إشارة الانطلاق – شخصيّا – لقمع الفالون غونغ. إنّ نتيجة الشراكة والتوافق بين جيانغ زمين والـح ش ص كانت أشبه ما تكون بانهيار جُرفٍ ثـلجيّ سبّبته صيحات أحد المتسلــّقين.
قبل أن يأمر جيانغ رسميّا بتصفية الفالون غونغ، كان الـح ش ص قد أخذ في ممارسة القمع، والرقابة، والقيام بأبحاث، واختلاق المواضيـع اختلاقـًا، وذلك لتلفيـق التـّهم للفالون غونغ. إنّ شيطان الـح ش ص قد أحسّ غريـزيّا بأنّ “حقّ، رحمة، تسامح” تمثـل تهديدًا بالنسبة له، دون الحديث عن الانتشار غير المسبوق لهذه الطريقة. لقد تسرّب عُملاء سرّيون من قطاع الأمن العامّ للـح ش ص داخل الفالون غونغ منذ 1994، ولكنهم لم يجدوا أيّ مأخذٍ يُآخذون به الطريقة، بل إنّ بعضهم شرع يمارس الفالون غونغ بجدّيةٍ فعلاً. في 1996، خرقت صحيفة الغوانغمينغ دايلي “التحفـّظات الثلاث”، وهي السياسة الرسمية المتعلقة بالتشيكونغ (“الدولة لا تحثّ على القيام بأنشطة التشيكونغ، ولا تتدخـّـل فيها، ولا تـُدينها”)، وذلك بنشرها لمقالٍ يُندّد بإيديولوجية الفالون غونغ. وبعد ذلك قام سياسيّون – سبـق وأن عملوا في مجال الأمن العمومي أو يُعرَفون بـ : “علمانـيين” وينتمون للأوساط العلمية – بمضايقة الفالون غونغ باستمرار. في بداية عام 1997، استغلّ لووغان – وهو أمين اللجنة السياسية والقضائية للجنة المركزية للـح ش ص – سلطته وأمر مكتب الأمن العمومي بإجراء بحث حول الفالون غونغ على مستوىً وطني وذلك بنيّة إيجاد تـُهمٍ يُمكن أن تـُبرّر منع الفالون غونغ.
وعندما أخبروه من جميع أنحاء البلاد أنهم لم يعثروا على أيّ دليل، أصدر لووغان المنشور رقم 555 والمُسمّى “ملاحظات بشأن بحث حول الفالون غونغ عن طريق الفرقة الأولى لمكتب الأمن العمومي (والمُسمّى أيضًا “مكتب الأمن السياسي”)”. وأوّل ما فعله هو اتـّهام الفالون غونغ بكونه “طائفة شيطانية”، ثمّ أعطى أوامره لأقسام الشرطة في أنحاء البلاد بإجراء بحوث عن الفالون بصفة منهجيّة، ويتضمّن ذلك اسخدام الأعوان السرّيين لجمع الأدلـّة. ولم يُفض البحث إلى أيّ دليل يُبرّر ذلك الاتـّهام.
وقبل أن يتمكـّن الـح ش ص – هذه المنظمة الشيطانية – من الشروع في قمع الفالون غونغ، كان في حاجةٍ للشخص المناسب لإعطاء إشارة الانطلاق للقمع. كان من أهمّ الأمور هو معرفة كيف سيتولــّى رئيس الـح ش ص هذه المسألة. مثـل أيّ شخص، من المفروض أنه يملك وجهيْن مُختلفيْن للطبيعة الإنسانية : الخير والشرّ. إن اختار أن يتـّبع جانب الخير في ذاته، إذ ًا فكان يُمكن أن يحُدّ وقـتيّا من اكتساح تلك الطبيعة الدنيئة للـح ش ص. وإلاّ فإنّ الطبيعة الشيطانية للـح ش ص ستتجلــّى تمامًا.
أثناء الحركة الطلابية المناصرة للديموقراطية في 1989، لم يكـُن جاوو تسيانغ – والذي كان وقتها أمينـًا عامّا للجنة المركزية للـح ش ص – ينوي أن يقمع الطلبة. ولكن العُمداء الثمانية للحزب، والمسيطرين على الـح ش ص، هم الذين أصرّوا. فنطق دانغ سياووبينغ آنذاك بعبارته الشهيرة :”سنقـتل 200.000 شخصًا مقابل 20 سنة من الاستقرار”. هذه الـ 20 سنة من الاستقرار المزعومة كانت في الحقيقة تعني 20 سنة من السلطة بالنسبة للـح ش ص. كانت هذه الفكرة تـتـّفق مع الهدف الأساسي لديكتاتورية الحزب، لذلك قبـِلها الـح ش ص.
فيما يخصّ الفالون غونغ، من بين الأعضاء السبعة الدائمين للمكتب السياسي لللجنة المركزية للـح ش ص، كان جيانغ زمين هو الوحيد المُصرّ على القمع. كان يُبرّر ذلك مُعلنـًا أنه مُرتبط بـ “بقاء الحزب والبلاد على قيد الحياة”، الأمر الذي كان العصب الحسّاس للـح ش ص ويُثير النزعة العدائية فيه. إذن في هذه النقطة، سعي جيانغ زمين للحفاظ على سلطته الشخصية وسعي الـح ش ص للحفاظ على ديكتاتوريته – ديكتاتورية الحزب الواحد، قد التقيا.
في مساء 19 يوليو 1999، ترأّس جينغ زمين اجتماعًا يضمّ أعلى موظفي الـح ش ص. لقد اخترق القانون معتمدًا على سلطته السياسية، و”وحّد” وجهة نظر الأعضاء السبعة للجنة التنفيذية للمكتب السياسي، وقرّر شخصيّا شنّ قمع مُكثفٍ ضدّ الفالون غونغ. لقد منع الفالون غونغ باسم الحكومة الصينية وخدع الرأي العامّ. إذ ًا فالـح ش ص، والحكومة الصينية، والآليّات العنيفة التي يستعملها الحزب، كلــّها قد تمّ استعمالها في كامل فاعليـّتها ومردوديّتها في هذا القمع غير المسبوق، قمع ملايين ممارسي الفالون غونغ.
لو كان الأمين العامّ للـح ش ص في ذلك الحين شخصًا آخر غير جيانغ زمين، ربّما لم يكن قمع الفالون غونغ ليحدث. في هذا الصّدد يمكننا القول أنّ الـح ش ص قد استعمل جيانغ زمين.
من جهةٍ أخرى، لو لم يكن الـح ش ص قد لطـّخ يديه بدم الأبـرياء في السابق، تحدُوهُ في ذلك طبيعته الأثيمة، اللا-أخلاقية والوحشية، لم يكن ليعتبر الفالون غونغ تهديدًا بالنسبة له. دون السيطرة الكلــّية والنافذة للـح ش ص على كلّ شريحةٍ في المجتمع، فإنّ نيّة جيانغ زمين في قمع الفالون غونغ لم تكن لتحظى بتنظيمٍ، وبتمويلٍ، وبدعايةٍ، وبسند الديبلوماسيين، وسند الأعوان والأجهزة، وسند السّجون، والشرطة، وأقسام الأمن العمومي، والجيش، وبـ “السند المزعوم” للأوساط الدينية، والأوساط العلمية والتقنية، والأحزاب الديموقراطية، والهيئات النقابية، واللجان الشبابية، والجمعيّات النسائية، الخ. في هذا الصّدد يمكن أن نقول أنّ جيانغ زمين قد استعمل الـح ش ص.

IV. كيف استعمل جيانغ زمين الـح ش ص ليقمع الفالون غونغ
لقد استغلّ جيانغ زمين المبدأ التنظيميّ للـح ش ص والذي ينصّ على :”كلّ أعضاء الحزب يجب أن يتبعوا اللجنة المركزية”، واستغلّ الآلة الحكوميّة التي يسيطر عليها الـح ش ص، لتحقيق هدفٍ واحدٍ : اضطهاد الفالون غونغ. إنّ الجهاز الذي يسيطر عليه الـح ش ص يضمّ الجيش، ووسائل الإعلام، وأعوان الأمن العمومي، والشرطة، والشرطة المسلحة، وقوات أمن الدولة، والنظام القضائي، والتجمّع الشعبي الوطني، والأعوان الديبلوماسيين، والمجموعات الدينية المزيّفة. الجيش، الشرطة المسلحة، وشرطة نظام الأمن العمومي، والتي يسيطر عليها جميعًا الـح ش ص، قد شاركت مباشرةً في عمليّات اختطاف ممارسي الفالون غونغ وعمليّات القبض عليهم. وسائل الإعلام الصينية قد ساعدت نظام جيانغ في ترويج الأكاذيب وتـلطيخ صورة الفالون غونغ. أمّا نظام أمن الدولة فقد استعمله جيانغ زمين شخصيّا وبصفةٍ مباشرةٍ، يجمع المعلومات ويتلاعب بها، ويلفـّـق الأكاذيب ويزيّف الحقائق. وقد تستـّر كلّ من التجمّع الشعبي الوطني وهيئة القضاء برداء “الشرعية” و “القانون” ليغطـّيا الجرائم التي يرتكبها جيانغ زمين والـح ش ص، وتوصّلا بنجاح إلى خداع الناس من كافـّة الفئات الاجتماعية. لقد تحوّلا إلى أداةٍ مجعولةٍ لخدمة جيانغ زمين وحمايته. وفي خط موازٍ، روّج النظام الديبلوماسي أكاذيب في المجتمع الدولي، ورشا بعض الحكومات الأجنبية والموظفين السّامين، ووسائل الإعلام الدولية، بواسطة امتيازات سياسية واقتصادية، ليضمنَ سكوتها بخصوص مسألة اضطهاد الفالون غونغ.
أثناء اجتماع لللّجنة المركزية والذي تمّ خلاله إصدار الأمر بقمع الفالون غونغ، صرّح جيانغ زمين :”أنا لا أستطيـع أن أصدّق أنّ الـح ش ص غير قادر على التغلــّب على الفالون غونغ.” وأفضى التخطيط لاستراتيجية القمع إلى ثلاث إجراءات قمعيّة :”شوّهوا سمعتـ(هم) (تلاميذ الفالون غونغ)، أفقروهم مادّيا، وحطموهم جسديّا”. وبهذه الطريقة دخلت حملة التصفية حيز التطبيق وأصبحت سارية المفعول.

1- استخدام وسائل الإعلام لمنع مرور المعلومة
من تولــّى تطبيق سياسة “شوّهوا سمعتـ(هم) ممارسي الفالون غونغ” هي وسائل الإعلام، تحت السيطرة المطلقة للـح ش ص.
كان 22 يوليو 1999، وهو اليوم الثالث من حملة إيقاف ممارسي الفالون غونغ عبر البلاد، هو تاريـخ بداية حملة إعلاميّة على نطاق واسع ضدّ الفالون غونغ ، تقودها وسائل الإعلام تحت سيطرة الـح ش ص. ولنأخذ كمثال قناة “تشاينا سنترال تلفزيون” التي تبثّ من بيكين (سي سي تي في). في الأشهر الأخيرة من 1999، أصبحت هذه القناة تبثّ يوميّا سبع ساعاتٍ من البرامج المسجّـلة التي تنشر أكاذيب حول الفالون غونغ. وقد بدأ منتجو هذه البرامج بتشويه خطابات السيد لي هونغ جي وتزييفها، ثمّ أضافوا إلى ذلك حالات مزعومة من انتحار، وقـتل، ووفاة سببها الامتناع عن تناول الدواء. لقد فعلوا كلّ ما باستطاعتهم لتشويه صورة الفالون غونغ وصورة مؤسّسها والطعن فيهما.
من أكثر الحالات التي تداولتها وسائل الإعلام هي محو أداة النفي من جملةٍ قالها لي هونغ جي مرّةً في مُلتقى عامّ :”إنّ حدث انفجار الأرض الذي يتحدّث عنه الناس غير موجودٍ” لتصبح :”إنّ حدث انفجار الأرض الذي يتحدّث عنه الناس موجود”، وهو ما يُتيـح لها مباشرةً إثر ذلك أن تدّعي أنّ الفالون غونغ يروّج نظريّاتٍ ألفـيّة. ويتمّ اللجوء إلى الغشّ أيضًا لتضليل الشعب، مثلاً بنسبة أعمال يرتكبها مجرمون عاديّون لممارسي الفالون غونغ. مثلاً جريمة قـتل ارتكبها مريض عقـليّ يُدعى فو ييبين ببيكين وجريمة تسميم ارتكبها متسوّل بمقاطعة جاجيانغ، كلاهما تمّت نسبتهما للفالون غونغ. إذ ًا فقد استعمل الـح ش ص وسائل الإعلام ليحرّض شعبًا مخدوعًا على الكراهية، بهدف تقديم أعذار والظفر بسندٍ وتأييدٍ لهذا الاضطهاد اللا- شعبي والدامي.
أكثر من 2.000 صحيفة، أكثر من 1.000 مجلة، ومئات الشبكات التلفزيونية والإذاعات المحلية تحت السيطرة المطلقة للـح ش ص أصبحت تعجّ بالدعايات التي تشوّه سمعة الفالون غونغ. وقامت وكالة الأنباء الرسمية سينهوا، وتشاينانيوز سرفيس، ووكالة هـ ك لأخبار الصين، ووسائل إعلام أجنبية أخرى بنشر برامج القدح والثـلب هذه في أنحاء العالم. حسب إحصائيّات منقوصة، في ظرف عشرة أشهر فقط، تمّ بثّ أكثر من 300.000 مقال وبرنامج يستهدف الفالون غونغ ويفتري عليه، مسمّمًا أذهان عددٍ لا يحصى من الناس المخدوعين.
في السفارات والقناصل الصينية بالخارج توفـّرت أيضًا العديد من الوثائق، والأقراص المضغوطة والإصدارات التي تنتقد الفالون غونغ وتدّعي أنها “تفضحه”. بل تمّ فتح أركان جديدة على موقع واب وزارة الشؤون الخارجية، وهي أركان مختصّة في نقد و “فضح” الفالون غونغ.
بالإضافة إلى ذلك، في أواخر 1999، وأثناء اجتماع عقدته التعاونية الاقتصادية للدول الآسيوية في حوض المحيط الهادي (ايبك) في زيلندا الجديدة، وزّع جيانغ زمين بنفسه ودون أيّ تحرّج مناشير تطعن في الفالون غونغ على رؤساء أكثر من عشرة دول كانوا حاضرين في الاجتماع. وفي فرنسا، في خطابه المُوجّه لوسائل الإعلام الأجنبية، وصف جيانغ زمين الفالون غونغ بكونه “طائفة شيطانية”، الأمر الذي يخرق الدستور الصيني – وذلك بهدف “تشويه سمعتـ(هم) (ممارسي الفالون غونغ)”.
لقد جثمت على البلاد إذ ًا سحابة اضطهاد سوداء مُربدّة، كلّ شيءٍ كان يُنبئُ بأنّ حدثـًا يُضاهي الثورة الثقافية في قسوته كان على وشك أن يقـع.
أقـذر حادثة كانت بلا ريبٍ حادثة “الانتحار حرقـًا” المزعومة، والتي تمّ تصويرها في يناير 2001 وبثها عبر أنحاء العالم بسرعةٍ يصعب تصوّرها بواسطة وكالة سينهوا. وإثر ذلك، عديد المنظمات العالمية مثـل المنظمة غير الحكومية انترنايشونال إيدوكايشونال ديفلوبمنت، ندّدت بالحادثة لدى الأمم المتحدة، وبيّـنت كيف أنها كانت مجرّد خدعة مسرحية حاكتها الحكومة لتـُضلــّـل الناس. في إجابته عن سؤال بخصوص هذه الحادثة، أقرّ أحد أعضاء الفريق التلفزي بأنّ بعض المقاطع التي بثتها سي سي تي في قد تمّ تصويرها بعد الحادثة. يمكن إذ ًا أن نرى بوضوح الطبيعة الآثمة الأفـّاكة للمُضطهـِدين. ولا يسعُنا إلاّ أن نتساءل كيف قبــِلَ أتباع الفالون دافا هؤلاء، وهم يواجهون الموت بثباتٍ (نسبة إلى المنتحرين) – كيف قبـِلوا بأن يتعاونوا مع السلطات إلى درجة السّماح لها بتصويـر مشهد الانتحار حرقـًا من جديدٍ.
ليس بمقدور أيّ كذبةٍ أن تصمد أمام نور الشمس. في نفس الوقت الذي حاك فيه الـح ش ص الإشاعات والأكاذيب، فعـل كلّ ما في وسعه ليمنع سريان المعلومات. لقد قمع بشراسة كلّ تصويـر لأنشطة الفالون غونغ بالخارج وكلّ جوابٍ منطقيّ يُجيب به ممارسو الفالون غونغ. كلّ كـتب الفالون غونغ والوثائق المتعلقة بهذا الموضوع تمّ إتلافها بدون استثناءٍ، واتـّخـِذت إجراءات قصوى لمنـع أيّ محاولةٍ تقوم بها وسائل إعلام أجنبية لإجراء حديث صحفيّ مع ممارسي الفالون غونغ في الصين، ويشمل ذلك : طرد الصحفيين خارج الصين، الضغط على وسائل الإعلام الأجنبية التي تبثّ المعلومات، وإكراهها على لزوم الصمت مُهدّدين إيّـاها بإقصاءها من الصين.
اتـّخـِذت إجراءات قصوى كذلك لقمع ممارسي الفالون غونغ الذين كانوا يحاولون تمريـر معلوماتٍ عن وقائع تهمّ الفالون غونغ، أو وثائق حول القمع اللا- إنساني الذي ترتكبه السلطات – إلى الخارج. لي يانهوا هي سيدة يقارب عمرها الستين سنة، من مدينة داشيتشيان من مقاطعة لياوونينغ. عندما كانت بصدد توزيـع وثائق تحتوي على معلومات عن اضطهاد الفالون غونغ، تمّ اختطافها من قـِبَـل بعض الأعوان، في غرّة فبراير 2001 وأوسعتها الشرطة ضربًا إلى أن فارقت الحياة. ثمّ لكي تغطي جرائمها، ادّعت هذه الأخيرة أنها ماتت لأنها كانت “واقعة تحت تأثير سحر الفالون غونغ”.
في جامعة تسينغهوا لوحدها، تلقــّى أكثر من عشرة أساتذة وطلبة عقوبات بالسجن لمدّة طويلة لأنهم وزعوا وثائق بخصوص الفالون غونغ. كما تمّ توجيه الاتـّهام لسبعة ممارسين من شونغتشينغ وحُـكِمَ عليهم بالأشغال الشاقة لمدّة طويلة لأنهم كشفوا ما تعرّضت له الآنسة واي سينغيان – ممارسة فالون غونغ وطالبة في مرحلة الإجازة في جامعة شونغتشينغ – من اغتصابٍ أثناء فترة اعتقالها.

2- فرض ضرائب والسطو على المنازل بدون مذكّرة قانونية
لقد طبّـق كلّ الجهاز الحكومي سياسة “أفقرو(هم) (ممارسي الفالون غونغ) مادّيا”. منذ أكثر من خمس سنين من القمع، مئات الآلاف من ممارسي الفالون غونغ وقـع إخضاعهم لغرامات تتراوح من آلاف إلى عشرات الآلاف من اليوان، بهدف تخويفهم وتسبـيب خسائر مالية فادحة لهم. لقد فرضت الحكومات المحلية، ووحدات الشغل، ومخافر الشرطة، وأقسام الأمن العمومي هذه الغرامات بطريقة اعتباطية، وأولئك الذين يُجبَرون على دفع الغرامات لا يُعطى لهم أيّ وصلٍ ولا أيّ مبرّر يستند إلى بندٍ قانوني.
نهب المساكن هو شكـل آخـر من أشكال السطو والتخويف التي يتعرّض لها ممارسو الفالون غونغ. أولئك الذين لم يُـريدوا التخلــّي عن عقيدتهم تعرّضوا لتفتيشاتٍ غير مُبَرّرة، تأتي الشرطة إلى منازلهم وتسطو عليها في كلّ لحظةٍ. أموالهم ومُمتلكاتهم أخـِذت منهم دون مُبرّر. في القرى، حتـّى مخازن القمح وموادّ غذائية أخرى لم تـنجُ هي أيضًا. وزيادةً على ذلك، الأشياء التي كانت تـُؤخـَذ ُ من ممارسي الفالون غونغ لم يكـُن يتمّ تسجيلها ولا تسليم وصلٍ فيها. عمومًا أولئك الذين يُصادرون ممتلكات الممارسين كانوا يحتفظون بها لأنفسهم.
وفي نفس الوقت، واجه ممارسو الفالون غونغ أيضًا عقوباتٍ في الأرياف، وهدّدت السلطات الممارسين بمصادرة أراضيهم. ولم يستثن الـح ش ص العجائز ومن هم في سنّ التقاعد. لقد أوقف جراية التقاعد بالنسبة لهم وطردهم من مساكنهم. كثير من ممارسي الفالون دافا الذين يعملون في الأعمال الحرّة صُودِرت منهم أملاكهم وجُمّدت حساباتهم في البنك.
بتطبيق هذه الإجراءات، تبنـّى الـح ش ص سياسة الإدانة الجماعية. بعبارةٍ أخرى، إن وقـع اكتشاف وجود ممارسي فالون غونغ في وحدة شغل أو في مؤسّسة من مؤسّسات الدولة، فإنّ رؤساء وموظفي هذه الوحدات لا يعودون يتمتـّعون بمنحة ولا بترقيات. الهدف هو تحريض المجتمع على كراهية ممارسي الفالون غونغ. عائلات وأقارب هؤلاء الممارسين كانوا هم أيضًا مُهدّدين بالطرد من مراكز عملهم، وبطرد أبنائهم من المدرسة، وبالطرد من مساكنهم. كلّ هذه الإجراءات لها نفس الغاية : قطع كلّ موارد الرزق الممكنة وتضييق الخناق على ممارسي الفالون غونغ لكي لا يجدوا بدّا من التخلــّي عن عقيدتهم.

3- أعمال تعذيب قاسية وقـتل تعسّـفي
السياسة الدنيئة والمتمثـلة في “القضاء على ممارسي الفالون غونغ جسديّا” قد طبّقتها خاصّة الشرطة، والنيابة العامة [11]، والنظام القضائي في الصين. حسب إحصائيّات جمّعها موقع انترنت “مينغهي”، فإنه على أقـلّ تقدير 1.144 [12] ممارس فالون غونغ قد ماتوا من جرّاء التعذيب أثناء السنين الخمس الماضية. وقعت الوفيّات في أكثر من 30 مقاطعة، ومنطقة مستقـلــّة، ومدينة خاضعة مباشرة لإدارة الحكم المركزي. في غرّة أكتوبر 2004، كانت المقاطعة التي أحصت أكبر عددٍ من الوفيّات هي هايلونغجيانغ، تـليها جيلين، تـليها لياوونينغ، ثمّ هيباي، ثمّ شاندونغ، فسيشوان، وأخيرًا هوباي. أصغر المتوفـّين سنـّا كان عمره 10 شهور، وأكبرهم 82 سنةً. 51.3% من الأشخاص المتوفـّين كانوا نساءًا. بالنسبة للضحايا البالغ عمرهم فوق الخمسين سنةً، كانت نسبتهم 38% من جملة الضحايا. وهناك موظفو ح ش ص أقرّوا بصفةٍ سرّيةٍ أنّ العدد الحقيقيّ للممارسين الذين ماتوا جرّاء التعذيب كان أكبر من ذلك بكثير.
إنّ عمليّات التعذيب التي يستعملونها مع ممارسي الفالون غونغ عديدة ومتنوعة. التعرّض للضرب المبرّح، والسياط، والتعذيب بالكهرباء، والتعرّض للبرد المجمّد، وللتـقييد بالحبال، ولتـقييد اليدين والقدمين بالسلاسل لفترة طويلة، وللحرق بالنار، وبالسجائر، أو بالمكواة الحديدية، للتـقييد والتعليـق في الفضاء، البقاء في وضعية الوقوف أو الجثو على الركبتين وقتـًا طويلاً جدّا، التعرّض لشكّ الجسم وخرقه بأعوادٍ من قصب أو خيوط معدنية، للاعتداء الجنسي والاغتصاب، كلّ هذه ليست سوى بعض الأمثـلة. في أكتوبر 2000، قام حرّاس مخيم العمل الإجباري ماسّانجيا، في مقاطعة لياوونينغ، بتجريد 18 ممارسة تمامًا من ثيابهن ورموْهن في زنزانات المساجين الذكور ليغتصبوهن وينالوا منهن كما يشاؤون. كلّ هذه الجرائم قد تمّ توثيقها ولكن عددها أكبر من أن نـُحصيها في قائمة هنا.
ومن بين وسائل التعذيب اللا-إنسانية، نجد أيضًا الممارسة التالية – وهي من الممارسات السائدة – : العلاج العقـلي. نجد ممارسي فالون غونغ طبيعيين، أصحّاء وفي كامل قواهم العقـلية، تمّ سجنهم في مصحّات أمراض عقـلية أو مستشفيات أمراض عقـلية، حيث تمّ حـقنهم بموادّ غير معروفة قادرة على إتلاف الجهاز العصبي المركزي لدى الإنسان، وجرّاء ذلك أصيب بعض الممارسين بشلل نصفيّ أو كلــّي. بعضهم فـقد البصر أو السمع. وبعضهم تـلفت عضلاتهم أو أعضاءهم الداخلية. بعضهم فـقد الذاكرة جزئيّا أو كلــّيا وأصبحوا متخلــّـفين ذهنيّا. بعض التلاميذ أصيبت أعضاءهم الداخلية بجروح بالغة. بعضهم الآخر أصيب بانهيار عصبي. وحتـّى أنّ بعضهم مات بعد وقت قصير من حـقنه بهذه الموادّ.
تشير الإحصائيات إلى أنّ حالات ممارسي الفالون غونغ الذين تمّ تعذيبهم بواسطة علاج الأمراض العقـلية قد انتشرت في 23 – من جملة 33 – مقاطعة ومنطقة مستقـلــّة وبلدية خاضعة مباشرة لقيادة الحكومة المركزية الصينية. على الأقـلّ 100 مصحّة عقـلية على مستوى المقاطعات والبلديات والأقاليم والأحياء شاركت في أعمال الاضطهاد. باعتبار العدد الكبير لهذه الحالات وتكرّرها، يبدو بوضوح أنّ الاستعمال التعسّفي لأدوية الأمراض العقـلية على ممارسي الفالون غونغ هي سياسة منهجية ومُطبقة بدقة على جميـع المستويات. 1.000 ممارس على الأقـلّ تمّ إرسالهم – رغم إرادتهم – إلى مراكز استشفائية عقـلية أو مراكـز إعادة تأهيل لمدمني المخدّرات. الكثير منهم حُـقـِنوا بعديد الموادّ التي يمكن أن تتلف الجهاز العصبي أو أجبـِروا على ابتلاعها. ممارسو الفالون غونغ هؤلاء تمّ أيضًا تـقييدهم بحبال وتعذيبهم بالكهرباء. على الأقـلّ خمسة عشر من بينهم ماتوا بسبب المعاملة السيّئة لا غير.

4- مكتب 610 يمدّ مجسّاته خارج الجهاز القضائي
في 7 يونيو 1999، قذف جيانغ زمين في حقّ الفالون غونغ بدون أيّ مبرّر أثناء اجتماع للمكتب السياسي للـح ش ص. وصنـّف مسألة الفالون غونغ على أنها “صراع طبقات”، ووصف ممارسي الفالون غونغ بالأعداء السياسيين للـح ش ص وأثار غريزة الصراع لدى الـح ش ص. لقد أعطى أوامره ببعث “مكتب لمعالجة مسألة الفالون غونغ” داخل اللجنة المركزية. وحيث أنه وُضـِـع في 10 يونيو، أطلقوا عليه اسم “مكتب 610”. وإثر ذلك وُضـِعت مكاتب 610 في كامل البلاد على جميـع المستويات الحكومية، من أعلى السلــّم إلى أسفله، وهذا المكتب مختصّ في كلّ المسائل المتعلقة بقمع الفالون غونغ. اللجنة السياسية والقضائية، الصحافة والإعلام، أجهزة الأمن العمومي، هيئة القضاء، محاكم الشعب، وأعوان الأمن الوطني التابعين لحكم وقيادة الـح ش ص، كلّ هؤلاء هم قـَـتـَلة مأجورون يعملون لدى الـح ش ص. في الظاهر، يتبع مكتب 610 مجلس شؤون الدولة، ولكنه في الحقيقة مُنظمة تابعة للحزب، مسموح لها بأن توجد خارج الإطار التأسيسي للدولة وللحكومة الصينية، لا تحدّها أيّ حدود تشريعية ولا قوانين أو سياسة وطنية. إنها منظمة قويّة جدّا تشبه كثيرًا “الغاشتابّـو” في ألمانيا النازية، مُنظمة تتمتـّع بصلاحيّـات تتجاوز السلطة التشريعية والقضائية، وتستغـلّ موارد البلاد كما يحلو لها. في 22 يوليو، وحالما أصدر جيانغ زمين الأمر بقمع الفالون غونغ، نشرت وكالة الصحافة سينهوا خطابات المسؤولين في وزارة التنظيم المركزي للـح ش ص ووزارة الدعاية المركزية للـح ش ص، وهم يعلنون على الملأ مناصرتهم وتأييدهم لاضطهاد الفالون غونغ الذي أطلقه جيانغ زمين. كلّ هذه الكيانات قد تعاونت وساند بعضها البعض تحت راية التنظيم المُحكم للـح ش ص وذلك بغاية تطبيق الخطة الماكيافلية لجيانغ زمين.
حالات عديدة وعديدة أثبتت أنه لا قسم الأمن العمومي، ولا النيابة العامّة، ولا المحكمة تملك القدرة على اتـّخاذ القرارات بنفسها بشأن الحالات المتعلقة بالفالون غونغ، بل عليها أن تتلقــّى الأوامر من مكتب 610. وعندما اشتكى أفراد عائلات ممارسي فالون غونغ كثيرون – ممّن أوقـِفوا وسُجـِنوا وعُذبوا إلى حدّ الموت – عندما اشتكـوْا للأمن العمومي، للنيابة العامة، وللمحكمة، أخبـِروا أنّ كلّ القرارات يتـّخذها مكتب 610.
رغم كلّ هذا، فإنّ وجود مكتب 610 ليست لديه أيّ ركيزة قضائية. عندما كان يعطي الأوامر للأجهزة التابعة للـح ش ص، ففي العادة لم تكن هناك تعليمات مكتوبة أو إشعار، فقط إبلاغ شفوي. وزيادةً على ذلك، كان مطلوبًا من كلّ أولئك الذين يتلقــّوْن الأوامر ألاّ يسجّـلوها تسجيلاً سمعيّا أو بصريّا ولا حتـّى أن يدوّنوا منها شيئـًا.
استعمال هذا العضد الأيمن للديكتاتورية هو تكتيك كثيرًا ما يستعمله الـح ش ص، متجاهلاً القانون تجاهلاً تامّا. أثناء كلّ حركات التصفية السياسية التي سبقت، استعمل الحزب دائمًا تكتيكاتٍ غير نظامية ونصّب هيئاتٍ مُؤقــّـتة غير نظامية، مثل الفريـق المركزي للثورة، لكي تقود طغيان الـح ش ص وتبثه في جميـع أنحاء البلاد.
على مدى تاريـخ حكمه الطاغي والمستبدّ، خلق الحزب واحدًا من أقوى أنظمة إرهاب الدولة وأكثرها شرّا. بواسطة العنف، والكذب، ومنع الوصول إلى المعلومة. إنّ اللا-إنسانية والخداع اللذان يتميز بهما قد بلغا درجة حِرفيّة عالية. كما أنه امتدّ على نطاق واسع وغير مسبوق. في الحركات السياسية السابقة، أصبح الحزب متمرّسًا وخبيرًا في امتلاك طرق مُمنهجة وناجعة، وفي معاقبة الناس، والنيل منهم وقـتلهم ؛ لقد كانت هذه الطرق تتـّصف بقسوة، وبمكر وبازدواجيّة يصعب تصوّرها. وكما رأينا في الحالة التي ذكرناها آنفـًا، لم يستطع الزوج تحمّـل تهديدات الشرطة وإرهاصهم فـقـتل زوجته الطيبة. كذلك هي الثمرة الفاسدة الناتجة عن إرهاب الدولة الذي يمارسه الـح ش ص، والذي يضمّ التضليل الإعلامي، الضغط السياسي، الإدانة الجماعية والتخويف، بهدف تشويه الطبيعة البشرية والتحريض على الكراهية.

5- استعمال الجيش والموارد المالية القومية لنشر الاضطهاد
إنّ الحزب يسيطر على كلّ القوى العسكرية للبلاد، الأمر الذي يُتيـح له أن يفعل ما يحلو له دون خوفٍ ولا خشيةٍ عندما يقمع الناس. لاضطهاد الفالون غونغ، لم يكتفِ جيانغ زمين باستعمال الشرطة والقوات شبه العسكرية ؛ بل أيضًا استعمل مباشرةً القوات العسكرية المسلحة في يوليو وأغسطس 1999، عندما اتـّجه الآلاف من الناس العاديين، من كلّ أنحاء البلاد، عُزّل من كلّ سلاح، إلى بيكين، بنيّة المناداة بحقّ الفالون غونغ في الممارسة. كان الجنود مبثوثين في أماكن عديدة ومختـلفة من العاصمة. على كلّ الطرق العامّة كان يصطفّ جنود مُسلحون مُزوّدون ببنادق مُعبّأة. مهمّـتهم هي التعاون مع الشرطة للتصدّي لممارسي الفالون غونغ الذين أتوْا للنداء وإيقافهم. وكما يمكن أن نتخيّـل، هذا اللجوء المباشر للقوات المسلحة من طرف جيانغ زمين قد فتح الباب أمام اضطهادٍ دامٍ.
يسيطر الحزب على خزائن الدولة، ممّا يجعل من هذه الأخيرة تمدّ جيانغ زمين بالسند المالي لاضطهاد الفالون غونغ. هناك موظف سامٍ من قسم العدالة التابع لمقاطعة لياوونينغ قال مرّةً أثناء اجتماع في مُخيّم العمل الإجباري بماسّانجيا (الموجود في هذه المقاطعة) :”إنّ الموارد المالية المُستعملة لمعالجة مسألة الفالون غونغ تـفوق مصاريف حربٍ.”
إلى حدّ الآن لا نعلم تمامًا مبلغ الموارد المالية الحكومية، ولا الدخل المُتأتـّي من العمل المُضني للشعب، هذان الموردان اللذان نهـل منهما الـح ش ص ليضطهد الفالون غونغ، ولكن ليس من الصعب أن نرى أنّ المبلغ ضخم. في 2001، كشفت معلومة قادمة من داخل قسم الأمن العمومي للحزب أنّ مصاريف القبض على ممارسي الفالون غونغ في ساحة تيانانمن وحدها بلغت 1.7 مليون يوان يوميّا، أي ما يعادل 2.5 سنويّا. في كلّ البلاد، من التجمّعات السكـنية إلى المناطق الريفية البعيدة، من مخافر الشرطة وأقسام الأمن العمومي إلى موظفي جميـع الأقسام في مكتب 610، استخدم جيانغ زمين على أقـلّ تقدير مليون شخص لاضطهاد الفالون غونغ. كلفة أجورهم لوحدها يمكن أن تبلغ مئات المليارات من اليوان. وبالإضافة إلى ذلك، أنفق جيانغ زمين مبالغ طائلة ليُضاعف عدد مخيّمات العمل الإجباري المُعَدّة لاحتواء ممارسي الفالون غونغ، وليُشيّـد مراكـز وقواعد للغسل الدماغي. مثلاً في ديسمبر 2001، خصّص جيانغ زمين 4.2 مليار يوان دفعةً واحدةً لبناء مثـل تلك المراكز لـ “تحويـل” ممارسي الفالون غونغ. لقد أنفق جيانغ زمين مبالغ ضخمة ليدفع المزيد من الأشخاص ويُشجّعهم على المشاركة في اضطهاد الفالون غونغ. في كثير من المناطق، بلغت مكافأة من يقبض على ممارس فالون غونغ عديد الآلاف، بل حتـّى عديد عشرات الآلاف من اليوان. إنّ مخيّم العمل الإجباري بماسّانجيا في مقاطعة لياوونينغ لمن أسوء الأماكن التي تضطهد الفالون غونغ. في إحدى المرّات، كافأ الحزب مُسيّر المخيّم “سو” بـ 50.000 يوان، والمُسيّر المساعد “شاوو” بـ 30.000 يوان.
جيانغ زمين، الأمين العامّ الأسبق للـح ش ص، هو الشخص الذي أطلق حملة الاضطهاد ضدّ الفالون غونغ، هو الشخص الذي دبّرها وشنـّها، واستعمل من أجل ذلك الـح ش ص. على عاتـقه تـقع مسؤولية هذه الجريمة التاريخية. ومع ذلك، إن لم يكن يوجد هناك ح ش ص وآلة العنف لديه التي شحذها على مدى حركات سياسية متعاقبة، لم يكن جيانغ زمين ليجد الوسائـل ليشنّ هذا الاضطهاد الشيطاني ويُطبّقه.
جيانغ زمين والحزب يستخدم كلّ منهما الطرف الآخر. هما يواجهان الإدانة بالإجماع بسبب معارضتهما لمبادئ “حقّ، رحمة، تسامح” في سبيل مصلحة شخص واحدٍ وحزب واحدٍ. هذا الاستخدام المتبادل بينهما هو السبب الحقيقي الذي جعل جريمة عديمة المعنى ومأساوية كـتلك تحدث.

V. جيانغ زمين يسبّب انهيار الـح ش ص من داخل الحزب
إنّ جيانغ زمين، بدافع السعي وراء مصالحه الشخصية، قد استعمل الشرّ، الذي هو صفة الـح ش ص، ليشنّ ذلك الاضطهاد العنيف، مستهدفـًا ناسًا بريئين يتـّبعون مبادئ “الحقّ، الرحمة، التسامح”. لقد شنّ حركة قمعيّة ضدّ قوّة اجتماعية هي من أكثر القوى الاجتماعية نفعًا وأقـلــّها ضررًا للبلاد والمجتمع. هذا الاضطهاد لا فقط يجـرّ البلاد والشعب إلى سلسلة من الجرائم والمصائب، ولكن أيضًا يُسبّب فشل وسقوط الحزب من الأسس.
لقد استخدم جيانغ زمين الحزب بشراسة، واستخدم في ذلك شتـّى أصناف الوسائـل والطرق الشريرة عبـر العالم بأسره في تعامله مع مسألة الفالون غونغ. وجرّاء ذلك، تكبّد كلّ من القانون والأخلاق والإنسانية ضررًا كبيرًا، الأمر الذي يقضي على مصداقية الحزب، المصداقية اللازمة لكي يحافظ على بقاءه في الحكم.
لقد استعمل نظام جيانغ كلّ الموارد المالية، والمادية، والبشرية المتوفرة لكي يقمع الفالون غونغ، مسبّبًا بذلك عبئـًا ضخمًا للبلاد والمجتمع، وضغطـًا هائلاً على الميزانية المالية. إنّ الحزب ليست لديه أيّ وسيلةٍ ليستمرّ في هذا الاضطهاد، الذي سيبوء بالفشل لا محالة. إن تمكـّن من تمديده زمنـًا أطول، فسيكون ذلك فقط بالاعتماد على مدّخرات الشعب، وعلى إبرام عقود وطنية، وعلى استجلاب استثمارات خارجية.
أثناء الاضطهاد، استعمل الحزب وجيانغ زمين شتـّى أصناف الحيل والوسائل الملتوية، الوحشية والغشاشة، لقد استعملا كلّ ما في رصيدهما من خيانة وعدوانية لاضطهاد الفالون غونغ.
لقد استعمل الحزب وجيانغ زمين كلّ أدوات الدعاية الممكنة ليختـلقا إشاعاتٍ، ويشوّها صورة الفالون غونغ ويلفـّـقا أعذارًا لتبـرير القمع والاضطهاد. ولكنّ الكذب لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. يوم تـُكشفُ الأكاذيب أخيرًا عندما يفشل الاضطهاد، ويوم يراها الجميـع بوضوح، يومها وسائل الدعاية لن يعود بإمكانها أن تخدع الناس. سيفقد الحزب تمامًا مصداقيته وقـلوب الناس في الآن نفسه.
مع بداية قمع الفالون غونغ في 1999، كانت نيّة جيانغ زمين هي تصفية مسألة الفالون غونغ في “ثلاثة أشهر”. ولكن الحزب لم يُقـدّر قوّة الفالون غونغ حقّ قدرها، ولم يُقـدّر قوّة الأصالة والإيمان حقّ قدرها.
منذ قديم الزمان، لم ينتصر الشرّ على الخير أبدًا، ولا استطاع أن يجتثّ الطيبة من قـلوب الناس. خمس سنين قد مرّت والفالون غونغ بقـي الفالون غونغ، بل وانتشر على نطاق واسع في كامل العالم. لقد باء جيانغ زمين والحزب بفشل ذريـع في هذه المعركة بين الخير والشرّ. كما أنّ طبيعتهما المنحرفة، القاسية، والشريرة، قد انكشفت للعيان بوضوح. جيانغ زمين حاليّا ينوء تحت وطء المشاكل في الصين كما في خارجها، ويواجه دعاوي وإدانات عديدة تهدف إلى محاكمته.
في الأصل، كانت نيّة الحزب هي أن يستعمل القمع ليدعّم طغيانه. ولكن النتيجة كانت أنه لم يكن قادرًا على إعادة “شحن” طاقته ؛ بل بالعكس، استنفذها. حاليّا، قد ذهب الحزب بعيدًا جدّا، إلى درجة أبعد من أن يقدر على استعادة الحياة بعدها. إنه يشبه شجرة نخرة وذابلة. وسوف ينهار من تلقاء نفسه عند أوّل هـبـّة ريـح. كلّ الأحلام الواهمة الرامية إلى إنقاذ الـح ش ص تسير ضدّ التاريـخ. لا فقط سيكون ذلك بلا نتيجة، ولكنه أيضًا سيدمّر مستـقبل أولئك الذين يضعون أيديهم فيه.

خاتمة
الأمين العام السابق للـح ش ص، جيانغ زمين، هو الذي شنّ هذا الاضطهاد العدواني، وخططه، وأمر به. لقد استعمل جيانغ زمين السلطة، والمنصب، والطرق التأديبية، وآليات الحركت السياسية للـح ش ص، ليُطلق هذا الاضطهاد ضدّ الفالون غونغ. وهو يـبوء بحمل هذه الجريمة التاريخية بلا منازع. من جهة أخرى، إن لم يكن هناك ح ش ص، لم يكن جيانغ زمين ليكون قادرًا أن يشنّ هذا الاضطهاد العنيف ويقوده. منذ أن وُلد الـح ش ص، اتـّجه ضدّ الاستقامة وضدّ الطيبة. خياره الأمثـل هو القمع ومجال خبراته هو الاضطهاد، وقد بنى نفوذه وسيادته على سيطرة محكمة على العقـول والنفـوس مخضعًا إيّاها جميعًا لنفوذ حزبٍ واحدٍ مركزيّ. الـح ش ص يخاف غريزيّا من “الحقّ، الرحمة، التسامح”، ويعتبر الفالون غونغ عدوّا. ونتيجة لذلك كان قمع الفالون غونغ واضطهاده أمرًا محتومًا. بمهاجمته لقيم “الحقّ، الرحمة، التسامح”، أتاح جيانغ زمين والـح ش ص المجال للزيف، والعدوانية، والسموم، والشرّ، والفساد جميعًا لكي تنتشر. وما انجرّ عن ذلك هو تدهور أخلاقي على نطاق واسع في أرض الصين، تدهور لحقت آثاره بالجميـع.
إنّ الاستخدام المُتبادل بين الـح ش ص وجيانغ زمين قد حدّد مصيرهما. حاليّا، يسعى الفالون غونغ لمقاضاة جيانغ زمين، ويوم يُقــَدّمُ هذا الأخير للمحاكمة، سيكون مصير الـح ش ص واضحًا.
إنّ المبادئ السماوية لن تغفر لمن يمارس اضطهادًا لا إنسانيّا ضدّ مجموعة من الأشخاص الطيبين الذين يُربّون أنفسهم على “الحقّ، الرحمة، التسامح”. فساد جيانغ زمين والـح ش ص كذلك سيُصبح يومًا مّا عبرة بالغة وخالدة في تاريـخ الإنسانية.

ملاحظات:
1- لمزيد من المعلومات بخصوص هذه الحالة، الرجاء الاطلاع على :
http://www.clearwisdom.net/emh/articles/2004/7/23/50560p.html
و

http://www.clearwisdom.net/emh/articles/2004/6/7/48981p.html
2- لمزيد من المعلومات بخصوص هذه الحالة، الرجاء الاطلاع على :
http://www.clearwisdom.net/emh/articles/2004/9/25/52796.html
3- تتوفر معلومات أخرى بخصوص هذه النقطة في الرابط التالي :
http://search.minghui.org/mh/articles/2004/7/9/79007.html (بالصينية)
4- لي سيانـّيان (1902-1992)، رئيس سابق للصين (1983-1988) ورئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (1988-1992). وقد كان حما جيانغ زمين. شان يون (1905-1995)، أحد كبار المسيّرين المعروفين في الصين الشيوعية، وقد كان عضوًا في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي طيلة عقودٍ من السنين ورئيس اللجنة المركزية الاستشارية من 1987 إلى 1992.
5- تشيكونغ هو اسم شامل يُطلـَقُ على تمارين طاقية. هناك عدّة مدارس تشيكونغ، معظمها متجذرة في الاعتقادات الروحية الأصلية المتوارثة. الفالون غونغ هو شكل من أشكال التشيكونغ.
6- في 1992، خرج دانغ سياووبينغ من شبه عزلة، وذهب في زيارة لشانجان، قرب هونغ كونغ، وألقى هنالك خطابات يدعو فيها إلى تبنـّي اقتصاد سوق اشتراكي في الصين. ويُعتـَبَرُ أنّ جولة دانغ تلك قد بعثت من جديدٍ الحياة والأمل في الإصلاح الاقتصادي بعد أن شهد بداية حزينة ومشؤومة وهي مجزرة ساحة تيانانمن.
7- الآثار الثقافية بهامودو، وقع اكتشافها في 1973، يرجع عهدها إلى 7.000 سنة، هذه القرية الأثرية الصينية غنية بالمواقع وبالآثار التي تعود إلى العصر الحجري الأخير.
8- رئيس سابق للمؤتمر الشعبي الوطني الصيني.
9- لقد قال دانغ مرّة :”قط أسود أو قط أبيض، لا يهمّ، هو قط جيّد طالما أنه يمسك الفئران”. بعبارةٍ أخرى، الهدف من الإصلاحات الاقتصادية هو تحقيق قدر من الرخاء والازدهار للناس، مهما يكن شكـل تلك الإصلاحات : اشتراكية أو رأسمالية.
10- هي مثقـفة عذبها الـح ش ص إلى حدّ الموت في فترة الثورة الثقافية لأنها قالت الحقيقة. (انظر المقال الرابع)
11- هو الأداة الحكومية الصينية المختصّة في التتبّـع والإشراف القانونيّين. من مهامّها : القرار في شأن القبض على كبار المجرمين وتتبّعهم، إجراء الأبحاث، اقتراح واتـّخاذ إجراءات بشأن المحاكمات الجنائية العامّة، تأويل القانون بحرّية فيما يتعلــّق بتطبيقاته الخصوصية، الإشراف والسّهر على قرارات المحكمة، مراقبة السير القضائي، الإشراف على أنشطة السجون ومراكز الاعتقال ومخيّمات العمل الإجباري.
12- في منتصف أغسطس 2005، ارتفع هذا الرقم إلى 2.779.

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة السادسة : كيف دمّر الحزب الشيوعي الثقافة الموروثة
توطئة
الثقافة هي روح الأمّة. الثقافة هي عامل هامّ بالنسبة للبشر، لا يقلّ أهمّية عن العوامل المادية الملموسة مثل العرق والأرض. إنّ تاريخ حضارة أمّةٍ مّا، في جزءٍ كبير منه، هو رهين إنجازاتها الثقافية. والتدمير الكامل للثقافة الموروثة للأمّة لا ينجـرّ عنه سوى اندثار تلك الأمّة. إنّ أممًا سالفة ذات حضارات مجيدة وتليدة قد اندثرت وزالت لمّا دُمّرت ثقافاتها، على الرغم من أنّ بعض عناصرها العرقية كانت لا تزال موجودةً بعدُ. الصين هي البلد الوحيد في العالم الذي تواصلت حضارته على مدى 5.000 سنة دون انقطاع. إنّ تدمير حضارته وتراثه هي جريمة لا تـُغتفر.
ثقافة الصين وتراثها، والذي نعتقد أنهما إرث إلهي، قد بدآ بأساطير مثل خلق السماء والأرض بيد بانغو [1]، خلق البشر بيد نووا [2]، أسطورة تعريف مئات الحشائش الطبية من طرف شانونغ [3] وأسطورة اختراع الكتابة الرمزية الصينية من طرف ساندجي [4]. “الإنسان يتبع الأرض، والأرض تتبع السماء، والسماء تتبع الطاوو، والطاوو يتبع ماهو طبيعي.” [5] الطاوية تتحدث عن الوحدة بين السماء والأرض، تلك هي الحكمة التي تجري في عروق الثقافة الصينية. “التعاليم الكبيرة تحثّ دائمًا على التحلـّي بالفضيلة واكتساب الفضيلة.” [6] منذ 2.000 سنةٍ، فتح كونفوشيوس مدرسة لتعليم الطلاب وبلـّغ للمجتمع المُثل الكونفوشيوسية المتمثلة في الفضائل الرئيسية الخمسة وهي : الطيبة (الإحسان)، الاستقامة، التهذيب، الحكمة، والوفاء. في القرن الأوّل، وصلت بوذية ساكياموني إلى غرب الصين مُحمّلةً بوعود الرحمة والتخليص لكلّ الكائنات، وكانت النتيجة أن اكتسبت الثقافة الصينية المزيد من الثراء والتنوّع والعمق. ثمّ أصبحت الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية على التوالي عقائد مُكمّلة للمجتمع الصيني، موصلةً الأسرة المالكة التانغ (618ـ907 م) إلى قمّة المجد والازدهار، مثلما هو معروف لدى الجميع.
ورغم أنّ الأمّة الصينية تعرّضت مرّاتٍ عديدة في التاريخ للغزو والهجمات، فإنّ الثقافة الصينية برهنت على مقاومةٍ وصمودٍ كبيريْن، واستمرّ جوهرها وروحها في التناقل جيلاً بعد جيل. إنّ وحدة السماء والبشر هي كوسمولوجيا أجدادنا. عمل الخير سيُثاب وعمل الشرّ سيُعاقبُ، هذا أمر مُتعارف عليه، إنه المبدأ الأساسي المتمثل في : لا يجب أن نفعل بالآخرين ما لا نُحبّ أن يُفعَلَ بنا. مبادئ “الإخلاص، البرّ بالوالديْن، الكرامة، والعدل” قد وضعت المعايير الأساسية التي تـُحدّد حياة الفرد البشري في هذا العالم. “الطيبة، الاستقامة، التهذيب، الحكمة، والوفاء” أصبحت مقاييس الأخلاق سواءًا بالنسبة للفرد أو كلّ المجتمع. مع مبادئ كتلك، كانت الثقافة الصينية تـُجسّم النزاهة، والطيبة، والانسجام، والتسامح. إنّ الأنصاب الجنائزية التي يُقيمها الشعب الصيني تعبّر عن احترام وإجلال “السماء، الأرض، الحاكم، الوالدين، والمعلم”، إنه تعبير ثقافي عن التقاليد الصينية المتجذرة بعمق، والتي تضمّ تقديس الآلهة (السماء والأرض)، الولاء للوطن (الحاكم)، القيم الأسرية (الوالدين) واحترام المعلمين. إنّ الثقافة الأصيلة كانت تنشُدُ الانسجام بين الإنسان والكون وتضع الثقل على الأخلاق وعلى السلوك الذي يجب أن يتحلـّى به الفرد. كانت تنبني على الاعتقاد في ممارسات الكونفوشيوسية، والبوذية، والطاوية، وتجلب معها للشعب الصيني التسامح، والرقيّ الاجتماعي، والحفاظ على الأخلاق البشرية والعقيدة الحقة.
خلافـًا للقانون، الذي يفرض قواعد صارمة، تمارس الثقافة تأثيرها كضابط ليّن. القانون ينفـّذ الحكم بالعقوبة بعد أن تـُرتكب الجريمة، ولكن الثقافة، بتعهّدها للأخلاق، تحول دون ارتكاب الجريمة أصلاً. إنّ القيم الأخلاقية لمجتمع مّا غالبًا ما تنضوي داخل ثقافته.
في تاريخ الصين، بلغت الثقافة الكلاسيكية أوجها أثناء فترة حكم سلالة التانغ، تلك الفترة المزدهرة، والتي تتزامن مع قوّة وعظمة الأمّة الصينية. العلم، والذي كان متقدّمًا ومزدهرًا أيضًا، كان يحظى بمكانة خاصّة ومتميّزة بين باقي الأمم. كان هناك علماء من أوروبا، من الشرق الأوسط، ومن اليابان، يقصدون شانغآن ـ عاصمة مملكة التانغ، للدراسة. كانت البلدان المجاورة تعتبر الصين سيّدتها. “كانت بلدان عديدة تأتي لتدفع الضرائب للصين ولو اضطرّت من أجل ذلك إلى المرور عبر عديد المترجمين والمرور عبر جمارك متتالية.” [7]
بعد مملكة التشين (221ـ207 ق م)، وقع احتلال الصين مرّات كثيرة من طرف أقليات، وخاصّة أثناء فترة ممالك السوي (581ـ618 م)، التانغ (618ـ907 م)، اليوان (1271ـ1361 م)، والتشينغ (1644ـ 1911 م) ومرّات قليلة في عهود أخرى عندما أسّست الأقليات العرقية أنظمة حكم خاصّة بها. ومع ذلك، فإنّ هذه المجموعات العرقية ـ تقريبًا كلـّها ـ امتصّت العادات والتقاليد الصينية بصفة كلية، الأمر الذي يدلّ على قدرة الاندماج الكبيرة لدى الثقافة والتراث الصينييْن. وكما كان كونفوشيوس يقول :”(وهكذا) إن لم يكن الغرباء دمثي الطبع، قودوهم إلى ممارسة ثقافتنا وفضيلتنا.” منذ استحواذه على السلطة في 1949، سخـّر الح ش ص كل موارد الأمّة لتدمير الثقافة الصينية العريقة الثرية. هذه النية السيئة لم تأت من حبّه وتحمّسه للتصنيع، ولا من انبهاره المُضحك بالحضارة الغربية. لقد أتت من التصادم الإيديولوجي العميق بين الح ش ص والثقافة الصينية العريقة. لقد خطط الح ش ص لتدمير الثقافة الصينية، ثم نظمه وطبّقه، مستعينـًا بإرهاب الدولة الموجود. منذ تأسيسه، لم يكفّ الح ش ص أبدًا عن “إدخال الثورة” على الثقافة الصينية بنيّة القضاء تمامًا على روحها. [8]
والأمر المؤسف أكثر من تدمير الثقافة الموروثة على يد الح ش ص، هو الاستغلال المقصود لهذه الثقافة وإدخال تغييراتٍ عليها. لقد شجع الح ش ص النواحي السيئة في تاريخ الصين، تلك الأشياء التي حدثت كلّ مرة ابتعد فيها الناس عن القيم الأخلاقية الأصيلة، مثل صراع أطراف العائلة المالكة وتطاحنها، استعمال الاستراتيجيات وحبك المؤامرات، وممارسة الديكتاتورية والاستبداد. لقد استعمل أمثلة تاريخية لكي تساعده على خلق مجموعة القيم الأخلاقية الخاصة به، وطرق تفكيره ولغته. وهكذا أعطى الح ش ص الانطباع ـ الخاطئ ـ أنّ “ثقافة الحزب” هي الاستمرار الطبيعي للثقافة الصينية الأصيلة. بل لقد استغلّ الح ش ص كره بعض الأشخاص لـ “ثقافة الحزب” لكي يحرّض أكثر وأكثر على التخلـّي عن التراث الصيني الحقيقي.
إنّ تدمير الثقافة العريقة بيد الح ش ص كانت له نتائج كارثية في الصين. لا فقط فقد الناس معاييرهم الأخلاقية، ولكن أيضًا تمّت مذهبتهم ـ غصبًا ـ باستعمال النظريات الفاسدة للح ش ص.

I. لماذا أراد الح ش ص تدمير الثقافة الصينية ؟

1- الإرث الطويل للثقافة الصينية ينبني على الإيمان والفضيلة
الثقافة الحقيقية للأمّة الصينية بدأت منذ 5.000 سنة تقريبًا مع الامبراطور الأسطوري هوانغ، والذي يُعتبر الجدّ الأول للشعب الصيني. المعروف عن الامبراطور هوانغ أيضًا أنه أسّس الطاوية ـ والمعروفة أيضًا باسم المدرسة الفكرية هوانغ لاوو (لاوو تسي). نلمس الأثر العميق الذي تركته الطاوية على الكونفوشيوسية من خلال أقوال كونفوشيوس التالية :”البحث عن الطاوو، والالتزام بالفضيلة، التحلـّي بالطيبة والإحسان، والانغماس في الفنون” ؛ “إن سمع أحدهم الطاوو في الصباح، يمكنه أن يموت بلا حسرةٍ في المساء”. [9] أحد أهمّ عيون الكتب الصينية، كتاب التحوّلات (يي كينغ)، هو مجموع ملاحظاتٍ بخصوص السماء وبخصوص الأرض، اليين واليانغ، التغيّرات الكونية، الرقيّ الاجتماعي والتقهقر، وقوانين الحياة البشرية، إنّ صحّة نبوءة هذا الكتاب قد فاقت بكثير ما يمكن للعلم الحديث أن يتصوّره. وبالإضافة إلى الطاوية، والكونفوشيوسية، كان للبوذية، وخاصّة بوذية الزان، تأثير خفيّ ولكنه عميق على المثقفين الصينيين.
الكونفوشيوسية في الثقافة الصينية العريقة هي الجزء الذي يركـّز على “الدخول إلى العالم البشري”. هي تضع الثقل على منهج أخلاقي ينبني على الأسرة، وخصلة البرّ بالوالدين تشغـَل فيه مكانة هامّة جدّا، إذ هي تلقـّن أنّ “الإحسان يبدأ من البرّ بالوالدين”. كان كونفوشيوس يدعو إلى أنّ “الإحسان يبدأ من البرّ بالوالدين”. كان كونفوشيوس يدعو إلى :”الإحسان، الاستقامة، التهذيب، الحكمة، والوفاء” ولكنه قال أيضًا :”أفليس البرّ بالوالدين والحبّ الأخويّ أصل الطيبة والإحسان ؟”
المنهج الأخلاقي الأسريّ يمكن تطبيقه أيضًا على الأخلاق في المجتمع ككلّ. البرّ بالوالدين يمكن تطبيقه أيضًا على الولاء تجاه الحاكم. يقال أنه “من النادر أن يقوم إنسان بارّ بوالديه بالتهجم على من هم أعلى منه مرتبة”. [10] الحبّ الأخوي يمكن أيضًا أن ينسحب على الإخلاص نحو الأصدقاء. يعتقد الكونفوشيوسيون أنه داخل الأسرة، ينبغي على الأب أن يكون عطوفـًا، والابن مخلصًا بارّا، والأخ الأكبر ودودًا، والأخ الأصغر مُحترِمًا. هنا، العطف الأبوي يمكن أيضًا أن ينطبق على عطف الحاكم تجاه الرعية. طالما أنّ القواعد الأخلاقية الأسرية يمكن الحفاظ عليها، فذلك يعني أيضًا ديمومة الأخلاق في المجتمع. “تعهّد الذات، ضبط أمور الأسرة، حكم الدولة بالعدل، وتوفير الراحة والسعادة لكلّ المملكة” [11].
أمّا البوذية والطاوية في الثقافة الصينية فهما الجزء الذي يركـّز على “الخروج من العالم الدنيوي”، ويسير بالناس في ترقـّيهم الروحي. إنّ تأثير البوذية والطاوية ينعكس على كل نواحي الشعب الصيني. الممارسات المتجذرة في الطاوية تضمّ الطب الصيني، التشيكونغ، الفانغ شوي، والتنجيم. هذه الممارسات، بالإضافة إلى المفاهيم البوذية المتمثلة في الجنة والجحيم، في الثواب والعقاب، قد كوّنت ـ بالتعاون ـ مع القواعد الأخلاقية الكونفوشيوسية ـ نواة الثقافة الصينية العريقة.
منحت المعتقدات الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية للشعب الصيني نظامًا أخلاقيّا متينـًا وثابتـًا، باقيًا “ما بقيت السماء”. [12] هذا النظام الأخلاقي قد وفـّر أرضيّة لاستقرار دائم، وللسلام والانسجام داخل المجتمع.
موضوع الأخلاق ينتمي للميدان الروحي، لذلك فهو غالبًا ما يكون مفهوميّا. الثقافة تترجم هذا النظام الأخلاقي المجرّد إلى لغة مفهومة لدى الجميع.
فلنأخذ مثلاً الكتب الكلاسيكية الصينية الأربعة، والتي هي الروايات الأكثر شهرة في الثقافة الصينية. “السفر إلى بلاد الغرب” [13] هو قصة أسطورية. “حلم داخل الجناح الأحمر” [14] يبدأ بحوار بين صخرة حيّة، إلهة الفضاء اللاّ متناهي، وطاوو الزمان اللاّ متناهي، على الساحل الصخري الذي لا قاع له، والموجود بجبل الضياع الأكبر. هذا الحوار يتضمن الخطوط العريضة للمأساة الإنسانية التي تدور أحداثها في الرواية. “على ضفاف الماء” [15] تبدأ بقصة حول هونغ تايواي، المسؤول عن الشؤون العسكرية، والذي بسبب إهماله تسبّب في إفلات 108 شيطانـًا. هذه الأسطورة تفسّر أصل الـ “108 المحاربين الشجعان المارقين عن القانون”. “الممالك الثلاثة” [16] تبدأ بإنذار من السماء بوقوع كارثة، يُنبئ بحكم المشيئة الإلهية والذي لا رجعة فيه :”أمور هذا العالم الأرضي تتدفق مثل سيل متواصل، قدَرٌ مُسطرٌ من السماء لا يحدّ امتداده شيئ، يُنهي كل شيء.” وحكايات مشهورة أخرى، مثل حكاية قوم الـ “جو” الشرقيين [17]، والقصّة الكاملة ليوفاي [18]، تبدأ بأساطير مماثلة.
إنّ توظيف الأساطير من طرف هؤلاء الرّواة لم يكن مصادفة، بل انعكاسًا للفلسفة الأساسية للمثقفين الصينيين، هذه الفلسفة التي تنتمي للطبيعة وللإنسان ـ إنه تأمّل وتفكـّر في الأصل الإلهي للحياة البشرية. هذه الروايات كان لها عميق الأثر في نفس الشعب الصيني إلى درجة أنّ شخصياتها باتت رمزًا لبعض القيم الأخلاقية. مثلاً عند الحديث عن مفهوم “الاستقامة”، ما يتبادر إلى ذهن الناس هو غوان يو (160ـ 219 م) في الممالك الثلاثة ـ يتذكرون كيف أنّ نزاهته واستقامته قد تخطـّتا حدود السحاب وبلغتا السماء، وكيف أنّ ولاءه الراسخ لقائده ليو باي جعله جديرًا بالاحترام حتـّى من طرف أعداءه، وكيف أنّ شهامته في المعركة كانت لها الكلمة الأخيرة حتـّى في أصعب الظروف، وحتـّى في هزيمته النهائية في معركة على مقربة من مدينة ماي، وأخيرًا، وعندما أصبح إلهًا من الآلهة، الحديث الذي دار بينه وبين ابنه. عند الحديث عن “الولاء”، يتبادر لأذهان الناس بالطبع ليو فاي (1103ـ1141 م) القائد الأكبر في مملكة سونغ والذي خدم بلاده بإخلاص وولاء لا ينضبان، وجوغو ليانغ (181ـ234 م) الوزير الأول في دولة شو أثناء فترة الممالك الثلاث والذي “بذل نفسه بسخاءٍ إلى أن توقف قلبه نهائيّا عن النبض”.
مدح الولاء والاستقامة في الثقافة العريقة الصينية كله قد بُني عبر القصص الجميلة لهؤلاء الكتـّاب. القيم الأخلاقية المجرّدة التي تتبناها هذه القصص تمّ تجسيمها بصفة خصوصية وتجسّدت في أشكال تعبيرية ثقافية.
الطاوية تضع الثقل على الحق، البوذية تضع الثقل على الرحمة، والكونفوشيوسية تشيد بالولاء، والحلم، والإحسان، والاستقامة. “إن كانت أشكالها تختلف، فإنّ غاياتها مماثلة…كلها تشجّع الناس على العودة إلى الطيبة.” [19] هذه هي الجوانب الثمينة في الثقافة الصينية الأصيلة المبنية على الإيمان بالكونفوشيوسية، والبوذية، والطاوية.
لقد علـّمت الثقافة الصينية الأصيلة الناس مفاهيم ومبادئ هامة مثل : السماء، الطاوو، الله، بوذا، القدر، الرابطة القدرية، الإحسان، الاستقامة، التهذيب، الحكمة، الإخلاص، النزاهة، البرّ بالوالدين، الكرامة، الخ. ربما كثير من الصينيين أمّيون ولكنهم قد ألفوا المسرحيات والأوبرا التقليدية التي يتعلمون من خلالها الأخلاقيات الأصيلة. هذه الأشكال الثقافية كانت على غاية من الأهمية في نقل التراث الصيني. إذ ًا فتدمير الثقافة والتراث الصينيين من طرف الح ش ص هو بدون شك طعن في الأخلاقيات الصينية وهدمٌ لأسس السلام والانسجام في المجتمع.

2- النظرية الشيوعية الفاسدة تقف على طرف النقيض من الثقافة والتراث
إنّ “فلسفة” الحزب الشيوعي هي على طرف النقيض من الثقافة الصينية الأصيلة الحقة. الثقافة الأصيلة تحترم حكم السماء، مثلما قال ذلك كونفوشيوس مرّة :”الحياة والموت مُقدّران، والغنى والمركز الاجتماعي تقسّمهما السماء”. [20] البوذية والطاوية تؤمنان بالإله، بدورة الحياة والموت والتجسد، وبالقانون الجزائي : الكارما، الذي يمثل جزاء الخير وجزاء الشر. على عكس ذلك، الحزب الشيوعي، لا فقط يعتقد في الإلحاد، ولكنه أيضًا يتحدّى الطاوو ويتهجم على القوانين السماوية. الكونفوشيوسية تقدّر قيمة وأهمية الأسرة، أمّا بيان الحزب الشيوعي فيدعو صراحة إلى حلّ الكيان الأسري. الثقافة الأصيلة تفرّق بين الصيني والأجنبي، أمّا بيان الحزب الشيوعي فينادي بزوال مفهوم القومية. الثقافة الكونفوشيوسية تعلم الإحسان إلى الآخر، أمّا الحزب الشيوعي فيشجع على الصراع بين الطبقات. الكونفوشيوسيون يدعون إلى الولاء والإخلاص لذوي النفوس النبيلة والرفيعة وإلى حب الوطن، أمّا بيان الحزب الشيوعي فيشجع على إزالة الأمم.
للحصول على السلطة والحفاظ عليها في الصين، كان على الحزب الشيوعي بادء ذي بدءٍ أن يغرس أفكاره وفلسفته اللاّـ أخلاقية في الأرض الصينية. لقد صرّح ماوو تسي تونغ بما يلي :”كل مرّة نريد فيها الإطاحة بحكمٍ مّا، يجب أوّلاً الاعتناء جيّدًا بالدعاية ومسألة الإيديولوجيا”.[21] لقد فهم الح ش ص أنّ النظرية الشيوعية العنيفة، إن لم تكن مدعومة سوى بالسلاح، فلن تعدو أن تكون قمامة المفاهيم والإيديولوجيات الغربية، وليس بوسعها أن تقف في مواجهة الـ 5.000 سنة من تاريخ الثقافة الصينية العميق. لذلك دمّر تدميرًا كاملاً هذه الثقافة الأصيلة، ليتسنى للماركسية واللينينية أن يحتلاّ الساحة السياسية للصين.

3- الثقافة العريقة حاجز أمام ديكتاتورية الح ش ص
قال ماوو تسي تونغ مرّة قولة صدق، أنه لا يتـّبع الطاوو ولا السماء. [22] لقد مثلت الثقافة الصينية العريقة حجر عثرة ضخمًا أمام رغبة الح ش ص في تحدّي الطاوو ومناصبة العداء للسماء.
الولاء في الثقافة الصينية العريقة لا يعني تفانيًا أعمى. في نظر الشعب، الامبراطور هو “ابن السماء” ـ والسماء فوقه. الامبراطور لا يمكن أن يكون مُصيبًا دائمًا. لذلك كان هناك مُراقبون يشيرون على الامبراطور بأخطاءه. النظام الصيني للحوليّات يضم مؤرخين كانوا يسجلون كل كلمات وحركات الامبراطور. كان يمكن أن يقوم العلماء بدور الأساتذة والمعلمين لملوكهم الحكماء، وكان سلوك الامبراطور يتمّ تقييمه وفق المراجع الكلاسيكية الكونفوشيوسية. إذا كان الامبراطور عديم الأخلاق، ولا يفهم الطاوو، كان الشعب يستطيع أن ينهض ويُطيح به، مثلما هو موجود في هجوم دجيي بشانغتانغ أو خلع حكم الـ “جو” على يد الملك “وو” [23]. هذه الثورات، من منظور الثقافة العريقة، لم تكن تـُعتبر انتهاكـًا لمبدأ الولاء أو الطاوو، بل بالأحرى كانت تطبيقـًا للطاوو باسم السماء. عندما اقتيد القائد العسكري الشهير وان تيانسيانغ سجينـًا (1236ـ1283 م) [24]، رفض الاستسلام للغزاة المغول، حتى بعد أن حاول الامبراطور إقناعه بذلك. لأنه بصفته كونفوشيوسيّا، كان يؤمن بأنّ “الشعب يأتي في المرتبة الأولى أهمّية، وبعده يأتي الوطن، ثم يأتي الحاكم في مرتبة أقل أهمية.” [25]
لم تكن ديكتاتورية الح ش ص لتقبل أبدًا هذه الاعتقادات الأصيلة. كان الح ش ص يسعى لجعل قوّاده الخاصين محلّ تقديس من طرف الشعب، وينشر عبادة الفرد. لم يكن ليترك مفاهيم قديمة مثل السماء و الطاوو والآلهة تتحكـّم من فوق. كان الح ش ص يعلم جيّدًا أنّ ما يفعله ـ حسب مقاييس الثقافة الأصيلة ـ كان يُعتبر جريمة في حق السماء وحق الطاوو. كان أيضًا يعي جيّدًا أنّه مادامت الثقافة الأصيلة موجودة، فالناس لن يمتدحوا “عظمة الح ش ص، ومجده، وكماله”، وأنّ العلماء سيواصلون على الدرب التقليدي المتمثل في “تعريض حياتهم للخطر في سبيل انتقاد التصرفات السيئة للحاكم”، وفي “الحفاظ على العدل ولو دفعوا حياتهم ثمنـًا لذلك” [26]، وفي وضع الشعب في مكانة فوق مكانة الحكـّام. إذ ًا فالشعب بهذه الطريقة لن يصير أرجوزة بيد الح ش ص والح ش ص لن يتسنـّى له أن يفرض طريقة تفكير موحّدة على الجماهير.
كما أنّ احترام السماء والأرض والطبيعة الموجود في الثقافة الأصيلة أصبح عائقـًا أمام “مكافحة الطبيعة” التي أتى بها الح ش ص ومحاولته لـ “تغيير السماء والأرض”. الثقافة العريقة تعلم أنّ الحياة البشرية غالية وتعلم أنّ “كلّ وضعية تكون فيها الحياة البشرية في الميزان يجب أن يتمّ تناولها بعناية واهتمام فائقيْن”. هذه النظرة كانت بالطبع عائقـًا أمام المجازر الجماعية للح ش ص وحكمه المرعب. وأخيرًا مقياس “الطاوو السماوي” الذي تعتمده الثقافة العريقة من شأنه أن يُعرقل ويقف حائلاً أمام تلاعب الح ش ص بالمبادئ الأخلاقية. لكلّ هذه الأسباب، قام الح ش ص بمناصبة العداء للثقافة العريقة بغاية الحفاظ على سلطته.

4- الثقافة العريقة تتحدّى شرعيّة حكم الح ش ص
الثقافة الموروثة تعتقد في الإله وفي حكم السماء. الرّضا بمشيئة السماء يعني أنّ الملوك يجب أن يكونوا حكماء، ويتـّبعوا الطاوو، ويرضوْا بالقدر والمصير. الإيمان بالآلهة يعني ضمنيّا الاعتراف بأنّ سلطة البشر تنبع من السماء. على طرف النقيض من ذلك، نجد أنّ مبدأ سيادة الح ش ص يتلخـّص في “لن تقيّدنا قيود التراث أبدًا بعد اليوم، انهضوا أيها العمّال، تحرّروا من العبودية. الأرض ستنبني على أسس ٍ جديدةٍ ؛ نحن الآن لا شيئ ولكننا سنغدو كلّ شيءٍ”. [27]
الح ش ص يروّج للمادية التاريخية، ويدّعي أنّ الشيوعية هي جنّة على الأرض، وأنّ طلائع البروليتاريا أو أعضاء الحزب الشيوعي هم من يقود خطانا على الطريق إلى هذه الجنّة. إذ ًا فالاعتقاد في الله كان تحدّيًا مباشرًا لشرعيّة حكم الح ش ص.

II. كيف يعرقل الحزب الشيوعي الثقافة الموروثة
كلّ ما يفعله الح ش ص له غاية سياسية. بهدف إرساء الطغيان والإبقاء عليه وتدعيمه، كان على الح ش ص أن يستبدل الطبيعة البشرية بطبيعة الحزب الفاسدة ويستبدل الثقافة الصينية الموروثة بثقافة الحزب، المصنوعة من “الكذب والقسوة والعنف”. ما تمّ تدميره واستبداله هي الآثار الثقافية، المواقع التاريخية والكتب القديمة، والتي هي شواهد حيّة على الرؤية القديمة للأخلاق والحياة والعالم. كلّ نواحي الحياة نجدها هنا، بما في ذلك سلوك الناس، وتفكيرهم، وطريقة عيشهم. وفي خط موازٍ، نجد أنّ الح ش ص يعتبر التظاهرات الثقافية السطحية والتافهة “جوهرية”، وهو يرعاها ويضع هذا “الجوهر” في الواجهة للتمويه. إنه يُبقي على شبه تراثٍ في نفس الوقت الذي يستبدل فيه التراث الحقيقي بثقافة الحزب. ثمّ يخدع الناس والرأي العام العالمي مُتخفّيًا وراء هذه الواجهة الكاذبة التي صنعها والتي يُسمّيها “تناقل وتطوير” الثقافة الصينية الموروثة.

1- تحطيم الديانات الثلاث في نفس الوقت
الثقافة الكلاسيكية متجذرة في الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية. فلتحطيم هذه الثقافة، بادر الح ش ص أوّلاً إلى تحطيم الكيان الذي فيه تتجلـّى هذه القوانين الإلهية، ألا وهو الدين، وذلك يعني اجتثاث الديانات الثلاث الموجودة والقضاء عليها.
تعرّضت الديانات الثلاث الكبرى، الكونفوشيوسية، والبوذية، والطاوية، لخطر التدمير في فترات تاريخية مختلفة. لنأخذ مثلاً البوذية، والتي تعرّضت في التاريخ إلى أربع محنٍ كبرى تدعى :”الوو الثلاثة والتسونغ” (اضطهاد البوذيين على أيدي أربعة أباطرة صينيين). الامبراطور تايوو [28] من الأسرة المالكة واي التابعة للشمال (386ـ534 ق م) والامبراطور وو دزونغ من الأسرة المالكة التانغ (618ـ 907 ق م) [29]، كلاهما حاول اقتلاع البوذية لإفساح المجال أمام الطاوية ؛ الامبراطور “وو” [30] من مملكة “جو” الشمالية (557ـ581 ق م) حاول القضاء نهائيّا على البوذية والطاوية معًا، وفي المقابل كان يقدّس الكونفوشيوسية ؛ الامبراطور شيجونغ [31] في نهاية فترة حكم الـ “جو” (951ـ960 م) حاول القضاء على البوذية فقط بهدف استعمال التماثيل لصكّ النقود، ولكنه لم يمسّ من الطاوية ولا الكونفوشيوسية.
الح ش ص هو النظام الوحيد الذي دمّر هذه الديانات الثلاث جميعها في آنٍ واحدٍ.
لم يمض وقت طويل على تأسّس حكومته، حتى كان الح ش ص قد بدأ في هدم المعابد، وفي حرق النصوص، وفي إرغام الرهبان والراهبات على الرجوع إلى الحياة الدنيوية. ولم يكن أرحم إزاء الأماكن الدينية الأخرى. في نهاية السنوات 1960، لم يعد هناك تقريبًا أماكن عبادة في الصين. إنّ الثورة الثقافية الكبرى ـ في حملتها “لتسقط الأشياء البالية الأربعة” [32] أي : الأفكار القديمة، الثقافة القديمة، التقاليد القديمة، والعادات القديمة ـ قد سبّبت أكبر الكوارث الدينية والثقافية.
مثلاً، أول معبد بوذي في الصين كان يُسمّى معبد الحصان الأبيض (معبد باي ما) [33]، كان قد بُني في بداية حكم سلالة الهان، خارج أسوار مدينة لوو يونغ. يحظى هذا المعبد بإجلال خاصّ نظرًا لكونه يُعتبر “مهد البوذية في الصين” و “بيت المُؤسّس”. وطبعًا أثناء فترة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة”، لم يسلمْ معبد الحصان الأبيض هو أيضًا من النهب.
“كانت هناك فرقة إنتاج مُكلـّفة بمعبد الحصان الأبيض بجانب المعبد. لقد دفع سكرتير دائرة الحزب القرويين إلى نهب المعبد باسم “الثورة”. فدُمّرت تماثيل الطين التي يعود عهدها إلى أكثر من 1.000 سنة، والمصنوعة في فترة حكم “اللياوو” والتي تمثل الأرهات الثمانية عشر، وأ ُحرقت مخطوطات بايي المقدسة، [34] وهي مخطوطات جلبها إلى الصين راهب هندي مشهور منذ 2.000 سنة، وكـُسر حصان اليشب، وهو كنز نادر، وصار حطامًا. بعد مرور سنوات عديدة على وقوع ذلك، طلب الملك الكمبودي المنفي “نورودوم سيهانوك” الإذن لكي يذهب ويصلـّي في معبد الحصان الأبيض. فسارع جو آنلاي، الذي كان آنذاك الوزير الأول، بإحضار نصوص سوطرا بايي المحفوظة في القصر الامبراطوري ببيكين ـ سارع بإحضارها إلى لوو يونغ، وبإحضار تماثيل الأرهات الثمانية عشر المصنوعة في عهد مملكة التشينغ ونقلها من مكانها في معبد الغيوم اللاّزوردية (معبد بيي وون) الواقع في منتزه سيانغ شان [35] بضواحي بيكين. وهكذا، وبواسطة عمليّة الغشّ هذه، تمّ تجنـّب مأزق ديبلوماسي.” [36]
لقد بدأت الثورة الثقافية في مايو 1966. في الواقع، كانت “تـُدخل الثورة” على الثقافة الصينية بشكل مدمّر. إنّ حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة” تأجّج سعيرها بداية من أغسطس 1966، واكتسحت الصين بأكملها اكتساحًا مدمّرًا. صارت المعابد البوذية، والطاوية، وتماثيل بوذا، والمواقع التاريخية، والمخطوطات والرسوم والأشياء العتيقة، باعتبارها أشياء تنتمي إلى “الإقطاعية، والرأسمالية، والتعديلية”، صارت هي بالأساس من يستهدفها الحرس الأحمر بالتدمير والتخريب. [37] خذ كمثال على ذلك تماثيل بوذا : نعدّ 1.000 تمثال من تماثيل بوذا ذات الألوان اللامعة والنقوش الناتئة على قمّة تلّ العمر المديد التابعة للقصر الصيفي [38] ببيكين. بعد حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة”، لحق الضرر بها كلها. ليس فيها تمثال واحد اليوم يملك أعضاءه الحسية الخمسة كاملة.
والأمور التي حدثت في العاصمة حدث مثلها في البلاد كلها. حتـّى المقاطعات النائية لم تسلمْ.
“هناك معبد التيانتاي يقع في مقاطعة داي من إقليم شآنسي، تمّ بناؤه 1.600 سنة إلى الوراء أثناء فترة تايي يان في عهد مملكة الواي بالشمال، وكان هذا المعبد يضمّ تماثيل ورسومًا جدارية قيّمة كثيرًا. ورغم أنه كان يقع على منحدر تلّ بعيد عن مقـرّ المقاطعة، إلاّ أنّ الناس المشاركين في حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة” لم تُثنهم الصعوبات على الطريق المؤدّي للمعبد، وبدّدوا تلك التماثيل وتلك الرسوم الجدارية. هناك أيضًا معبد لوغوان [39] حيث درّس لاوو تسي وحيث ترك الطاوو تي كينغ الشهير منذ 2.500 سنة، يقع في مقاطعة جوجي من إقليم شآنسي. حول المكان الذي كان لاوو تسي يدرّس فيه، في محيط 10 لي، [40] نجد أكثر من 50 موقعًا تاريخيا، بما في ذلك معبد الحكيم (جونغشانغ غونغ) والذي شيده تانغ غاوو دزو لي يوان [41] تقديرًا وإجلالاً للاوو تسي، وذلك منذ 1.300 سنة. معبد لوغوان ذاك، والمواقع التاريخية الأخرى وقع تدميرها، وكلّ الرهبان الطاويين اضطرّوا للرحيل. حسب ما جرت به العادة في الطاوية، إذا أصبح أحدهم راهبًا طاويّا، عليه ألاّ يحلق لحيته بعد ذلك ولا يقصّ شعره. ولكنهم أجبروا الرهبان الطاويين على قصّ شعورهم، وعلى خلع ثوبهم الطاوي، وعلى أن يصبحوا أفرادًا من عامة الشعب. [42] البعض منهم تزوجوا أخوات القرويين في ذلك المكان وأصبحوا أصهارهم. في الأماكن الطاوية المقدّسة على جبل لاووشان في إقليم شاندونغ، معبد السلام الأعظم، معبد الضياء الساطع، معبد النور الأعظم، معبد دومو، دير هوايان، معبد نينغجان، معبد غوان يو “تماثيل المراكب القربانية والإلهية، مخطوطات السوطرا البوذية، الآثار الثقافية، وألواح المعابد، كلها وقع نهبها وحرقها. معبد الأدبيات في مقاطعة جيلين هو أحد المعابد الأربعة المشهورة لكونفوشيوس في الصين. أثناء حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة”، لحقت به أضرار جسيمة.” [43]

2- أسلوب خاص في القضاء على الدين
كان لينين يقول :”أسهل طريقة لحصار قلعة هو أخذها من الداخل”. بصفته سليل الماركسية-اللينينية، فإنّ الح ش ص يعي هذا جيّدًا.
في سوطرا الـ “ماهايانا ماهابارانيرفانا”، [44] تنبّأ البوذا ساكياموني بأنه بعد بلوغه النيرفانا، سوف ينزل الشياطين متجسدين في صورة رهبان وراهبات، وبوذيين لاييكيين، رجالاً ونساءًا، لكي يُفسدوا الشرع (الدهارما). طبعًا لا يمكننا أن نعرف تمامًا ما عناه البوذا ساكياموني بالضبط في كلامه ذاك، ولكن الح ش ص شرع فعلاً في تخريب البوذية عبر تكوين “جبهة موحّدة” برفقة بعض البوذيين. بل وحتـّى أنهم أرسلوا سرّا أعضاء من الحزب لكي يندسّوا مباشرة داخل المؤسسة الدينية وينخروها من الداخل. أثناء حصة مخصصة للنقد العام في عهد الثورة الثقافية، سأل أحدهم جاوو بوشو، نائب رئيس جمعية البوذيين الصينيين :”أنت عضو في الحزب الشيوعي، لماذا تعتقد في البوذية ؟”
لقد بلغ البوذا ساكياموني اليقظة الكاملة والعظمى عبر “زهد، تأمل، حكمة”. إذ ًا فقبل أن يبلغ النيرفانا، أوصى طلاّبه بأن “يحافظوا على التعاليم ويحترموها”. “لا تتركوها، لا تخرقوها”. كما حذر قائلاً :”الناس الذين يخالفون التعاليم منبوذون من جميع السماوات، والتنينات، والأشباح، والأرباب. صيتهم السيّء يمتدّ إلى كلّ مكان…وعندما تنتهي حياتهم، مآلهم الجحيم يسدّدون فيه الكارما التي سجلوها، ونهايتهم محتومة. عندما يخرجون، يستمرّون في العذاب إذ يتجسدون في أشباح أو حيوانات جائعة. وهكذا يظلون في دورة عذاب لا تنتهي وبلا راحة.” [45]
الرهبان البوذيون السياسيون لم يشاؤوا الإصغاء إلى تحذيرات بوذا. في 1952، أرسل الح ش ص ممثلين عنه لحضور افتتاح جمعية البوذيين الصينيين. أثناء الاجتماع، بوذيون كثيرون من الجمعية اقترحوا إلغاء التعاليم البوذية، وادّعوْا أنّ هذه التعاليم قد سببت موت عدد كبير من الرجال الشبان والنساء الشابات. البعض كانوا يدعون إلى أنّ “الناس أحرار في اعتناق الديانة التي يشاؤون، أيّا كانت ؛ وأنّ الرهبان والراهبات يجب أن يكونوا أحرار في أن يتزوجوا إن أرادوا، وأن يشربوا الخمر ويأكلوا اللحم. ينبغي ألاّ يتدخل أحد في ذلك.” في ذلك الوقت كان الشيخ سويون حاضرًا في الاجتماع، وعاين أنّ البوذية كانت مهدّدة بخطر الانقراض من الصين. فبادر بالتصدّي إلى هذه الاقتراحات، وطلب المحافظة على التعاليم البوذية وعلى اللباس البوذي. فوقع التشهير بالشيخ سويون وباتهامه بكونه “ضدّ-الثورة” وحُبس في حجرة رئيس الرهبان حيث حُرم من الطعام والشراب. ولم يتركوه يغادر الحجرة حتى للذهاب إلى دورة المياه. وأمروه بتسليم ذهبه، وماله، وماله من أسلحة، وعندما أجاب سويون أنه لا يملك هذه الأشياء، ضربوه بعنف، ووقع له كسر في الجمجمة، ونزف رأسه وكـُسرت أضلاعه. آنذاك كان سويون يبلغ من العمر 122 من العمر. ورمته الشرطة أرضًا في حين أنه كان يرقد على سرير. عندما رجعوا في الغد، وجدوه على قيد الحياة بعدُ، فاستمرّوا في ضربه بعنفٍ.
جمعية البوذيين الصينيين التي تأسست عام 1952، والجمعية الطاوية الصينية التي تأسست عام 1957، أعلنتا بوضوح في بيانهما التأسيسي أنهما “تحت راية حكومة الشعب”، في الواقع كانتا تحت سيطرة ومراقبة الحزب، الذي هو حزب مُلحد. هاتان الجمعيتان أشارتا إلى أنهما ستـُسهمان بصفة فعّالة في صناعة وفي بناء وفي تطبيق السياسات الحكومية. لقد أصبحتا منظمتيْن دنيويّـتيْن تمامًا. بينما البوذيون والطاويون الذين كانوا مخلصين للتعاليم لـُقـّبوا بـ “أعداء الثورة”، وبـ “عناصر طائفية من طائفات الخرافة والجماعات السرية”. تحت الشعار الثوري القائل بـ “تطهير عقول البوذيين والطاويين”، حُبسوا، وحُكم عليهم بالأشغال الشاقة، بل وحتـّى أعدِموا. الديانات القادمة من الغرب مثل المسيحية والكاثوليكية لم تسلمْ هي أيضًا.
وفق إحصائيات مأخوذة من كتاب “كيف يضطهد الحزب الشيوعي الصيني المسيحيين”، المنشور سنة 1958، حتـّى الوثائق القليلة التي وُضعت في متناول العموم تكشف أنه من بين الكهنة الذين اتـّهـِموا بكونهم “أصحاب أملاك” أو “طغاة محليين”، 8.840 قـُتـِلوا، و39.200 أرسـِلوا إلى مخيّمات الأشغال الشاقة. ومن بين الكهنة الذين اتـّهـِموا بكونهم أعداء الثورة 2.450 قـُتـِلوا و24.800 أرسـِلوا إلى مخيّمات الأشغال الشاقة. [46]
الأديان هي وسيلة يبتعد بواسطتها الإنسان عن العالم الدنيوي ويتعهد نفسه بالتربية الروحية. الأديان تتحدث عن “الضفة الأخرى” (ضفة اليقظة النهائية) و”الجنّة”. ساكياموني كان أميرًا هنديّا. لبلوغ الموكتي [47]، وهي حالة يمكن للمرء فيها أن يبلغ طمأنينة النفس والحكمة واليقظة النهائية والنيرفانا [48]، تخلـّى عن عرشه وذهب إلى الجبل والغابة للعبادة، مجتازًا محنـًا وشدائد. قبل أن يبلغ يسوع اليقظة، حمله الشيطان على قمّة جبل، وأراه كل ممالك الأرض وبهاءها ومباهجها. وقال الشيطان :”إن رضخت وعبدتني، سأعطيك كل هذه الأشياء”. ولكن يسوع لم ينغو. بينما الرهبان والقساوس السياسيون الذين شكـّلوا جبهات موحّدة مع الح ش ص أعدّوا خدعًا وكذبوا عندما تحدثوا عن “بوذية العالم الدنيوي”، وعندما قالوا :”الدين هو الحق، والاشتراكية أيضًا”، و”ليس هناك تناقض بين هذه الجهة والجهة الأخرى”. لقد شجعوا البوذيين والطاويين على السعي وراء السعادة، والمجد، والأبهة، والثروة، والمركز الاجتماعي، وعلى تغيير التعاليم الدينية ومدلولها.
البوذية تحرّم القتل ؛ والح ش ص قتل الناس كالذباب أثناء “قمع أعداء الثورة” [49]. ووجد الرهبان السياسيون ذريعةً، وقالوا :”قتل أعداء الثورة إنما هو دليل على رحمة أكبر”. أثناء “حرب صدّ هجوم الولايات المتحدة ومساعدة كوريا” (1950- 1953) [50]، تمّ إرسال الرهبان إلى الصفوف الأمامية ليقاتلوا.
لنأخذ المسيحية كمثال. في 1950، كوّن وو ياوتسونغ [51] كنيسة تسمّى “الاستقلاليات الثلاث” تتـّبع مبادئ التسيير الذاتي، واستقلالية الموارد والدعاية الذاتية. كان يدّعي أنه سيتخلص من الامبريالية وأنهم سيلتحقون فعلاً بصفوف الحرب ضدّ الولايات المتحدة في كوريا. أحد أصدقاءه سُجن لمدّة تفوق العشرين سنة لأنه رفض الخضوع لـ “الاستقلاليات الثلاث”. هذا الصديق تعرّض لشتى أنواع التعذيب والإهانة. وقد سأل هذا الصديق وو ياوتسونغ مرّة :”ما رأيك في معجزات عيسى ؟” فأجاب وو :”أنا أنكر وجودها.”
إنكار معجزات عيسى يعني إنكار جنّة عيسى ومملكته السماوية. كيف يمكن أن يسمّي الشخص نفسه مسيحيّا إذا كان لا يؤمن حتـّى بوجود السماء التي صعد إليها عيسى ؟ ورغم ذلك، باعتباره مؤسّس كنيسة “الاستقلاليات الثلاث”، أصبح وو ياوتسونغ عضوًا في اللجنة الدائمة للندوة الاستشارية السياسية. عندما ذهب إلى قاعة الشعب الكبرى [52]، حدث أن نسي تمامًا عبارات عيسى :”أحبّ الربّ إلهك بكل مجامع قلبك وروحك وعقلك. هذه أوّل وصية وأعظم وصية”. (التوراة المقدسة، ماثيو22 : 37 ـ 38) “أعطوا للقيصر ما للقيصر وللربّ ما للربّ” (التوراة المقدسة، ماثيو22 : 21).
لقد “صادر [الح ش ص] ممتلكات المعابد، وأجبر الرهبان والراهبات على دراسة الماركسية ـ اللينينية ليغسل أدمغتهم ؛ وأجبرهم حتـّى على القيام بالأشغال الشاقة. مثلاً، كانت هناك “ورشة بوذية” بنيتغهه، في مقاطعة جيدجيانغ، أكثر من 25.000 راهب وراهبة وُضعوا فيها قيد العمل الإجباري. والأمر العديم المعنى أكثر هو أنّ الح ش ص أجبر الرهبان والراهبات على الزواج لكي يقضي على البوذية. مثال آخر ـ في سنة 1951، قبيل حلول 8 مارس، وهو اليوم العالمي للمرأة، أصدرت الجمعية النسائية بشانغشا في مقاطعة هونان أمرًا لراهبات تلك المقاطعة بأن يتزوجن في ظرف أيام قليلة. وبالإضافة إلى ذلك تمّ إجبار الرهبان الشبان الأقوياء على الالتحاق بالجيش وأرسلوهم إلى ساحات القتال ليكونوا طعامًا للمدافع [53].
مختلف الجماعات الدينية في الصين تفكـّكت وتلاشت تحت القمع الوحشي للح ش ص. النخبة الحقيقية سواءًا في البوذية أو الطاوية، كلاهما اضطـُهدت. من بين أولئك الذين بقوْا، كثير هم الذين عادوا إلى الحياة الدنيوية، وآخرون كثيرون كانوا في الحقيقة أعضاء من الحزب الشيوعي قد تخصّصوا في التنكـّر تحت العباءة (الكازايا) [54]، أو الثوب الطاوي أو ثوب القسّيس ليشوّهوا النصوص البوذية والتعاليم الطاوية والتوراة ويبحثوا داخل هذه التعاليم عن ذرائع ومبرّرات للحملات السياسية للح ش ص.

3- تخريب الآثار الثقافية
تدمير المواقع الثقافية هو قسط هامّ من العمل التخريبي الذي مارسه الح ش ص على الثقافة والتراث. أثناء حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة”، كثير من الكتب والمخطوطات والرسوم الأصلية والفريدة والتي جمعها مثقفون التهمتها ألسنة اللهب أو حُوّلت إلى عجين ورق. كان جانغ بوجون [55] يملك مجموعة عائلية تحتوي على 10.000 كتابًا. قوّاد الحرس الأحمر أشعلوها وتدفـّوْا عليها. وما بقي أرسِل إلى طواحين الورق ليُصنع منه عجين ورق.
“يُعرف الخطاط والرسام الكبير هونغ كيوشانغ باسم “سيّد المعجزات” فيما يخصّ المخطوطات والرسوم القديمة. لقد جمع عددًا لا يُحصى من الإبداعات الفنية، مثل رسم مشهد طبيعي للامبراطور سونغ خويدزونغ [56]، رسم عود من القصب لسو دونغبو [57]، ورسوم وانغ جانغمينغ [58] وتانغ بوهو [59]. طيلة عدة عشريّات، مئات المخطوطات والرسوم التي أنقذها، معظمها أصبحت مجموعة وطنية من الصنف الأول. المخطوطات والرسوم التي جمعها [هونغ كيوشانغ] بجهد وعناء، اعتـُبـِر أنها تنتمي لـ “الأشياء البالية الأربعة” وأ ُحرقت. بعد ذلك، قال السيد هونغ وهو يبكي :”أكثر من 100 جين [60] (50 كيلوغرام) من المخطوطات والرسوم ؛ لقد استغرقت وقتـًا لكي تحترق !” [61]
“أشياء هذا العالم تمضي وتأتي،
قديمة، حديثة، تمضي وتأتي،
الأنهار والجبال لها مجد دائم،
نستطيع دائمًا أن نراها من هذا الطريق…” [62]
إن كان الصينيون اليوم يتذكرون بعض الأجزاء من تاريخهم، فربما لن يُحسوا بنفس الشيء عندما يقرأون هذه القصيدة لمانغ هاووران. المواقع التاريخية في الجبل وعلى ضفاف النهر الشهير قد دُمّرت، واختفت في خضمّ حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة”. لا فقط دمّروا “جناح خُصى الذئب (نوع من النباتات)”، حيث كتب وانغ سيجي [63] مقدّمته الشهيرة :”مقدّمة لمجموعة القصائد المنظومة في جناح خصى الذئب” [64]، بل قبر وانغ سيجي نفسه وقع نبشُه. المسكن القديم ليُوو شانآن [65] في مقاطعة جيانغسو دُمّر هو أيضًا، كما وقع اجتياح مبنى وو دجينغتسي [66] في مقاطعة آنهوي، اللوحة الحجرية التي كان مكتوبًا عليها “جناح الرجل العجوز الثمل” [67] والتي كتبها سو دونغو كـُتِب عليها بدلاً من ذلك “الشباب الثوريون” [68] والحروف المحفورة أصلاً في الحجر مُحـِيَتْ.
إنّ جوهر الثقافة الصينية قد تمّ تناقله وتجمّع منذ آلاف السنين. وإذ دُمّر، لا يمكن إعادته للحياة من جديد. ولكن الح ش ص، وباسم “الثورة”، بدّده بوحشية، ودون أسفٍ ولا حياءٍ. عندما كنّا ننتحب قبالة القصر الصيفي القديم، المعروف باسم “قصر القصور”، والذي أحرقته قوات الحلفاء البريطانية-الفرنسية، و نأسفُ على موسوعة يونغل [69]، ذلك العمل العظيم الذي دمّرته نيران حروب الغزاة، كيف كان يمكن أن نتصوّر أنّ الدمار الذي سيسبّبه الح ش ص سيكون أكثر شمولاً وأكثر قسوةً وأكثر عمقـًا ممّا خلـّفه أيّ غاز من الغزاة ؟

4- تدمير المعتقدات الروحية
لم يكتف الح ش ص بتدمير أشكال الدين والثقافة، بل استعمل أيضًا كلّ ما بوسعه لكي يقضي على الهويّة الروحية للناس، والتي قوامها العقيدة والثقافة.
ولنأخذ كمثال الطريقة التي عامل بها الح ش ص معتقدات الجماعات العرقية. كان الح ش ص يعتبر عادات جماعة المسلمين “خوي” أنها تنتمي للـ “أشياء البالية الأربعة” ـ تفكير قديم، ثقافة قديمة، عادات قديمة، وتقاليد قديمة. فكان منه أن أكره جماعة خوي على أكل لحم الخنزير ـ كان على الفلاّحين المسلمين والمساجد أن يربّوا الخنزير وكلّ أسرة كان عليها أن تهدي خنزيرين في السنة للدولة. أثناء حادثة قاسية جدّا، أجبر الحرس الأحمر البوذا التيبتي الحي الثاني في الترتيب، البانشان لاما، على أكل فضلات بشرية (غائط)، كما أجبروا ثلاثة رهبان من المعبد البوذي بهاربين في مقاطعة هايلونغجيانغ على أن يمسكوا بلافتة كـُتب عليها “لتذهب السوطرا إلى الجحيم، ليست سوى كوم قاذورات”.
في 1971، هرب لين بياو [70]، نائب رئيس اللجنة المركزية للح ش ص، من الصين، ولكنه قـُتل عندما تحطمت طائرته في أوندورخان بمنغوليا. إثر هذه الحادثة، تمّ العثور في مسكن ماوو جياوان في لين ببيكين على أقوال ومأثورات لكونفوشيوس. فأطلق الح ش ص حملة عنيفة لـ “انتقاد لين بياو”. هناك كاتب ينتحل اسم ليانغ سياوو [71] قد نشر في “الراية الحمراء” ـ المجلة الناطقة باسم الح ش ص ـ مقالاً تحت عنوان “من هو كونفوشيوس ؟”، كان المقال يصف كونفوشيوس على أنه مجنون يريد الرجوع إلى الوراء، ديماغوجي، فاسد ومحتال. ثم تلت ذلك مجموعة من الرسوم المصوّرة والأغاني التي تطعن في كونفوشيوس.
هكذا إذًا كيف تمّ القضاء على هيبة الثقافة وقداسة الدين.

5- تدمير بلا حدود
في الصين القديمة، كانت سلطة الحكومة المركزية تمتدّ إلى حدود المقاطعات، وتحت ذلك المستوى كانت العشائر تتمتع بتسيير ذاتي وسيادة ذاتية. وهكذا في تاريخ الصين، ظواهر مثل حرق الكتب ودفن العلماء الكونفوشيوسيين على يد الامبراطور تشين شي هوانغ [72] في مملكة تشين (207 ـ221 م) والحملات الأربع للقضاء على البوذية ما بين القرن الخامس والقرن العاشر على يد “الوو الثلاثة والتسونغ”، كلها ظواهر قد سـُلـّطت من فوق ولم تقدر على اجتثاث الثقافة. وبقي التراث الكلاسيكي والأفكار البوذية والكونفوشيوسية حيّة في دوائر واسعة من المجتمع. بينما حملة “لتسقط الأشياء البالية الأربعة” والتي قادها شباب من الطلبة بتحريض من الح ش ص، كانت حركة وطنية وشعبية يقودها “حماس تلقائي”. إنّ انتشار الح ش ص وامتداده في كلّ قرية عبر لجان للحزب على مستوى القرى، قد أحكم الخناق على المجتمع إلى درجة أنّ الحركة “الثورية” انتشرت وامتدّت إلى كلّ أوقية أرض في الصين، ولحق أثرها بكلّ شخص هناك، ولم يحُلْ شيء دون انتشارها ذاك.
لم يحاول أيّ امبراطور في التاريخ أن يجتثّ من نفوس الناس ما يعتبرونه أجمل شيءٍ وأقدس شيءٍ، مستعملاً العنف وحملة مُهينة مثلما فعل ذلك الح ش ص. إنّ القضاء على العقيدة يستطيع أن يدوم أكثر ويسبّب كوارث أكثر من التدمير المادّي فحسب.

6- إصلاح المثقفين
الحروف الصينية تجسّد خلاصة الـ 5.000 سنة من الحضارة. إنّ شكل وطريقة نطق كلّ حرف، والتعابير والإيحاءات الأدبية الناشئة عن اجتماعها، تنطوي كلها على دلالات ثقافية عميقة. لا فقط بسّط الح ش ص الحروف الصينية، بل حاول أيضًا أن يعوّضها بـ “بينيين” على شكل أبجدية، من شأنه أن يُفرغ الحروف الصينية واللغة الصينية من كلّ إرث ثقافي. غير أنّ خطة التعويض هذه باءت بالفشل ـ من حسن حظ اللغة الصينية. ولكن المثقفين الصينيين الذين يتقاسمون نفس الإرث لم يُسعفهم الحظ للهروب من الدمار.
قبل 1949، كانت الصين تعدّ تقريبًا مليونيْ مثقف. ورغم أنّ الكثير منهم قد درس في الغرب، إلاّ أنّ هذا لا يمنع أنهم ورثوا بعض الأفكار الكونفوشيوسية. لم يشأ الح ش ص الكفّ عن مراقبة المثقفين، لأنهم بصفتهم عناصر من الطبقة التقليدية للـ “الارستقراطية المثقفة”، فإنّ طريقة تفكيرهم كانت تلعب دورًا مهمّا في تكييف عقول الناس.
في سبتمبر 1951، أطلق الح ش ص “حركة إصلاح الأفكار” على نطاق واسع، وقد بدأ حملته وسط المدرّسين الجامعيين، مدرّسي المعاهد، والمدارس الابتدائية، وطلبة الجامعات” لكي يسردوا سيرتهم الذاتية سردًا وفيّا وبكلّ نزاهة، وذلك لينظف نفوسهم وأرواحهم من كلّ العناصر المعادية للثورة. [73]
لم يُحبّ ماوو تسي تونغ أبدًا المثقفين. لقد قال يومًا :”المثقفون يجب أن يعوا حقيقة، وهي أنّ الكثير من المثقفين المزعومين هم، نسبيّا، جاهلون تمامًا، بينما العملة والفلاّحون يعرفون أحيانـًا أكثر منهم.” [74] “مقارنة مع العملة والفلاّحين، فإنّ المثقفين الذين لم يقع إصلاحهم ليسوا نظيفين، وفي النهاية العملة والفلاّحون هم الأنظف، رغم أنّ أيديهم متسخة وأقدامهم قد علق بها روث البقر.” [75]
بدأ اضطهاد الح ش ص للمثقفين بمختلف أشكال الاتهامات، بداية من انتقاد وو سون [76] في 1951 لكونه “سيّر المدارس معتمدًا على مالٍ تسوّله”، وصولاً إلى تهجّم ماوو تسي تونغ تهجّمًا شخصيّا على الأديب هو فانغ [77] المُتهم بكونه مُعادٍ للثورة. في البداية، لم يكن المثقفون يُلقبون بـ “رجعيين”، ولكن انطلاقـًا من 1957، وبعد أن استسلم عدد كبير من المجموعات الدينية الكبيرة نتيجة لحركة “الجبهة الموحّدة”، تمكـّن الح ش ص من تركيز طاقته وصبّ اهتمامه على المثقفين. وهكذا أ ُطلقت حركة “ضدّ اليمينيين”.
مع نهاية فبراير 1957، زعم الح ش ص أنه سيترك “مائة زهرة تتفتـّحْ ومائة مدرسة فكرية تتجابهْ” ودعى المثقفين إلى الإدلاء باقتراحاتهم وانتقاداتهم للحزب، واعدًا إياهم بأنه لن ينتقم. فظنّ المثقفون الذين كانوا منذ فترة طويلة مستائين من الحزب بسبب طريقة تسييره لكلّ شيءٍ في كلّ ميدان، حتـّى لو لم يكن يفهمُ شيئـًا في ذلك الميدان، وبسبب تقتيله للناس الأبرياء أثناء حركتيْ “قمع أعداء الثورة” ما بين 1950 و 1953، و”تصفية أعداء الثورة” ما بين 1955 و 1957 ـ ظنوا أنّ الح ش ص قد أصبح أخيرًا منفتحًا ومتسامحًا. فشرعوا في التعبير عن مشاعرهم الحقيقية واحتدّت لهجة انتقاداتهم شيئـًا فشيئـًا.
حتى بعد سنين كثيرة، ظلّ الكثير من الناس يعتقدون أنّ ماوو تسي تونغ لم يبدأ في مهاجمة المثقفين إلاّ عندما نفد صبره من انتقاداتهم اللاذعة شيئـًا فشيئـًا. في الحقيقة الأمر غير ذلك.
في 15 مايو 1957، نشر ماوو تسي تونغ مقالاً بعنوان “الأمور بدأت تتغيّر” ووزّعه على أعضاء الح ش ص القدماء. فيما يلي بعض ما ورد في المقال :”في الآونة الأخيرة، بدا اليمينيون […] أكثر عزمًا وأكثر عنفـًا […]، إنّ اليمينيين ـ والذين هم أعداء للشيوعية، يحاولون بيأس أن يوقظوا إعصارًا بقوّة في الصين […] ويريدون القضاء على الحزب الشيوعي تمامًا.” [78] وإثر ذلك، الموظفون الذين لم يولوا أهمّية لحملة “ترك مائة زهرة تتفتـّحْ ومائة مدرسة فكرية تتجابهْ” أصبحوا فجأة ً متحمّسين و”جادّين”. ابنة جانغ بوجون تحدثت عن ذلك في مذكراتها “الماضي لا يتلاشى مثل الدخان” :
“لي وايهان، وزير قسم الشغل في الجبهة الموحّدة، اتصل بجانغ بوجون شخصيّا يدعوه إلى لقاء إصلاحيّ ليعطي رأيه في الح ش ص. أجلسوا جانغ على أريكة في الصفّ الأول. جانغ لم يكن يعلم أنه شـِرك، وعبّر عن انتقاداته. طوال اللقاء، كان لي وايهان يبدو مرتاحًا. ربّما فكـّر جانغ أنّ لي كان يؤيّد أقواله. لم يكن يعلم أنّ لي كان مسرورًا برؤية الفريسة تقع في المصيدة”. بعد الاجتماع لـُقـّب جانغ باليمينيّ رقم واحد في الصين”.
بوسعنا أن نستعرض بداية من سنة 1957 قائمة من التواريخ التي قدّم فيها المثقفون اقتراحات أو خطابات باسطين فيها انتقاداتهم ووجهات نظرهم : في 21 مايو “معهد التصميم السياسي” لجانغ بوجون؛ في 22 مايو “آراء معادية للسوفيات : آراء عديمة المعنى” للونغ يون؛ في 22 مايو أيضًا “لجنة التقويم” للو لونغجي؛ في 31 مايو “ينبغي أن يكفّ الحزب عن تسيير الفنون” لوو تسوغوانغ، وفي غرّة يونيو “الحزب يسيطر على العالم” لشو آنبينغ. كلّ هذه الاقتراحات والخطابات تمّت الدعوة إليها وتقديمها بعد أن كان الجزار ماوو تسي تونغ قد بدأ في شحذ سكـّينه بعدُ.
ومثلما كان مُتوقـّعًا، كلّ هؤلاء المثقفين لـُقـّبوا فيما بعدُ بيمينيّين. كان هناك أكثر من 550.000 يمينيّا في كامل البلاد.
إنّ التقاليد الصينية تنصّ على أنّ العلماء “يتمّ قتلهم ولكن ليس إذلالهم”. ولكنّ الح ش ص نجح في إلحاق أكبر وأشدّ الإذلال بالمثقفين إذ حرمهم من حقّ الحياة إلاّ إذا قبلوا الذلّ. وحتـّى عائلاتهم لم تسلم من ذلك. عديد المثقفين استسلموا وعديدٌ منهم وشوْا بمثقفين آخرين لكي ينجوا بحياتهم. أولئك الذين لم يرضخوا للإذلال قـُتِلوا ـ وكانوا عبرةً لإرهاب غيرهم من المثقفين.
وهكذا تفكـّكت تلك الطبقة التقليدية، “طبقة العلماء”، والذين هم أسوة في الفضيلة في المجتمع.
لقد قال ماوو تسي تونغ : “ما تباهى الامبراطور تشين شي هوانغ بفعله هو لا شيء. إنه لم يقتل سوى 460 عالمًا كونفوشيوسيّا، أمّا نحن فقد قتلنا 46.000 مثقفـًا. بقمعنا لأعداء الثورة، ألم نقتل كذلك أعداء الثورة من المثقفين ؟ لقد دافعت عن نفسي أمام أنصار الديموقراطية الذين كانوا يتهموننا بالتصرّف مثل الامبراطور تشين شي هوانغ، وقلت لهم أنهم كانوا مُخطئين. لقد تجاوزنا الامبراطور تشين شي هوانغ بمائة مرّةٍ.” [79]
بالفعل، لقد فعل ماوو تسي تونغ فعلاً أشدّ من قتل المثقفين، لقد دمّر أرواحهم وقلوبهم.

.7- خلق ظاهر ثقافة مع الحفاظ على شبه تراث وتعويض محتواه
بعدما تبنـّى الح ش ص الإصلاح الاقتصادي وسياسة انفتاح، قام بتجديد عديد الكنائس والمعابد البوذية والطاوية. كما نظم الكثير من الحفلات في المعابد بالصين وحفلاتٍ ثقافية خارج حدود البلاد. وكان هذا هو المجهود الأخير الذي بذله الح ش ص لكي يستغلّ البقية الباقية من الثقافة الموروثة ويحطمها. كان وراء تصرّف الح ش ص هذا دافعان : من جهةٍ الطيبة الموجودة أصلاً في الطبيعة البشرية والتي لم يستطع الح ش ص أن يجتثـّها – كانت ربّما ستؤدّي إلى القضاء على “ثقافة الحزب”. ومن جهةٍ أخرى، كان لدى الح ش ص النيّة أن يستعمل الثقافة الأصيلة كقناع برّاق يتستـّر وراءه ويُخفي طبيعته الشرّيرة الفاسدة المكوّنة من الخداع والقسوة والعنف”.
إنّ جوهر الثقافة يكمن في مدلولها الأخلاقي العميق، بينما الأشكال السطحية لا تصلح سوى للتسلية. لقد جدّد الح ش ص بناء العناصر السطحية للثقافة، العناصر المسلــّية، لكي يُخفي غايته المتمثلة في تدمير الأخلاقيات. لا يهمّ كم نظم الح ش ص من معارض فنية، ومعارض في فنّ الخط، وكم قدّم من مهرجانات ثقافية مع تنّينات ومع رقصة الأسود، وكم نظم من مهرجانات خاصّة بفنّ الطبخ، وكم شيّد من أعمال معمارية كلاسيكية، مع كلّ هذا لم يُجدّد الح ش ص سوى المظهر الخارجي للثقافة، لا جوهرها. أثناء الوقت نفسه، قام الحزب بدعاية لمقالاته الثقافية داخل الصين وخارجها، بغاية الحفاظ على سلطته السياسية.
فلنأخذ مرّةً أخرى مثال المعابد. المعابد هي أماكن يتعهّد فيها الناس أنفسهم بالتربية الروحية. داخل المعبد، بوسعنا أن نسمع الأجراس في الصباح وقرع الطبول مع مغيب الشمس، بوسعنا أن نقوم بشعائر العبادة تجاه بوذا على ضوء مصابيح الزيت. والناس يمكنهم أن يذهبوا هناك ويعترفوا بذنوبهم ويُصغوا إلى القداس الدينية. لكي يتعهّد الإنسان نفسه بالعبادة، يجب أن يكون لديه قلب نقيّ وخالٍ من التعلـّقات. للاعتراف بالذنوب وتقديس البوذا، يجب أن يكون هناك أيضًا محيط فيه خشوع وهيبة. ولكنّ هذه المعابد حُوّلت إلى أماكن سياحية تدرّ المال. من بين الناس الذين يزورون المعابد في الصين اليوم، كم من بينهم يأتون ليتفكـّروا في خطاياهم بقلب صادق وطافح بالتقديس لبوذا بعد أن يكونوا أخذوا حمّامًا وغيّروا ثيابهم ؟ تجديد المظهر الخارجي للثقافة الموروثة وفي نفس الوقت القضاء على دلالتها العميقة، كانت تلك هي الاستراتيجية التي تبنـّاها الح ش ص لكي يُدخل الاضطراب على نفوس الناس. وهكذا، سواءًا كانت البوذية أو الأديان الأخرى أو الأنماط الثقافية المشتقـّة منها، فإنّ الح ش ص يُفسدها وينحط ّ بها عمدًا.

ΙΙΙ. ثقافة الحزب
في نفس الوقت الذي كان فيه الح ش ص يُحطم الثقافة نصف الإلهية الموروثة، كان أيضًا يضع، وببرود دمٍ أسس ثقافته هو – “ثقافة الحزب” – وذلك عبر سلسلة من الحركات السياسية المتعاقبة. لقد غيّرت ثقافة الحزب جيل الكهول، وسمّمت جيل الشباب، وكان لها تأثير حتـّى على الأطفال. لقد كان تأثيرها شاملاً وعميقـًا للغاية. وحتـّى أثناء عديد المحاولات لكشف هذه الكارثة المتمثلة في الح ش ص، لا أحد استطاع أن يمتنع عن تبنـّي تقييم الح ش ص للأشياء، ومقياسه في التمييز بين الحق والباطل، وتحليل الح ش ص للأمور، وقاموس الألفاظ الذي وضعه ـ كلّ هذه الأشياء التي تحمل طابع الح ش ص.
لا فقط ورثت ثقافة الحزب الشرّ الموجود في الثقافة الماركسية ـ اللينينية التي وُلدت في الخارج، ولكنها أيضًا جمعت بمهارة كلّ العناصر الخبيثة الموجودة في الثقافة الصينية منذ آلاف السنين إلى جانب الثورة العنيفة وفلسفة الصراع التي ترجّح لها دعاية الح ش ص، هذه العناصر السيئة تشمل الصراع الداخلي بين أفراد الأسرة الملكية على السلطة، تكوين زُمَر وعُصَبٍ لخدمة مصالح ومآرب ذاتية، اللجوء للخدعة السياسية لتعذيب الناس، الاستراتيجيات غير النزيهة، والدسائس. أثناء العشريّات الماضية، صارع الح ش ص من أجل البقاء، وأثناء هذا الصراع تنامت خصوصيّاته البارزة (الخداع، القسوة، العنف) وتغذت وتمّ نقلها وتوارثها.
إنّ الاستبداد والديكتاتورية هما طبيعة ثقافة الحزب. هذه الثقافة تخدم الحزب في صراعاته السياسية وصراعاته الطبقية. بوسعنا أن نفهم كيف أنّ ذلك يكوّن البيئة “البشرية” للحزب المكوّنة من الرعب والاستبداد، وذلك من أربع جوانب :

1- جانب السيطرة والتحكـّم
أ) ثقافة عزل
إنّ ثقافة الحزب الشيوعي هي كيان احتكاريّ معزول دون حرّية فكر، ولا حرّية تعبير، ولا حرّية تجمّع، ولا حرّية عقيدة. إنّ آليّة السيطرة عند الحزب شبيهة بنظام هيدرولي يعتمد على الضغط القوي وعلى العزل، لكي يحافظ على حالة السيطرة. هنا حتـّى ثقبٌ صغيرٌ يمكن أن يسبّب انهيار كامل النظام. مثلاً رفض الحزب الحوار مع الطلبة أثناء الحركة الطلابية في 4 يونيو [80]، خوفـًا منه أنه إن تواصل هذا التسرّب، فإنّ كلاّ من العمّال، والفلاّحين، والمثقفين، والجيش، سيطالب بالحوار هو أيضًا. وبالتالي تكون الصين بذلك قد اتـّجهت أخيرًا إلى الديموقراطية، وتكون ديكتاتورية الحزب الواحد قد هُزمت. إذًا فقد فضّل أن يرتكب جرائم على يستجيب لرغبة الطلبة. اليوم يستعمل الح ش ص عشرات الآلاف من “شرطة الانترنت” لكي يراقب الانترنت ويغلق مباشرة كلّ مواقع الواب الأجنبية التي لا يحبها.

ب) ثقافة رعب
أثناء الـ 55 سنة الماضية، استعمل الح ش ص الرّعب لكي يقمع فكر الشعب الصيني. لقد لوّحوا بسياطهم وأشهروا سكاكينهم ـ سكاكين الجزّار ـ، كان الناس لا يعلمون أبدًا متى يمكن أن تحلّ عليهم المصائب والرزايا من حيث لا يدرون ـ ليرغموا الشعب على الإذعان لسيطرتهم. وأصبح الشعب المُقيم في الخوف مُطيعًا. أنصار الديموقراطية، والمفكـّرون الأحرار المستقلـّون، والمشكـّكون في نظام الح ش ص، وأفراد مختلف الجماعات الروحية، أصبحوا كلهم هدفـًا للتـقتيل، بحيث يتنبّه الشعب ويكون دائمًا على أهبة ومتيقظـًا. يريد الحزب أن يقتل كلّ معارضة قبل أن تولد.

ج) ثقافة شبكات السيطرة
إنّ سيطرة الح ش ص على الشعب هي سيطرة شاملة. يوجد هناك دفتر لتعيين المحلاّت والبيوت، ونظام لجان متساكني الأحياء، ومختلف مستويات لجان الحزب. “إنّ دوائر الحزب موجودة حتـّى على مستوى المؤسّسات”، “كلّ قرية تتبع دائرة معيّنة من دوائر الحزب”. الحزب وأعضاء رابطة الشبيبة الشيوعية لديهم أنشطة منتظمة. إلى جانب ذلك، يدعو الحزب إلى مجموعة شعاراتٍ منها :”احرس باب بيتك وراقب شعبك” ؛ “امنع شعبك من المطالبة ورفع الدعوى” ؛ “ضع بكلّ قوّة نظامًا لفرض أشغال، واضمن القيام بهذه الأشغال، ووزّع المسؤوليات. راقب وسيطر بصرامة. كن جدّيًا فيما يخصّ الانضباط والقوانين، واتـّخذ تدابير سيطرة ووقاية وصيانة 24س/24س” ؛ “المكتب 610 [81] سيشكـّل لجنة مراقبة تتفقــّدُ وتراقبُ أنشطة وحدات الشغل في كلّ منطقة وذلك على فترات غير منتظمة”.

د) ثقافة تجريم
تجاهل الح ش ص تمامًا المبادئ التشريعية للمجتمعات العصرية، ودعا بكلّ ما أوتي من جهد إلى سياسة توريط وإشراك. لقد استعمل حكمه المطلق ليعاقب أهالي وأقارب من وصمهم بـ “مالكي أراضي”، و”أثرياء”، و”رجعيّين”، و”عناصر سيّئة” و”يمينيّين”. واقترح نظرية “أصل الطبقات”. [82]
“اليوم، سيفرض الح ش ص المسؤولية على المسيّرين وصولاً إلى أسفل درجة من السلـّم وسيوبّخهم علنـًا إن هم فشلوا في دورهم المتمثل في اتـّخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ممارسي الفالون غونغ من الذهاب إلى بيكين وبثّ البلبلة هناك. بالنسبة للحالات الأكثر خطورة، يتمّ تسليط عقوبات عليهم”. “عندما يمارس أحد الأشخاص فالون غونغ، فإنّ كلّ فردٍ من أفراد أسرته يقع طرده من العمل”. “عندما يمارس أحد العاملين أو الموظفين فالون غونغ، فإنّ بقية العاملين أو الموظفين في مؤسّسة عمله يُحرمون من المنحة”. أعلن الح ش ص أيضًا عن سياسة تمييز حيال أبناء أولئك الذين “يمكن أن يتمّ تغييرهم وأدلجتهم”، وأولئك المنتمين إلى “الطبقات السوداء الخمس” (أصحاب الأراضي، الفلاّحون الأثرياء، الرجعيّون، العناصر السيّئة، واليمينيّون). ما يضعه الحزب في طليعة أولويّاته هو الامتثال للحزب و”الاستقامة قبل الإخلاص للأسرة”. أنظمة مثل نظام أرشيف الأعوان والأرشيف البنيويّ، مثله مثل إعادة التعيين المؤقــّت، كلها قد وُضعت لضمان تفعيل سياسته. يتمّ تشجيع الشعب على اتهام بعضه البعض وعلى الوشاية بالآخرين، وتتمّ مكافأته على مساهماته في خدمة الحزب.

2- مظاهر الدعاية

أ) ثقافة الرأي الواحد

أثناء الثورة الثقافية، كانت الصين ملأى بشعارات مثل “التعليمات العليا”، “جملة من جُمل ماوو تزن مقدار 10.000 جملة، كلّ منها حقيقة”. واضطرّت كلّ وسائل الإعلام لإنشاد محاسن الحزب وللوقوف معًا جميعًا لمناصرته وتأييده. وعندما يقتضي الأمر كان مسيّرو كلّ مستوىً من مستويات الحزب، أو الحكومة، أو الجيش، أو العمّال، أو رابطة الشباب، أو المنظمات النسائية، كان على كلّ منها أن تعبّر عن تأييدها ومناصرتها.

ب) ثقافة نشر العنف
قال ماوو تسي تونغ :”مع 800 مليون بشر، كيف يمكن أن تسير الأمور دون صراع ؟” أثناء اضطهاد الفالون غونغ، قال جيانغ زمين :”من يضرب ممارس فالون غونغ إلى حدّ الموت، لا يُعاقــَبُ”. كان الح ش ص يدعو إلى “الحرب الكلــّية”، وإلى “القنبلة الذريّة ليست نمرًا من ورق […] حتـّى وإن مات نصف الشعب فإنّ النصف الآخر كفيل بإعادة بناء بلدنا”.

ج) ثقافة تحريض على الكراهية
“لا تنسَ عذاب الطبقات الفقيرة وتذكـّر جيّدًا وسط الدموع ووسط الدم”. أصبحت هذه العبارة سياسة قوميّة أساسيّة. كانت القسوة تجاه الأعداء الطبقيين تـُعتـَبرُ فضيلة. وعلــّم الح ش ص الناس ما يلي :”عضّ على كراهيّتك، وامضغها وابتلعها. واغرس هذه الكراهيّة في قلبك لتورق وتـُثمر”. [83]

د) ثقافة خداع وكذب
فيما يلي بعض الأمثلة عن أكاذيب الح ش ص :”الإنتاج في المو [84] الواحد يفوق عشرة آلاف دجين” أثناء “القفزة الكبرى نحو الأمام” في 1958. “لم يُقتل أيّ شخص على ساحة تيانانمن” في مجزرة 4 حزيران 1989. “نحن نسيطر على فيروس السراس” في 2003. “نشهد حاليّا أفضل فترة فيما يخصّ حقوق الإنسان في الصين”. و”نظريّة التمثيلات الثلاث”. [85]

هـ) ثقافة غسل دماغيّ
فيما يلي بعض الشعارات التي صنعها الح ش ص ليغسل دماغ شعبه :”لم تكن لتكون صينٌ جديدة ٌ لولا الحزب الشيوعي”. “ذخيرة قلوبنا في نضالنا من أجل أهدافنا السامية هو الح ش ص، والأساس النظري الذي يقود تفكيرنا هو الماركسية-اللينينية”. [86] “اصطفـّوا في صفّ اللجنة المركزية للحزب”. “نفـّذوا أوامر الحزب إذا فهمتموها. إذا لم تفهموها، نفـّذوها أيضًا، سيتعمّق فهمكم أثناء التنفيذ”.

و) ثقافة تملـّق
“السماء والأرض واسعتان ولكنّ رحمة الح ش ص أوسع منهما” ؛ “نحن مدينون للحزب بكلّ نجاحاتنا” ؛ “الحزب بمثابة أمّي” ؛ “حياتي فِدًى للجنة المركزية للحزب” ؛ “حزب عظيم، مجيد ومستقيم” ؛ “حزبٌ لا يُقهَرُ” ؛الخ

ز) ثقافة ادّعاءٍ
لقد وضع الحزب صيغـًا وموديلاتٍ، ووضع نماذج الواحد تلو الآخر، وأطلق مفهوم “التطوّر الاشتراكي، والايديولوجي، والأخلاقي” وحملات “تربية ايديولوجية”. وفي النهاية واصل الشعب بكلّ حملةٍ من هذه الحملات على ذاك المنوال، أي تمامًا بنفس الشكل الذي أقيمت به في الماضي. كلّ المحاضرات العامّة، والدورات التعليمية، ودورات تبادل التجارب، كلـّها أصبحت “واجهة جادّة”، بينما استمرّ المقياس الأخلاقي للمجتمع يتقهقر خطواتٍ هائلة إلى الوراء.

3- جانب العلاقات بين الأفراد

أ) ثقافة غيرة
لقد دعا الحزب إلى “المساواة المطلقة” لكي “يصبح كلّ شخص يتفوّق على البقيّة هدفـًا للهجوم”. يغارُ الناس ممّن يفوقونهم موهبة أو ثروة،…الخ، كان ذلك ما سُمّي بـ “مرض العيون الحمراء”. [87]

ب) ثقافة سحق للآخر
شجّع الح ش ص على “المصارعة وجهًا لوجهٍ والوشاية ظهرًا لظهرٍ”. يشي الشخص بشركاءه، ويكتب رسائل لثلبهم، يُلفـّق وقائع ويهوّل أخطاءهم- كلّ هذه التصرّفات المنحرفة استـُعمِلت كمقياس يُحدّد مدى القرب من روح الحزب والرغبة التقدّمية.

4- الآثار الخفيّة على نفسيّة الناس وتصرّفاتهم

أ) ثقافة تحوّل البشر إلى آلاتٍ
يريد الحزب من الناس أن يكونوا “البراغيّ التي لا تصدأ أبدًا في المكنة الثورية”، وأن يكونوا “الأداة المنصوبة من أجل الحزب” وأن “يهاجموا نحو أيّ اتـّجاهٍ يوجّهنا إليه الحزب”. “جنود الرئيس ماوو هم أولئك الذين يُصغون إلى الحزب أكثر من غيرهم، هم يذهبون إلى حيث تقتضي مهمّاتهم ويُقيمون حيث توجد الصعوبات”.

ب)ثقافة تخلط بين الخير والشرّ
أثناء الثورة الثقافية، كان الح ش ص يُؤثر أن “يجني الأعشاب الطفيلية للاشتراكيين” على أن “يجني حصاد الرأسماليين”. كان الجيش مأمورًا أن يهاجم ويقتل في مجزرة الرابع من يونيو “نظير 20 سنة من الاستقرار”. الح ش ص أيضًا “لا يفعل بالآخرين ما لا يُريدُ أن يُفعَلَ به”.

ج) ثقافة غسل دماغيّ مفروض وطاعة عمياء
“الصّفوف الدنيا تـُطيع أوامر الصّفوف الأعلى منها وكلّ الحزب يُطيع اللجنة المركزية للحزب”. “صارعوا بلا هوادة للقضاء على كلّ الأفكار الأنانية التي تخامر أذهانكم”. “فجّروا ثورة في أعماق روحكم”. “اصطفـّوا إلى أبعد حدّ ممكن مع موقف اللجنة المركزية للحزب”. “بدون الحزب الشيوعي ستكون الصين هباءًا”. “وحّدوا العقول، وحّدوا الخطوات، وحّدوا الأوامر، ووحّدوا التعليمات”.

د) ثقافة تضع الفرد في وضعيّة الخادم
“بدون الحزب الشيوعي، ستكون الصين هباءًا”. “الصين شاسعة كثيرًا، من ذا الذي يستطيع أن يحكمها غير الح ش ص ؟”. “لو تنهار الصين، فستكون تلك كارثة عالميّة، لذا علينا أن نساعد الح ش ص على الحفاظ على سلطته”. بدافع الخوف ودافع الاحتماء، كانت الجماعات التي يضطهدها الح ش ص دومًا أشدّ يساريّة وأشدّ راديكاليّة من الح ش ص نفسه.
هناك عديد الأمثلة المشابهة. بوسع كلّ قارئٍ ربّما أن يجد في تجربته الشخصيّة عناصر عديدة من ثقافة الحزب.
الناس الذين عاشوا الثورة الثقافية يستطيعون أن يتذكـّروا بوضوح شديد الأوبرا العصريّة في تلك الفترة، والأغاني التي تتكوّن نصوصها من كلمات ماوو، ورقصة الوفاء. الكثيرون يتذكـّرون أيضًا حواراتٍ دارت في الأوبرا النموذجيّة لبيكين مثل “الفتاة ذات الشعر الأبيض” [88] و”حرب في النفق” [89]، و”حرب المناجم” [90]. من خلال هذه الأشكال الفنية، أخضع الح ش ص الناس إلى غسل دماغيّ وحشا أذهانهم بمعاني مثل :”الحزب متألـّق وعظيم” ؛ “ناضل الحزب ضدّ العدوّ نضالاً صعبًا وشرسًا” ؛ وكيف أنّ “جنود الحزب مُكـَرّسون تمامًا لخدمة الحزب”، وكيف أنهم مستعدّون للتضحية بحياتهم من أجل الحزب، وكم أنّ الأعداء أغبياء وأشرار. ويومًا بعد يومٍ، حقنت مَكـَنة الدّعاية هذه في كلّ فردٍ قسرًا العقائد اللاّزمة لبقاء الحزب الشيوعي في السلطة. لو ذهبنا اليوم لنشاهد الرقصة الغنائيّة : القصيدة الملحميّة – الشرق أحمر، لوجدنا أنّ كلّ موضوع العرض ونمطه يدور حول : القتل، ثمّ القتل، ثمّ القتل.
في خط ّ مواز، خلق الح ش ص معجم ألفاظ خاصّ به وخطاباتٍ خاصّة به، من لغة الشتيمة والسّباب المُستعملة في حملات النقد العامّة، وعبارات المديح والإطراء لإنشاد محاسن الحزب، وصولاً إلى البروتوكولات الرسمية التافهة مثل “مقال الجزء الثامن”. [91] وبدأ الناس- بدون أن يشعروا- يتكلـّمون تحت تأثير أفكار تنضوي على مفاهيم صراع الطبقات ومدح الحزب. أبدِل التفكير الرصين والمنطقي بخطاب هيمنة. كما سرق الح ش ص أيضًا المُعجم الديني وشوّه محتواه.
يُقال :”الرياء لا يبعُدُ كثيرًا عن الحقيقة”. استغلـّت ثقافة الحزب كذلك الأخلاقيّات الأصيلة مشوّهةً إيّاها. مثلاً، الأخلاقيّات الأصيلة تـُثمّن “الإيمان”؛ والحزب الشيوعي يُثمّن ذلك أيضًا حاثـّا الناس على “الوفاء والنزاهة تجاه الحزب”. الأخلاق الأصيلة تـُشدّد على البرّ بالوالدين؛ والح ش ص يضع الناس في السجن إن لم يعتنوا بآبائهم، ولكنّ الدافع الحقيقي وراء ذلك هو أنّ هؤلاء الآباء كانوا سيصبحون عبئـًا على الحكومة. وأحيانـًا يطلب الحزب من الأبناء أن ينفصلوا عن آبائهم، عندما يناسبه ذلك. الثقافة الأصيلة تركـّز أيضًا على “الولاء”. رغم ذلك، “الشعب يشغـَل المكانة الرئيسية والأهمّ، ثمّ تأتي الأمّة، وأخيرًا يأتي الحاكم في مرتبة أقلّ”. ولكنّ “الولاء” الذي يريده الح ش ص هو “ولاء أعمى”- أعمى إلى درجة أنه يجب على الناس أن يعتقدوا في الح ش ص بطريقة عمياء، وأن يُطيعوه دون طرح أسئلة.
العبارات التي يستعملها الح ش ص بكثرة هي عبارات مزيّفة تمامًا. مثلاً، سمّى الحرب الأهليّة بين الكوومينتانغ والشيوعيّين “حرب التحرير”، كما لو أنّ الناس حُرّروا بفعلها من القمع. وسمّى الح ش ص فترة ما بعد 1949 “ما بعد تأسيس الأمّة” في حين أنّ الصين موجودة قبل ذلك بكثير وأنّ الح ش ص لم يفعل سوى أن أقام نظامًا سياسيّا جديدًا. المجاعة الكبرى التي دامت ثلاث سنوات [92] سُمّيت “السنوات الثلاث للكوارث الطبيعية”، في حين أنّ هذه الكارثة قد سبّبها البشر كلـّيًا. مع سماع هذه الكلمات المستعملة في الحياة اليومية ومع التأثر بها تأثـّرًا خفيّا، صار الناس يقبلونها لا شعوريّا، كما يقبلون المفاهيم الإيديولوجية التي تحتوي عليها، مثلما يتمنـّى الح ش ص.
في الثقافة التقليدية، تـُعتـَبَر الموسيقى وسيلة لترويض الرغبات البشرية. في الجزء 24 من “المذكرات التاريخية” (شي دجي)، قال سيما تشيان (145-85 ق م) [93] أنّ الطبيعة البشرية مسالمة وأنّ مشاعرنا تخضع لتأثير عوامل خارجية، فإن انبثقت مشاعر الكراهيّة والحبّ دون أن يقع التحكم فيها، ستكون عرضة للإغواء المستمرّ من طرف الإغراءات الخارجية، وسنرتكب أعمالاً سيّئة. إذًا، كما كان سيما تشيان يقول، الأباطرة في الماضي كانوا يستعملون الطقوس والموسيقى لكبح جماح الناس. الأغاني كانت يجب أن تكون مرحة دون أن تكون خليعة، وشجيّة دون أن تكون مُحزنة كثيرًا. كان عليها أن تعبّر عن مشاعر وعن رغبات، ولكن أن تكون لها رقابة على هذه المشاعر. لقد قال كونفوشيوس في “المختارات” :”الأبيات الثلاثمائة للـ “قصائد الغنائية” (أحد الكتب الكلاسيكية الستة التي جمعها وأصدرها كونفوشيوس) يُمكن أن تتلخص في جملة واحدة :”لا تفكـّر بالسّوء””.
ولكنّ الموسيقى، هذا الشيء الجميل والرائع، تمّ استعمالها من طرف الح ش ص كأداةٍ لغسل الدماغ. نجد أغان ٍ مثل “الاشتراكية رائعة”، و”لم لتكون هناك صين جديدة لولا الحزب الشيوعي”، وأغانٍ أخرى كثيرة، تـُغنـّى ابتداءًا من رياض الأطفال وصولاً إلى الجامعة. ومع إنشادهم المتواصل لهذه الأغاني، استبطن الناس تدريجيّا معنى الكلمات. وبالإضافة إلى ذلك، سرق الح ش ص ألحان الأغاني الفولكلورية الأكثر شعبيّة، وعوّضها بنصوص تمدّح الحزب. وقد ساعد هذا على تدمير الثقافة التقليدية ورفع مكانة الحزب.
أحد الوثائق الكلاسيكية للح ش ص، وهو “خطاب ماوو في ملتقى حول الأدب والفنون بيانآن” [94] يعتبر أنّ الثقافة والجيش هما “جبهتا المعارك”. وصرّح أنّ القوّة العسكرية وحدها لا تكفي، وأنه يجب أن يكون هناك أيضًا “مُعسكر من الفنون الأدبية”. وأضاف أنّ “الفنون الأدبية يجب أن تخدم السياسة” وأنّ “الفنون الأدبية لطبقة البروليتاريا هي أدوات المكنة الثورية ومساميرها”. صار “الإلحاد” و”صراع الطبقات” هما النواة الصلبة لـ “ثقافة الحزب”، وهو ما يقف على طرف النقيض تمامًا من الثقافة الموروثة.
لقد قدّمت ثقافة الحزب حقـّا خدمة نفيسة بمساعدتها للح ش ص الحصول على السلطة والسيطرة على المجتمع. الجيش، والسجون، وقوات الشرطة، وثقافة الحزب، كلـّها تنتمي إلى نفس الأداة السياسية العنيفة، رغم أنّ “العنف الثقافي” مختلف عن الأشكال الأخرى للعنف في هذا النظام. هذا العنف الثقافي، بتدميره لـ 5.000 سنة من الثقافة القومية، قد قزّم إرادة الشعب، وأضرّ بتماسك ولـُحمة القومية الصينية.
اليوم، كثير من الصينيين لم تعد لديهم سوى معرفة سطحيّة ومحدودة عن الثقافة التقليدية. بعضهم يضع في نفس المرتبة الـ 50 سنة من “ثقافة الحزب” والـ 5.000 سنة من الثقافة العريقة. إنه حقـّا لشيء مُحزن للشعب الصيني. الكثير لا يفقهون أنه بوقوفهم ضدّ الثقافة العريقة المزعومة فإنهم في الحقيقة يقفون ضدّ “ثقافة الحزب” الخاصّة بالح ش ص لا ضدّ الثقافة العريقة الحقيقية للصين.
كثير من الناس يتمنـّوْن إبدال النظام الصيني الحاليّ بالنظام الديموقراطي الغربي. في الحقيقة، لقد تأسّست الديموقراطية الغربية هي أيضًا على قاعدة ثقافية، وهي المسيحية؛ وهي تعتقد أنّ “كلّ الناس سواسية أمام الله” وهي تحترم الطبيعة البشرية والخيارات البشرية. كيف لثقافة الحزب المستبدّة واللاّ-إنسانية أن تصلـُح قاعدة لنظام ديموقراطي على النمط الغربي ؟
خاتمة
لقد بدأت الصين تحيدُ عن ثقافتها القومية في فترة حكم سلالة السونغ (960-1279 م)، ومنذ ذلك الحين، لم تفتأ الثقافة تتدهور. إثر حركة 4 مايو 1919،[95] بعض المثقفين الذين كانوا ينشدون نجاحًا سريعًا ونفعًا فوريّا حاولوا أن يجدوا حلاّ للصين، وكان هذا الحلّ هو أن يُديروا ظهورهم للثقافة القومية، ويتبنـّوْا الحضارة الغربية. ومع ذلك، بقيت الصراعات والتغييرات في الميدان الثقافي موضوع نقاش أكاديمي لا غير، ولم تهتمّ به الدولة. ولكن عندما ظهر الح ش ص، رفع الصراعات الثقافية إلى مستوى قتال مُستميتٍ من أجل الحزب. لذلك فقد بدأ الحزب في مهاجمة الثقافة الموروثة مباشرة، مستعملاً طرقـًا هدّامة بصفة مباشرة ووسائل أخرى أشدّ خبثـًا تتمثل في “الاحتفاظ بالشوائب ورمي الجوهر”.
هدم الثقافة القومية كان أيضًا مسار وضع “ثقافة الحزب”. لقد أفسد الح ش ص الضمير الإنساني والمقياس الأخلاقي، مؤدّيًا بالناس إلى الانقلاب على الثقافة الموروثة، إن دُمّرت الثقافة القومية تمامًا، فإنّ جوهر الأمّة سيتلاشى مع تلاشيها، تاركـًا من الأمّة لا شيء سوى اسمٍ فارغٍ. وهذا التحذير غير مُبالغ فيه.
وفي نفس الوقت، الخسائر التي تكبّدها المجتمع الصيني جرّاء تدمير الثقافة الموروثة هي مأساويّة فعلاً.
كانت الثقافة الموروثة تـُثمّن الوحدة ما بين الآلهة والبشر، والتعايش السلمي والانسجام ما بين الإنسان والطبيعة. بينما الح ش ص أعلن أنّ “الصراع بين السماء والأرض يُورث سعادة لا تـُحَدّ”. ثقافة الح ش ص هذه قد تسبّبت مباشرة في تدهور خطير للبيئة والمحيط، وهذا التدهور يمثل اليوم مشكلة كبرى للصين. ولنأخذ الماء كمثال. لقد ترك الشعب الصيني الحكمة القائلة “الإنسان النبيل يُقدّر نعمة الثراء، ولكنه يُثري بطريقة معقولة” ونسيها، لذلك فقد خرّب محيطه الطبيعي ولوّثه بدون سببٍ. حاليّا، أكثر من 75% من الـ 50.000 كيلومتر التي تمثل الأنهار في الصين غير صالحة لكي تعيش فيها الأسماك ؛ أكثر من ثلث المياه الجوفية قد تلوّث أثناء العشر سنين الأخيرة الماضية، والوضعية آخذة في التدهور أكثر. لقد حدث “مشهد” غريب من نوعه في نهر هوايهه : كان هناك طفل يلعب في الماء المُشبع بالبترول، وفجأةً أحدث شرارةً، وما أن لمست الشرارة سطح الماء حتى أشعلت لهيبًا يبلغ علوّ خمسة أمتار ؛ وعندما انطلقت النار في الهواء، أحرقت عشر صفصافاتٍ كانت تحيط بالنهر، جميعها احترقت وأصبحت فحمًا. [96] من السهل أن نفهم أنه من المستحيل ألاّ يُصاب أولئك الذين يشربون من الماء بالسرطان أو أمراض أخرى. مشاكل بيئيّة أخرى، مثل التصحّر وترسّب الملح في الشمال الغربي للصين، والتلوّث الصناعي في المناطق الحضرية، هي كلها مرتبطة بعدم احترام المجتمع البشري للطبيعة.
إنّ الثقافة الموروثة تحترم الحياة. يُعلن الح ش ص أنّ “الثورة لها مُبرّراتها” وأنّ “الصراع ضدّ البشر يملؤنا لذةً”. باسم الثورة، استطاع الحزب أن يقتل عشرات ملايين الأشخاص وأن يجعلهم يموتون من المجاعة. وقد قاد ذلك الناس إلى عدم حبّ الحياة، وهو ما أسهم بدوره في تكاثر البضائع والمنتوجات الفاسدة والمُسمّمة في السوق. مثلاً، في مدينة فويانغ من مقاطعة آنهوي، كثير من الرضّع الذين هم أصحّاء في الأصل أصبحت أطرافهم مُقزّمة، ووهنت أبدانهم وكبُرت رؤوسهم بينما كان يتمّ إرضاعهم بقارورة الرضاع. ومات ثمانية أطفال رضّع جرّاء هذا المرض الغريب. وبعد البحث تبيّن أنّ ذلك المرض كان ناتجًا عن بودرة الحليب المسمومة التي كان ينتجها صاحب مصنع جشع وعديم الضمير. بعض الأشخاص يُغذون السرطانات والثعابين والسلاحف بالهرمونات والمضادّات الحيوية، ويضيفون الكحول الصناعي للخمر، ويعالجون الأرزّ بزيوت صناعيّة، ويُبيّضون الخبز بموادّ مُعَدّة للتبييض. طيلة ثماني سنين، قام مُصنّع من مقاطعة هينان باستعمال زيت مُرسكل، وزيت غير مُكـَرّر، ومنتوجات مُسرطنة أخرى لينتج كلّ شهر آلاف الأطنان من “زيت الطبخ” المُسمّم. إنتاج الغذاء المُسمّم ليس بظاهرة محلـّية أومحدودة، بل إنّ هذا أمر شائع في كلّ الصين. إنّ تدمير الثقافة والانحطاط الأخلاقي قد أسهما في هذا الجري المجنون وراء الأرباح السهلة.
على عكس ثقافة الحزب التي تتصف بالهيمنة المطلقة والحصريّة، فإنّ الثقافة الموروثة تتمتـّع بقدرة كبيرة على الاندماج. أثناء فترة مملكة التانغ المزدهرة، كانت التعاليم البوذية، والديانة المسيحية، وديانات أخرى غربية، إلى جانب الطاوية والكونفوشيوسية، تتعايش جميعًا بسلام. ماكانت الثقافة التقليدية الصينية لتتـّخذ غير موقف متفتـّح إزاء الحضارة الغربية والثقافة الغربية. النمور الآسيوية الأربعة (سنغافورة، تايوان، كوريا الجنوبية، وهونغ كونغ) قد صنعت هويّة ثقافية كونفوشيوسية جديدة، بفضل جمعها بين الأخلاق الكونفوشيوسية والعقلانية الاقتصادية الحديثة. والاقتصاد المزدهر لهذه البلدان قد أثبت أنّ الثقافة الموروثة ليست عائقـًا أمام العلم والتقدّم.
وفي نفس الوقت، تقيس الثقافة الموروثة الحقيقية جودة الحياة البشرية على أساس ما حققته من سعادة داخلية، لا فقط على أساس ما حققته من رفاهة مادّية. “أفضل ألاّ يقدح في شأني أحد وراء ظهري على أن يمدحني أحدهم في وجهي، أفضل أن أنعم براحة النفس والضمير على أن أنعم بالرفاه المادّي”. [97] كان تاوو يوانمينغ (365-427 م) [98] فقير الحال ولكنه كان دائمًا سعيدًا وكانت لديه تسلية مفضلة :”جمع زهور النجميّات تحت البوّابة الشرقية، وتأمّل جبل الجنوب وهو منتصب في الأفق”.
الثقافة الموروثة لا تقدّم أجوبة لمسائل الإنتاجية الصناعية أو خيار النظام الاجتماعي. دورها الهامّ يتمثل بالأحرى في الإرشاد الأخلاقي. إنّ إعادة بناء الثقافة الأصيلة بحقّ سوف يُعيد إلى الناس التواضع أمام السماء، والأرض، والطبيعة، واحترام الحياة واحترام الإله. وسوف يُخوّل للبشرية أن تحيا بانسجامٍ وتآلفٍ مع السماء والأرض، وأن تتمتـّع بعمر مديد منـّةً من السماء.

ملاحظات :
1- في الميثولوجيا الصينية : بانغو هو أوّل كائن حيّ، وهو خالق كلّ شيءٍ.
2- في الميثولوجيا الصينية : نووا هي الآلهة الأمّ التي خلقت البشرية.
3- “شانّونغ” (حرفيّا : الفلاّح السماويّ) هو شخصيّة أسطورية وبطل في الثقافة والميثولوجيا الصينية، يُعتـَقَدُ أنه عاش قرابة 5.000 سنة وعلـّم الشعوب القديمة الأعمال الفلاحية. ويُعرَفُ عنه أيضًا كونه قام بتعريف مئات الأعشاب الطبية والسامّة ومختلف النباتات من هذا الصنف، وكان هذا أمرًا أساسيّا لتطوير الطبّ التقليديّ الصينيّ.
4- سان جي أو سانغ جي هو شخصيّة أسطورية في الصين القديمة، يدّعي أنه المؤرّخ الرسميّ للامبراطور الأصفر، ومُخترع الحروف الصينية. وقد سُمّيت طريقة سانجي على اسمه- وهي طريقة لإدخال الحروف الصينية في الإعلامية.
5- تاوو تي كينغ، أو داوو دي كينغ : أحد أهمّ النصوص الطاوية، كتبه لاوو تسي.
6- The Great Learning- كونفوشيوس
7- مذكـّرات تاريخية (شي دجي)، تـُتـَرجَمُ أيضًا إلى “عروض الخطاط الأكبر”، لمؤلــّفها سيميا تشيان (145-85 ق م) الذي كان أوّل مؤرّخ صينيّ كبير. وهو يوثــّق في هذا المؤلـّف تاريخ الصين والبلاد المجاورة منذ الماضي البعيد وصولاً إلى عصره هو. مُخطط الأعمال التأريخيّة لسيميا تشيان كان فريدًا وقد صار نموذجًا للصيغة الرسمية للتأريخ للأسرات الحاكمة الامبراطورية مدّة الـ 2.000 سنة التي تلتْ.
8- مأخوذ من “المختارات” لكونفوشيوس.
9- نفس الشيء.
10- نفس الشيء.
11- كتب كونفوشيوس في “الدراسة الكبرى” :”بما أنّ شخصيّاتهم كانت مثقّفة فإنّ عائلاتهم كانت منظمة ؛ وبما أنّ عائلاتهم كانت منظمة، فإنّ دولتهم كانت محكومة بالعدل، وكلّ المملكة كانت تضحي آمنة وسعيدة”.
12- دونغ جونغشو (179-104 ق م) هو مفكـّر كونفوشيوسيّ أثناء حكم مملكة الهان، ذكر في مؤلـّفه ثلاث طرق لضمان الانسجام بين الإنسان والسماء. (تيان ران سان تشه)، “إن بقيت السماء، فإنّ الطاوو لن يتغيّر”.
13- “القرد المسافر” أو “سفر الغرب” أو “الحجّ إلى بلاد الغرب”، من تأليف وو تشانغ آن (1506-1582 م)، إحدى الروايات الصينية الكلاسيكية الأكثر شهرةً. وهي نابعة من قصّة حقيقية لراهب صيني مشهور في مملكة التانغ، هويان تسانغ (602-664 م)، سافر مشيًا على القدمين إلى حيث تقع بلاد الهند حاليّا، مهد البوذية، باحثـًا عن السوطرا. في الرواية نرى كيف أنّ مشيئة البوذا ساقت الملك القرد، بيغسي وساندي، إلى أن يصبحا مُريديْ هويانغ تسانغ ويرافقاه إلى الغرب للعثور على السوطرا. سيجتازون 81 خطرًا وبلوى قبل أن يصلوا في النهاية إلى الغرب ويحصلوا على الثمرة الحقيقية. (القرد المسافر أو السفر إلى الغرب، طبعة بايو، 17 مارس 2004، مجموعة المكتبة الصغيرة، إي س ب ن 2228896802).
14- “حلمٌ في الجناح الأحمر”، كتبه تساو سويه- تشين (1715-1763 م) أثناء حكم مملكة التشينغ. إنها قصّة حبّ مأساوية على خلفيّة انهيار عائلة ارستقراطية. إلى جانب الموضوع الرئيسي تصف الرواية للقارئ أيضًا المشهد التاريخي والاجتماعي في ذلك الوقت، كما تستعرض قائمة مُدهشة ومأثورة من الشخصيّات، الشخصيّتان الرئيسيتان فيها هما : دجيا باويو ولين دايو. بنية هذه الرواية- التي هي بنية متـّسعة ودقيقة التشابك في آنٍ واحدٍ، وجودتها الأدبية، ولغتها العذبة جعلت منها تـُعتبر عالميّا خلاصة فنّ الرواية الكلاسيكية الصينية. (حلمٌ في الجناح الأحمر، طبعة غاليمار، 12 نوفمبر 1981، مجموعة مكتبة البلاياد، إ ي س ب ن 2070110192).
15- “على ضفاف الماء”، إحدى كبرى الروايات الكلاسيكية الصينية، كتبها في القرن الرابع عشر شيناي- هان. وهي تروي كيف أنّ 108 رجلاً وامرأةً قرّروا أن يكوّنوا معًا مجموعة مارقة عن القانون- وسمّوْا أنفسهم : لصوص المستنقعات. رواية حافلة بالعقد، والمغامرات، والقتل، والحرب، والقصص الرومنطيقية، كلـّها مرويّة بأسلوب مليء بالمفاجآت والتشويق، وهو الأسلوب المميّز للحكايات الشعبية. (على ضفاف الماء، طبعة غاليمار، 2 مايو 1997، مجموعة فوليو، إ ي س ب ن 2070402207).
16- “الممالك الثلاث”، إحدى أشهر الروايات الكلاسيكية الصينية، من تأليف كوان- تشونغ لوو (1330؟- 1400؟). هذه الرواية تستند إلى تاريخ فترة الممالك الثلاث (220-22-280 م). وهي تروي الصراعات المتشعّبة والحادّة بين ثلاث قوىً سياسية مختلفة، من أجل العرش. هذه القوى السياسية تتمثل في ليو باي، تساو تساو، وسون تشوان. وفي خلال ذلك تبرز الرواية عديد المقدرات والمواهب ومختلف الاستراتيجيات الجريئة في تلك الفترة.
17- “تاريخ قوم “جو” الشرقيين”، رواية كتبها في الأصل يو شاوويو أثناء حكم مملكة المينغ، ثمّ راجعها مانغلونغ وأعاد صياغتها في فترة نهاية مملكة المينغ، ثمّ قام تساي يوانفانغ بمراجعتها من جديدٍ في مملكة التشينغ. أحداث هذه الرواية تمتدّ على مدى أكثر من 500 سنة أثناء فترة الربيع والخريف (770-476 ق م) وفترة الممالك المحاربة (475-221 ق م).
18- تسيان تساي هو من كتب قصّة يوفاي بأكملها، وذلك في فترة مملكة التشينغ. يصوّر الكاتب حياة يوفاي (1103- 1142 م) وهو أصيل سلالة السونغ بالجنوب. يوفاي هو أحد أشهر القوّاد والأبطال المخلصين لأمّتهم في تاريخ الصين. سطع نجم الجنرال يوفاي خصوصًا في المعارك ضدّ غزاة الشمال وقوم دجين. ثمّ اتـّهـِم يوفاي بجريمة لم يرتكبها وأرسِل بسبب ذلك إلى السجن وقتِل ؛ بينما كان رئيس الوزراء تشين هوي يحاول القضاء على الشقّ المحارب. فيما بعد وقعت تبرئة يوفاي من تلك الاتهامات الباطلة، وأقيمَ له معبد وفاءًا لذكراه. فيما بعدُ صُنعت أربع شخصيّاتٍ خصّيصًا لقبر يوفاي : أربعة رجالٍ، كلّ منهم يرتدي خوذة حديدية، عاري الصدر، يداه مقيّدتان وراء ظهره، وجاثٍ على ركبتيْه أمام قبر يوفاي ؛ أربعتهم يمثـّلون الأشخاص المسؤولين عن موت يوفاي. وأصبح يوفاي في الثقافة الصينية رمزًا ومثالاً للولاء في بلده.
19- مقولة مأخوذة من مُختصر مجموع المخطوطات الطاوية (داوو تسانغ دجي ياو).
20- انظر (8)
21- مأخوذ من خطاب ماووتسي تونغ أثناء الدورة التامّة الثامنة لللجنة العاشرة للح ش ص.
22- الكلمات الأصلية لماوو باللغة الصينية هي في الواقع تلاعب بالألفاظ :”أنا مثل راهب ممسك بممطريّة، لا طاوو (أو شرع……”شعر”) ولا سماء (أو جنّة…..).
23- دجيه هو اسم آخر ملوك مملكة الـ “سيا” (ح 21-16 ق م)، و جو هو اسم آخر ملوك مملكة الـ “شانغ” (ح 16-11 ق م). وقد كان كلاهما طاغية، وبقيت ذكرى طغيانهما في الأذهان.
24- وان تيانسيانغ (1236-1283 م)، قائد عسكري حارب الجيش المغولي لكي يحافظ على سلامة مملكة السونغ بالجنوب. قتِل يوم 9 يناير 1283 م لأنه رفض الاستسلام للمغول بعد أن سقط أسيرًا في أيديهم.
25- لـمنشيوس.
26- من جملة شهيرة لـمنشيوس :”الحياة هي مُناي ؛ العدالة هي مُناي أيضًا. إن كنت لا أستطيع أن أحصل على الاثنيْن معًا، سأختار العدالة على حساب حياتي”.
27- مأخوذ من النشيد الرسمي للعالمية الشيوعية. الترجمة الحرفية الصينية تعني :”لم يكن هناك أبدًا مخلـّصون، نحن لا نعوّل على الآلهة، ولا على الأباطرة ؛ لتحقيق السعادة البشرية، نحن لا نعوّل سوى على أنفسنا”.
28- الامبراطور تاي وو من مملكة الواي بالشمال، ويُعرَفُ أيضًا باسم توو تاو (ح 424-452 م).
29- الامبراطور وو دزونغ من مملكة التانغ، ويُعرَفُ أيضًا باسم لي يان (ح 840-846 م).
30- الامبراطور وو من مملكة الجو بالشمال، ويُعرَفُ أيضًا باسم يو يونغ (ح 561-579 م).
31- الامبراطور شي دزونغ في نهاية مملكة الجو، ويُعرَفُ أيضًا باسم تشاي رونغ (ح 954-959 م).
32- شعار كان قائمًا في منتصف السنوات 1960 أثناء الثورة الثقافية بالصين.
33- معبد الحصان الأبيض هو أوّل دير بوذيّ في الصين. شـُيـّد عام 68، في السنة الحادية عشرة لـيونغ بينغ أثناء حكم سلالة الهان الشرقية.
34- في لغة دايي، الكتابات المقدّسة لـبايي تـُدعى تانلان. البايي هي نبتة مدارية تنتمي لفصيلة النخيليّات. وهي عبارة عن شجرة كبيرة ذات أوراق سميكة مُضادّة للعثّ تستغرق كثيرًا من الوقت لتجفّ. في العصور القديمة، وعندما كان الورق لم يُخترع بعد، كان قدماء دايي يحفرون حروفا أو نماذج على أوراق هذه الأشجار، والحروف المحفورة على هذه الأوراق كانت تـُسمّى مُراسلات بايي، وأمّا الكتابات فتـُسمّى تانلان (كتابات تايي المقدّسة).
35- منتزه سانغشان، يُعرَفُ أيضًا بمنتزه التلال العطرة، يقع في الشمال الغربي على بُعد 28 كيلومترًا من وسط مدينة بيكين. شـُيـّد سنة 1186 أثناء حكم مملكة الجين، وقد كان المنتجع الصيفي للأسر الامبراطورية أثناء ممالك اليوان، المينغ، والتشينغ.
36- كم من الآثار الثقافية تمرّ عليها ألسنة اللهب، لـدينغ شو.
37- الحرس الأحمر يقصدون هنا المدنيّين الذين كانوا في الجبهة الأمامية من منفـّذي الثورة الثقافية الكبرى. معظمهم كان من الشباب في سنّ المراهقة.
38- يقع القصر الصيفي على بُعد 15 كيلومترًا من بيكين، وهو أكبر حديقة ملكية وأكثر واحدة تمّ الحفاظ عليها ورعايتها. للقصر الصيفي تاريخ يمتدّ على أكثر من 800 سنة.
39- معبد لوغوان هو مَحجّ طاوي في الصين ويتمّ تقديسه بوصفه “الأرض الأولى لأولئك الذين باركتهم السماء”. يقع المعبد على تلّ شمال جبال جونغنان، على بعد 15 كيلومترًا إلى الجنوب الشرقي من مقاطعة جوبي و 70 كيلومترًا من مدينة سيان.
40- لي هي وحدة قيسٍ (قيس الأطوال) صينيّة. (1لي = 0.5 كيلومتر).
41- الامبراطور غاوو دزو- مملكة التانغ، ويُعرَفُ أيضًا باسم لي يوان (618-626 م).
42- كانت كومونات الشعب (رنمين غونغشه) في جمهورية الصين الشعبية تمثل أعلى درجة – من ثلاث درجات- في السلـّم الإداري في المناطق الريفية في الفترة الممتدّة بين 1958 و 1982 تقريبًا. الكومونات كانت أكبر الوحدات التجمّعية، وقد تمّ تقسيمها الواحدة تلو الأخرى إلى فرق إنتاج ومجموعات إنتاج. وقد كانت الكومونات تتولـّى وظائف حكومية وسياسية واقتصادية. وفيما بعد حلـّت البلديات محلـّها.
43- انظر (36).
44- سوطرا ماهايانا ماهابارانيرفانا تـُعرَفُ بكونها آخر سوطرا ماهايانا للبوذا، قالها البوذا آخر يوم في حياته على الأرض. وهي تمثل خلاصة كلّ سوطرا الماهايانا.
45- هذه ليست ترجمة رسمية، وهي على الأرجح مأخوذة من تاييشو تريبيتاكا- المجلـّد الأوّل- من سوطرا ماهايانا ماهابارانيرفانا.
46- من كتاب “نظرية وممارسة قمع الأديان من طرف الحزب الشيوعي الصيني” بقلم باي جهي. النصّ الصيني على الرابط التاالي :
http://www.dajiyuan.com/gb/3/4/15/n300731.htm
47- “موكتي” تعني الدهارما الأول أو تعليم الشرع أو التبليغ. يمكن ترجمة “موكتي” أيضًا إلى “خسارة، خروج، تخليص، تحرير، مُحَرّر، انعتاق، التخلـّص من الحدود والحصول على الحرّية، التحرّر من سفر التجسّد، من الكارما، من الوهم والسراب، من العذاب”. وتعني النيرفانا وأيضًا الحرّية التي تحصل في الدهايانا (التأمّل). الهدف هو الخلاص من السامسارا (التجسّد).
48- النيرفانا، في البوذية والهندوسية، هي حالة الطمأنينة والسعادة والانسجام، بعيدًا عن العذاب وانفعالات الوجود الفردي، حالة الاتحاد مع الروح الخالدة.
49- حملة قمع لأعداء الثورة، وهي حملة اتـّخذت إجراءات عنيفة ضدّ عديد المسيّرين القدماء للجماعات السرّية، والجمعيّات الدينية، والكوومينتانغ (ك م ت) في بداية 1951.
50- “حرب لمقاومة أذى الولايات المتحدة ومساعدة كوريا” مثلما سمّاها الح ش ص، وقد اندلعت سنة 1950. وهي في الغرب تـُعرَفُ عمومًا باسم “حرب كوريا”.
51- وو ياوودزونغ (1975-1893 م) وآخرون نشروا “وسائل” مزعومة لكي تـُسهم الجالية المسيحية الصينية في بناء الصين الجديدة، ويُعرَفُ هذا المنشور أيضًا باسم “بيان تجديد الاستقلاليات الثلاث” سنة 1950، وهو بدوره كوّن فيما بعدُ كنيسة الاستقلاليات الثلاث.
52- “ردهة الشعب الكبيرة”، شُـيّدت سنة 1959، وتقع في الجهة الغربية لساحة تيانانمن، وهي المكان الذي يجتمع فيه المؤتمر الوطني الشعبي للصين.
53- انظر (46).
54- “روب- كساء”، الثوب الذي يرتديه الراهب، الثوب الكهنوتي.
55- جانغ بوجون (1895-1969) كان أحد مؤسّسي “الرابطة الديموقراطية الصينية”، وهو حزب ديموقراطي في الصين. لـُقّب من طرف ماوو تسي تونغ بـ “اليمينيّ رقم 1” سنة 1957، وهو من “اليمينيين” القلائل الذين لم يتمّ ردّ الاعتبار إليهم بعد الثورة الثقافية.
56- الامبراطور هويدزونغ من مملكة السونغ، ويُعرَفُ أيضًا باسم جاوو دجي (ح 1100-1126 م).
57- سو دونغبو (1036-1101 م) هو شاعر صيني مشهور في مملكة السونغ .
58- وان جانغمينغ (1470-1559 م) هو رسّام صيني.
59- تانغ بوهو (1470-1523 م) هو عالم صيني ورسّام وشاعر في مملكة المينغ.
60- دجين هي وحدة قيس أوزان مستعملة في الصين. الدجين يزن تقريبًا 500 غ.
61- انظر (36).
62- قصيدة لمانغ هاووران (689-740 م)، وهو شاعر مشهور في مملكة التانغ.
63- وانغ سي جي (321-379 م)، أشهر خطاط في التاريخ، عاش أثناء حكم مملكة التانغ.
64- المقدّمة الأصلية للانغ تينغ، من المرجّح أن يكون قد كتبها وان سي جي في أوج مسيرته كخطاط (51 سنة في 353 م)، هذا العمل يُعتبَرُ بالإجماع أهمّ عمل في تاريخ فنّ الخط الصيني.
65- وو شانآن (1506؟- 1582؟)، كاتب أقصوصة وشاعر صيني في مملكة المينغ، وهو مؤلـّف رواية “السفر إلى بلاد الغرب” (التي تـُعرَفُ أيضًا بـ : “القرد المسافر” أو أيضًا “سفر الغرب”)، وهي واحدة من بين أشهر أربع روايات صينية.
66- وو دجينغزي (1698-1779 م)، كاتب متألــّق من مملكة التشينغ، مؤلـّف “قصّة غابة المثقفين”.
67- عمل نثريّ من تأليف أويانغ شيو (1007-1072 م)، أحد “كبار شيوخ النثر الثمانية في مملكة التانغ ومملكة السونغ”. كان أويانغ شيو يلقّب نفسه بـ “السكـّير العجوز”.
68- تسمية أخرى للحرس الأحمر.
69- موسوعة يونغل أو يونغل داديان : أشرف عليها الامبراطور يونغل من مملكة المينغ سنة 1403 م. إنها أقدم موسوعة وأضخم موسوعة في العالم. اشتغل على هذا المشروع 2.000 عالمٍ، وجمّعوا 8.000 نصّ تمتدّ من العصور القديمة وصولاً إلى بدايات مملكة المينغ. وانتهى إعداد الموسوعة سنة 1408 م، وهي تضمّ 22.000 مجلــّدًا مخطوطـًا مجموعها يملأ فضاءًا بحجم 400 متر مكعّب.
70- لين بياوو (1907-1971) هو أحد أقدم مُسيّري الح ش ص، عمل تحت إمرة ماوو تسي تونغ كعضو في المكتب السياسي للصين، وكنائب رئيس (1958) ووزير دفاع (1959). عُيّن كخلفٍ لماوو سنة 1966 ولكنه فقد حظوته سنة 1970. قيل أنه حاول الهرب من الصين، ولكن طائرته تحطمت في منغوليا مسبّبة موته.
71- يمثل “ليانغ سياو” ثلــّة ً من الكتـّاب المُعيّنين، من بينهم جوييليانغ، الذي كان عضوًا في فريق التحرير، وقد كان ذلك سببًا في تلقـّيه لرسالة باعثها مجهول يكتفي بالقول أنه صديق قديم، وفي هذه الرسالة يتحدث “الصديق” عمّا سمّاه “أقصى درجات الوقاحة”.
72- الامبراطور تشين شي هوانغ (259-210 ق م)، يُعرَفُ أيضًا باسم يينغ جانغ، كان أوّل امبراطور في تاريخ الصين الموحّدة. وحّد القوانين القضائية، واللغة المكتوبة، والعملات النقدية، والأوزان ووحدات القيس، وأمر ببناء السور العظيم. كلّ هذه التدابير كان لها عظيم وعميق الأثر في التاريخ والثقافة الصينيين. كان قد أمر أيضًا بأن تـُحرق كتب مختلف المدارس، بما في ذلك كتب كونفوشيوس وكتب الطاوية، كما أمر بأن يُدفـَن 460 عالمًا كونفوشيوسيّا أحياء. فيما بعد صارت هذه الأحداث تـُعرَفُ في التاريخ تحت اسم :”إحراق الكتب ودفن العلماء الكونفوشيوسيين”. شيّد هذا الامبراطور ضريحًا لنفسه، ويُعتبرُ جيش تماثيل الطين الموجود في قبر الامبراطور تشين ثامن عجائب الدنيا.
73- من كتابات ماوو تسي تونغ 1949-1976 (المجلـّد الثاني).
74- لماوو : قوّموا أسلوب عمل الحزب (1942).
75- لماوو : خطاب في معرض يانآن للأدب والفنّ (1942).
76- وو سون (1838-1896 م)، واسمه الأصلي وو تشي، وُلد في تانغيي من مقاطعة شاندونغ. فقد والده في سنّ صغيرة جدّا، ولحق الفقر بأسرته. فاضطرّ إلى تسوّل الطعام ليطعم أمّه، وعُرِفَ باسم “المتسوّل البارّ بوالدته”. ثمّ بعد وفاة أمّه أصبح التسوّل بالنسبة له الطريقة الوحيدة لكسب عيشه. فيما بعد أقام مدارس مجانية بالمال الذي ادّخره من حياة التسوّل.
77- هو فانغ (1902-1985)، علاّمة وناقد أدبي. اعترض على الأدب المذهبي السياسي للح ش ص. طـُرد من الحزب سنة 1955 وحُكِمَ عليه بـ 14 عامًا من السجن.
78- من الأعمال المختارة لماوو تسي تونغ، المجلـّد الخامس- الأشياء بدأت تتغيّر (1957).
79- تشيانغ بوشانغ، الثقافة الشرقية، الطبعة الرابعة (2000).
80- كانت انطلاقة الحركة الطلاّبية 4 يونيو مع مجموعة من الطلبة يريدون إصلاحاتٍ ديموقراطية في الصين، وذلك في الفترة الممتدّة بين 15 أبريل و 4 يونيو 1989. ثمّ تمّ قمع هذه الحركة على يد جيش التحرير الشعبي، والرأي العام العالمي يسمّي ذلك “مجزرة 4 يونيو”.
81- وكالة بُعثت خصّيصًا لاضطهاد الفالون غونغ، وتتمتّع بصلاحيّاتٍ مطلقة في كلّ مستوىً في إدارة الحزب، كما في كلّ الكيانات السياسية والقضائية الأخرى.
82- نظرية “أصل الطبقات” تدّعي أنّ طبيعة الشخص تحدّدها الطبقة التي وُلدت فيها أسرته.
83- مأخوذ من نشيد الأوبرا العصرية لبيكين : أسطورة المصباح الأحمر، إحدى كبرى المسرحيّات الثمانية النموذجية التي تمّ رعايتها رسميّا وبلغت عصرها الذهبي أثناء “الثورة الثقافية الكبرى” (1966-1976).
84- “مو” هي وحدة قيس للمساحات مستعملة في الصين. المو الواحد يساوي 6.680 متر مربع.
85- “التمثيلات الثلاث” تدّعي أنّ الحزب يجب أن يُجسّد دومًا نزعة تكوّن ونموّ القوى الإنتجية المتقدّمة في الصين، وتوجّه الثقافة المتقدّمة للصين، والمصالح الأساسية للغالبية الساحقة من الشعب الصيني.
86- الخطاب الافتتاحي أثناء الدورة الأولى لأوّل تجمّع شعبي وطني لجمهورية الصين الشعبية (15 سبتمبر 1954).
87- “متلازمة العيون الحمر” : الغيرة هنا مستعملة لوصف الشخص الذي عندما يرى الآخرين يتصرّفون أفضل منه، يشعر بالضيق والانزعاج ويشعر أنه هو من ينبغي أن يُشهَدَ له بالتميّز والتفوّق.
88- “مسرحية نموذجية” صيغت أثناء “الثورة الثقافية الكبرى” (1966-1976). في الأسطورة الشعبية، الفتاة ذات الشعر الأبيض هي إلهة تعيش في مغارة وتملك قدراتٍ خارقة لكي تجازي عمل الخير وتعاقب عمل الشرّ، وتناصر العدل وتحدّ من انتشار الظلم، ولكن في هذه الأوبرا الصينية الحديثة، تمّ تصويرها على أنها فتاة اضطرّت للهرب واللجوء إلى مغارة بعد أن ضربها والدها ضربًا مبرّحًا لأنها رفضت الزواج من فلاّح ومالك أراض ثريّ وعجوز. ثمّ ابيضّ شعرها من سوء التغذية. وأصبح هذا العرض أحد أشهر العروض “العصرية” وأذكى شعور الكراهية الطبقية ضدّ مالكي الأراضي.
89- حرب النفق (ديدا وو جان، فلم بالأسود والأبيض، 1965)، دارت أحداثها أثناء الحرب ضدّ اليابانيين، هذا الفلم يصوّر نضال الشعب الصيني في الصين الوسطى حيث حارب الجنودَ اليابانيين مستعملاً مختلف الممرّات النفقية.
90- حرب المناجم (ديلاي جان، فلم بالأسود والأبيض، 1965)، تدور وقائعها في السنوات 1940 ؛ يصوّر الفلم حرب العصابات في مقاطعة هيباي وكيف قاوم هؤلاء العصابات غزو الفرق اليابانية بواسطة مناجم صناعية.
91- تحرير أدبي مُدرج في امتحانات الخدمة المدنية الامبراطورية، وهذا التحرير معروف بصرامة شكله وضحالة أفكاره.
92- المجاعة الكبرى من 1959 إلى 1961 في الصين هي أكبر مجاعة في تاريخ البشرية. يُقدّر عدد الوفيّات في هذه المجاعة بين 18 و 43 مليون.
93- انظر (7).
94- عن ماوو تسي تونغ.
95- حركة 4 مايو كانت أوّل حركة جماهيرية في تاريخ الصين الحديثة، بداية من 9 مايو 1919.
96- شان غويلي، إنذار نهر هوايهه (1995).
97- مأخوذ من المقدمة :”لأجل رؤية لي يوان يعود إلى بانغو” من تأليف هان دو (768-824 م)، وهو أحد أكبر شيوخ النثر الثمانية في مملكتي التانغ والسونغ.
98- تاوو يوانسينغ (365-427 م)، يُعرَفُ أيضًا بتاوو تشيان، وهو أحد أكبر الشعراء في تاريخ الأدب الصيني.

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة السابعة: تاريخ الحزب الشيوعي الصيني تاريخ تقتيل
توطئة
إنّ تاريخ الحزب الشيوعي الصيني، ومدّته 55 سنة، مُضرّج بالدم والكذب. والقصص التي وراء هذا التاريخ الدامي هي لا فقط مأساوية للغاية، ولكنها مجهولة في معظمها. تحت زعامة الح ش ص، قـُـتـِل عدد يتراوح بين 60 و 80 مليون صينيّ بريء، تاركين وراءهم عائلات ممزقة. الكثير يتساءلون لم يقتل الح ش ص بتلك الكثرة. مع مواصلة قمعه العنيف للفالون غونغ، وقمعه مُؤخرًا لاحتجاجات شعبيّة في هانيوان بإطلاق الرصاص عليها، يحقّ لنا أن نتساءل : هل سيأتي يوم نرى فيه الح ش ص يعبّر بالكلمات بدل الأسلحة ؟
لقد لخّص ماوو تسي تونغ هدف الثورة الثقافية كما يلي :”[…] تمرّ الفوضى، ويستعيد العالم الطمأنينة والسلام، ولكن بعد مُضيّ 7 أو 8 سنوات لا بدّ للفوضى أن تعود من جديدٍ” [1]. بعبارة أخرى، لا بدّ من قيام ثورة ثقافية كلّ 7 أو 8 سنين، ولا بدّ من قتل جزء من الشعب كلّ 7 أو 8 سنين.
هناك إيديولوجية كاملة تقبع خلف مجازر الح ش ص وهناك أيضًا متطلـّبات عمليّة.
بناءًا على إيديولوجيّته الخاصّة، يعتقد الح ش ص في “ديكتاتوريّة البروليتاريا” وفي “الثورة المستمرّة بقيادة ديكتاتورية البروليتاريا”. لذا، بعد استيلاءه على السلطة في الصين، قتل مالكي الأراضي ليحلّ مشاكل العلاقات الإنتاجية في المناطق الريفية، وقتل “الرأسماليّين” ليصل إلى إصلاحات تجارية وصناعية ويحلّ مشاكل الإنتاجية في المدن. وبعد أن قضى على هاتين الطبقتين، حُلـّت المشاكل الاقتصادية إجمالاً. وبالطريقة نفسها، وضع ثقافة الطبقة المهيمنة [2] تمّ أيضًا بواسطة القتل. فقد تمّ القضاء على المثقفين أثناء قمع مجموعات هوفانغ المعارضين للحزب [3] وقمع الأعداء اليمينيّين. أمّا مشكل الديانات فقد حُلّ عن طريق قتل المسيحيّين، والطاويّين، والبوذيّين، والجماعات العرقيّة. القتل الجماعيّ الذي وقع أثناء الثورة الثقافية أرسى الهيمنة المطلقة ـ الثقافية والسياسية ـ للح ش ص. مجزرة ساحة تيانانمن كانت تهدف لتجنّب أزمة سياسيّة ولوئد أيّ مطالب ديموقراطية. اضطهاد الفالون غونغ يهدف للقضاء على المسائل العقائدية ومسائل الطب التقليدي. سواءًا كانت الأزمات المالية المستمرّة (أسعار سلع الاستهلاك ارتفعت بشكل ملحوظ منذ أن استولى الح ش ص على السلطة والاقتصاد الصيني انهار إثر الثورة الثقافية) أو الأزمات السياسية (رفض الناس للانصياع لأوامر الحزب وإصرارهم على أن يتقاسموا معه الحقوق السياسية)، أو الأزمات العقائدية (تفكّك الاتحاد السوفياتي سابقـًا، والتغيّرات السياسية في أوروبا الشرقية ومسألة الفالون غونغ)…من وجهة نظر الح ش ص كلّ هذه الأزمات كانت لازمة لتقوية سلطته والحفاظ عليها. باستثناء الفالون غونغ، استعمل الح ش ص كلّ هذه الحركات تقريبًا ليُحيي من جديدٍ الشيطان الكامن ويُأجّج الرغبة في الثورة. كما استعمل الح ش ص هذه الحركات السياسية أيضًا ليختبر أعضاءه أنفسهم، وليصفـّي منهم أولئك الذين لا يستجيبون لمقاييس الحزب.
القتل أساسيّ أيضًا لأسباب عمليّة. في بدايته كان الح ش ص عبارةً عن زمرة من الصعاليك والمجرمين الذين يقتلون لكي يستحوذوا عالى السلطة. ولكن بعد أن أسّسوا تلك السلطة، لم يكن ممكنـًا أن يتراجعوا إلى الوراء. وجدوا أنّ عليهم أن يُبقوا على تلك الحالة من الرعب دائمًا، لكي يُرهبوا الناس ويُرغموهم على قبول تلك السلطة والإذعان لها، في ظلّ الخوف.
في الظاهر، يبدو وكأنّ الح ش ص كان “مُضطرّا للقتل”، يُمكن أن يُخيّل لنا أنّ مُختلف الأحداث التي وقعت هي التي أطلقت مكنة القتل الآليّ لديه. في الحقيقة، تلك الأحداث استعمِلت لإخفاء حاجته إلى القتل، لأنه بالنسبة للحزب، من الضروري أن تقع ممارسة القتل بصفة دوريّة. بدون تلك الدروس الأليمة، كان الناس ربّما سيبدؤون يظنّون أنّ الح ش ص بصدد التحسّن، وسيتجرّؤون ربّما على المطالبة بالديموقراطية، مثل أولئك الطلبة الطوباويّين أثناء الحركة الديموقراطية في 1989. الالتجاء إلى مجزرة كلّ 7 أو 8 سنين من شأنه أن ينفض الغبار عن ذاكرة الناس ويُعيد إلى أذهانهم الرعب المستمرّ ويُحذّر الأجيال الجديدة ويُفهمهم أنّ أيّا كان يعترض على الح ش ص، سواءًا كان يروم أن يتحدّى السلطة المطلقة للح ش ص أو يُجدّد العهد مع تاريخ الثقافة الصينية، فإنه يذوق طعم “القبضة الحديدية لديكتاتورية البروليتاريا”.
أصبح القتل بالنسبة للح ش ص أحد الوسائل الأساسية للحفاظ على السلطة. مع إهراقه المزيد والمزيد من الدم، كان يُصبح مدينًا أكثر فأكثر، فإن هو وضع سكّين الجزار جانبًا، كان ذلك ربّما سيشجّع الناس على الانتقام من الأعمال الإجرامية للح ش ص. القتل بكثرة وبدقة لم يكن كافيًا، بل إنّ المجزرة كان ينبغي أن تتمّ بطريقة أكثر ما تكون عنيفة، لكي يُربِك الجماهير بطريقة فعّالة، وخاصّة في الفترة التي كان فيها الح ش ص بصدد إرساء سلطته.
بما أنّ الهدف من القتل هو إرساء مناخ من الرعب، فإنّ الح ش ص كان يختار ضحاياه بطريقة عشوائيّة ولا معقولة. في كلّ حركة سياسيّة، استعمل الح ش ص استراتيجية المجزرة. ولنأخذ كمثال “قمع الرجعيّين” : لم تقمع تلك الحركة الأعمال “الرجعيّة” بل “الناس” الذي يُعتبرُ أنهم “رجعيّون”. إن كان أحدهم قد حُمِل للخدمة العسكرية واشتغل بضعة أيّام تحت لواء الجيش الوطني (الكوومينتانغ) ـ بدون أن يكون قد مارس السياسة بعد وقوع السلطة بيد الح ش ص ـ فإنه كان يُـقتَلُ على كلّ حال بسبب “ماضيه الرجعيّ”. أثناء الإصلاح الزراعي، وبهدف تسوية المشكل “من جذوره”، كان الح ش ص كثيرًا ما يقتل عائلات أصحاب الأراضي بأكملها.
منذ 1949، اضطهد الح ش ص أكثر من نصف الشعب الصيني. يُقدّرُ أنّ عددًا يتراوح بين 60 و 80 مليونًا قد ماتوا ميتةً غير طبيعية. هذا العدد يفوق عدد قتلى الحربين العالميّتين مجتمعتين.
ومثلما هو الحال في بلدان شيوعية أخرى، التقتيل العشوائي الذي كان يُمارسه الح ش ص كان يضمّ أيضًا التصفية العنيفة لأعضاءه أنفسهم، وذلك بهدف القضاء على المنشقـّين الذين يختلج في قلوبهم شيء من الإنسانية يعلو على طبيعة الحزب. بهدف بناء قلعة منيعة، فإنّ سلطة الرعب للح ش ص تضرب الشعب وأعضاء الح ش ص أنفسهم على حدّ سواء.
في مجتمع عاديّ، نجد الناس يُحسّون بالعطف والمحبّة بعضهم إزاء بعض. هم يحترمون الحياة، ويشكرون الله. في الشرق يُقال :”لا تفعل بالآخرين ما لا تُريد أن يُفعَل بك” [4]. في الغرب يُقال :”أحبّ أخاك الإنسان مثلما تحبّ نفسك” [5]. مقابل ذلك، يؤكّد الح ش ص على أنّ “تاريخ كلّ المجتمعات البشرية التي وُجدت حتّى الآن هي تاريخ صراع بين الطبقات” [6]. ولكي نبقي على هذه “الصراعات” داخل المجتمع، يجب أن نولـّد الكره. الح ش ص لا يقتل فحسبُ، بل أيضًا يُشجّع الناس على الاقتتال فيما بينهم. هدفه هو أن يُصيّرهم عديمي الإحساس بآلام الغير، مع جرائم القتل المُرتكـَبة في كلّ مكان. هدف الح ش ص هو تعريضهم بصفة دائمة لذلك العنف اللاّـ إنساني، وبالتالي تخديرهم، ولكي تتكوّن لديهم فكرة أنّ أقصى ما يتمناه الفرد هو أن ينجو من الاضطهاد. كلّ هذه الدروس التي كان الح ش ص يُعطيها أثناء حملات القمع العنيفة تخوّل له أن يبقى في السلطة.
بالإضافة إلى قتله عددًا لا يُحصى من البشر، يُدمّر الح ش ص أيضًا روح الأمّة الصينية. الكثير من الناس أصبحوا مُكيَّـفين ونجد أنّ ردّة فعلهم إزاء الح ش ص تفتقر إلى أدنى مبادئ أو منطق سليم. بعبارة أخرى، روح هؤلاء الناس قد ماتت…وهو شيء أفظع بكثير من موت الجسم.

I. مجزرة مروّعة
قبل أن يبلغ الح ش ص سدّة الحكم، كان ماوو تسي تونغ قد كتب :”نحن بطبيعة الحال لن نتوخّى سياسة رفق وحسن معاملة إزاء الرجعيّين والنشاطات الرجعيّة للطبقات الرجعيّة” [7]. بعبارة أخرى، حتّى قبل أن يستولي على بيكين، كان الح ش ص قد نوى أن يمارس الطغيان المقنّع تحت الاستعارة التالية “الديكتاتورية الديموقراطية الشعبية”. نستعرض فيما يلي بعض الأمثلة :

1- قمع الرجعيّين والإصلاح الزراعي
في مارس 1950، كان الح ش ص يُطلق “أوامر بقمع العناصر الرجعيّة بصرامة”، وعُرفت هذه الحركة فيما بعد بـ “قمع الرجعيّين”.
خلافًا لكلّ من سبق من الأباطرة، الذين كانوا يمنحون العفو العامّ في كامل البلاد مُباشرةً إثر تتويجهم، شرع الح ش ص في القتل حالما وصل إلى الحكم. في إحدى الوثائق يُصرّح ماوو تسي تونغ :”لا يزال هناك الكثير من الأماكن حيث الناس مُرتبكون ولا يجرؤون على قتل الرجعيّين علانيّة وعلى نطاق واسع”. في شهر فبراير من سنة 1951، قال الح ش ص المركزيّ أنه باستثناء مقاطعات جيجيانغ وآنهوي بالجنوب، “المقاطعات الأخرى التي لا تقتل بما فيه الكفاية، وخصوصًا في المدن الكبرى والمتوسّطة، عليها أن تواصل القتل إلى أكثر حدّ ممكن، وألاّ تتوقف مُبكّرًا” [8]. حتّى أنّ ماوو طلب ما يلي :”فيما يخصّ قتل الرجعيّين في المناطق الريفية، يجب أن يتمّ قتل 1/1000 شخص في المعدّل. في المدن، لا بأس إن كانت نسبة القتل أقلّ” [9]. كان سكّان الصين في تلك الفترة يعدّون 600 مليون نسمة ؛ ولكنّ هذا الأمر الملكيّ الذي أصدره ماوو سبّب على الأقلّ 600.000 قتيلاً. لا أحد يعلم من أين أتت هذه النسبة : 1/1000 من المواطنين.. ربّما أنّ ماوو بكلّ بساطة قرّر أنّ هذه الـ 600.000 حياة كافية لكي يُخيّم مناخ الرعب وسط الشعب، لذلك أصدر أمره.
هل استحقّ هؤلاء الأشخاص الموت أم لا، هذا لا يدخل ضمن اهتمامات الح ش ص. “قوانين الجمهورية الشعبية بالصين في شأن عقوبات الرجعيّين” والمُعلـَنة في 1951 تنصّ على أنه حتّى من “يُروّج إشاعات” يُمكن أن “يُقتـَل فورًا”.
بينما كان قمع الرجعيّين جاريًا، كان الإصلاح الزراعي أيضًا يجري على نطاق واسع. كان الح ش ص قد بدأه منذ نهاية السنوات 1920، في المناطق التي كان يحتلـّها. في الظاهر كان ذلك يبدو وسيلة للحصول على أمّة آمنة ومثاليّة ـ شبيهة بالمملكة السماوية بتايبينغ [10]ـ حيث كان كلّ فردٍ تقريبًا في المملكة يملك أراض…ولكن في الحقيقة كان ذلك مجرّد ذريعة للقتل. تاوو جو ـ الذي كان رقم 4 في ترتيب الح ش ص، ابتدع شعارًا للإصلاح الزراعيّ :”كلّ قرية تنزفُ دمًا، وكلّ زوجين يتشاجران”، مُشيرًا إلى أنه يجب قتل مالكي الأراضي.
كان بالإمكان أن يتمّ الإصلاح الزراعي دون قتل. الحكومة التايوانية قامت به عبر اشتراء الأراضي من أصحابها. ولكنّ الح ش ص نظرًا لكونه عُصبة من اللصوص وحثالة المجتمع لا يعرفون شيئًا سوى النهب، فقد كان بطبيعة الحال في حاجة لقتل ضحاياه لكي يضمن ألاّ ينتقموا أبدًا.
طريقة القتل الأكثر شيوعًا أثناء الإصلاح الزراعي كانت “مُلتقى الصراع”. كان الح ش ص يختلق تُهمًا ويُلفّقها لأصحاب الأراضي والفلاّحين الأثرياء. ثمّ كان يطلب من الجمهور بأيّ طريقة ينبغي أن يُعاقـَبَ هؤلاء الأشخاص. ويكون هناك أعضاء ونشطاء من الح ش ص مندسّين داخل الحشد فيصيحون :”يجب قتلهم !” فيُقتـَلُ أصحاب الأراضي أو الفلاحون الأثرياء على الفور. في تلك الفترة، أيّ شخص كان يملك أراض في القرية كان يُنعَتُ بـ “طاغية”. أولئك الذين كانوا يستغلّون القرويّين الفقراء كانوا يُنعَتون بـ “طغاة فاسدين”. أولئك الذين كانوا كثيرًا ما يقدّمون العون ويرعوْن المصالح العامّة ويتبرّعون بالمال للمدارس وأثناء الكوارث الطبيعية كانوا يُنعَتون بـ “طغاة طيّبين”، وأولئك الذين لم يكونوا يفعلون شيئًا يُنعَتون بـ “طغاة صامتين”..ولم يكن هذا التصنيف مُهمّا على كلّ حال، إذ كان كلّ “الطغاة” يُقتلون فورًا مهما يكن الصنف الذين ينتمون إليه.
في 1952، نشر الح ش ص عدد “الأشخاص الرجعيّين” الذين قتلهم : أكثر من 2.4 مليون شخص. في الحقيقة عدد القتلى من أصحاب الأراضي وموظفي حكومة الكوومينتانغ السابقين على مستوى المقاطعة كان يصل إلى 5 ملايين على الأقلّ.
قمع الرجعيّين والإصلاح الزراعي كانت له ثلاثة عواقب : الأولى هي أنّ الموظفين القدامى الذين كان قد وقع عليهم الاختيار بواسطة نظام مستقلّ يرتكز على العشائر، تمّ القضاء عليهم. بقمعه للرجعيّين وبإصلاحه الزراعي، قتل الح ش ص كلّ المسيّرين والمُشرفين في النظام السابق وفرض سيطرة مُطلقة عبر وضعه عضوًا من الحزب الشيوعي على رأس كلّ قرية. العاقبة الثانية هي المبالغ الهائلة التي جمّعها نتيجة السرقة والنهب. والعاقبة الثالثة هي أنّ الموظفين أصيبوا بالرعب جرّاء القمع العنيف لأصحاب الأراضي والفلاّحين الأثرياء.

2- “حملة الأضداد الثلاثة” و”حملة الأضداد الخمسة”
قمع الرجعيّين والإصلاح الزراعيّ شملا بالأساس الأرياف، بينما “حملة الأضداد الثلاثة” و”حملة الأضداد الخمسة” (وتسمّيان أيضًا “حملة الضربات الثلاثة” و”حملة الأضداد الخمسة”) اللتين تلتا شملتا المدن. (الثنائي الأول كان مجزرة الأرياف بينما الثنائي الثاني كان مجزرة المدن.)
“الأضداد الثلاثة” كانت حملة ضدّ الفساد، وضدّ التبذير، وضدّ البيروقراطية، بدأت في ديسمبر 1951 واستهدفت فساد إطارات الحزب. بعض الأعضاء الفاسدين للح ش ص تمّ إعدامهم. ولم يمض وقت طويل إثر ذلك حتّى عزا الح ش ص فساد موظفي حكومته إلى محاولات الرأسماليين. وبالتالي أطلق في 1952 “حملة الأضداد الخمسة”: ضدّ الفساد والتهرّب من الضريبة، والسطو على الممتلكات العامّة، واختلاس أموال الدولة، والتجسّس على المعلومات الاقتصادية للدولة.
“حملة الأضداد الخمسة” تمثلت بالأساس في نهب ممتلكات الرأسماليّين أو بالأحرى قتل الرأسماليّين للاستيلاء على أموالهم. كلّ مساء، كان سان يي ـ رئيس بلدية شانغهاي في ذلك الوقت ـ يستفسر وهو جالس على الأريكة، وفنجان الشاي في يده، عن تقدّم العمليّات. كلّ مساء كان يسأل بلا مبالاة :”كم من مظلـّي سجّلتم اليوم ؟” يعني بذلك : كم من رجل أعمال انتحر اليوم مُلقيًا نفسه من سطح بناية شاهقة ؟ لم يُفلت أيّ رأسماليّ من “حملة الأضداد الخمسة”. كان يُطلـَبُ منهم أن يدفعوا ضرائب “مسروقة” يعود عهدها إلى فترة غوانغسو (1875ـ1905) من عهد حكم سلالة التشينغ (1644ـ1911) عندما تأسّس السوق التجاري لشانغهاي أوّل مرّة. رغم ما لديهم من أموال وموارد، لم يكن بوسع الرأسماليين أن يدفعوا مثل هذه “الضرائب”. لم يكن لديهم خيار آخر سوى وضع حدّ لحياتهم، ولكنهم لم يكونوا يجرؤون حتّى على رمي أنفسهم في نهر هوانغبو، لأنه إن لم يقع العثور على جثثهم فإنّ الحكومة كانت ستتهمهم بالهرب إلى هونغ كونغ وسيكون على أفراد عائلاتهم أن يتحمّلوا مسؤولية تلك الضرائب. لذلك كان الرأسماليون يفضّلون أن يرموا بأنفسهم من سطوح البنايات، تاركين للح ش ص أجسادهم دليلاً على موتهم. يُروى أنه في تلك الفترة في شانغهاي كان الناس لا يجرؤون على المشي بمحاذاة البنايات العالية خوفًا من أن يسقط عليهم أحد القافزين من النوافذ.
حسب وقائع الحملة السياسية بعد تأسيس الجمهورية الشعبية بالصين، والتي نشرتها أربعة أقسام حكومية من بينها مركز الدراسات التاريخية ببيكين في 1996، أثناء حملتيْ “الأضداد الثلاثة” و”الأضداد الخمسة”، تمّ إيقاف أكثر من 323.100 شخص وأكثر من 280 انتحروا أو اختفوْا. أثناء حملة “ضدّ هوفانغ” في 1955، تمّ اتّهام أكثر من 5.000 وإيقاف أكثر من 500، أكثر من 60 انتحروا و12 ماتوا ميتة غير طبيعية. أثناء ما تلى ذلك من قمع للرجعيّين، تمّ إعدام أكثر من 21.300 شخص، وأكثر من 4.300 انتحروا أو فـُـقِدوا [11].

3- المجاعة الكبرى
أكبر نسبة وفيّات سُجّلت في الصين كانت أثناء المجاعة الكبرى، والتي تلت القفزة الكبرى إلى الأمام بوقت قصير [12]. هناك مقال بعنوان “المجاعة الكبرى” في كتاب الأرشيفات التاريخية للجمهورية الشعبية بالصين، والذي نشِرَ سنة 1994. يُصرّح هذا المقال بأنّ “عدد الوفيّات غير الطبيعية وتقلـّص عدد الولادات بين سنتي 1959 و 1961 يُقدّرُ بـ 40 مليون […] لا بدّ أنّ هلاك 40 مليون شخص من الشعب يمثل أكبر مجاعة في تاريخ العالم” [13].
لقد شوّه الح ش ص حقيقة المجاعة الكبرى، واختلق ما يُسمّى بـ “السنين الثلاث للكوارث الطبيعية”. في الواقع، تلك السنين الثلاث شهدت ظروفًا مناخيّة وطبيعيّة طيّبة ؛ لم يحدث فيها فياضانات كبيرة، ولا جفاف، ولا عواصف، ولا سيول جارفة، ولم يحدث أيّ زلزال، ولا جليد، ولا موجات برد شديدة، ولا بَرَد، ولا أسراب جرادٍ. كلّ “الكارثة” كانت من صنع الإنسان. حملة القفزة الكبرى إلى الأمام كانت تريد أن ينخرط كلّ شخص في الصين في صناعة الصلب، وهكذا أجبِرَ الفلاّحون على إهمال محاصيلهم وتركها تتلف على عين المكان في الحقول. ورغم ذلك زاد الموظفون في كلّ منطقة في طلباتهم من إنتاج المحاصيل. هو ييوان، الأمين العام الأول لقسم شرطة لجنة الح ش ص في عمادة ليوجو، اخترع أمرًا غير معقول :”نسبة 65.000 كيلو أرزّ في المو الواحد” في مقاطعة هوانجيانغ [14]. حدث هذا مباشرة إثر الجلسة المكتملة بلوشان، وعندما كانت حملة قمع الجناح الأيمن في أوجها في كامل البلاد، بهدف إثبات أنّ الح ش ص دائمًا على حقّ، صُودِرَ المحصول من طرف الحكومة على شكل ضرائب مبنيّة على نِسب الإنتاج تلك ـ المُبالغ فيها. وبالتالي فإنّ حصص الحبوب والموادّ الأساسية صُودرت بأكملها من المُزارعين. وعندما ظلـّت لا تفي بالطلب، اتّهموا المزارعين بإخفاء المحاصيل.
كان هي ييوان يقول أنه رغم عدد الناس الذين كانوا يموتون بليوجو فإنه يظلّ عليهم أن يُحاولوا جهدهم أن يتصدّروا المرتبة الأولى في السباق نحو مردوديّة الإنتاج. بعض المُزارعين حُرموا من كلّ شيءٍ، ولم يبق لديهم سوى بضع حفناتٍ من الأرزّ أخفوْها في سطل الاستراحة. ووصل الأمر إلى أنّ لجنة الحزب في إقليم سونلوه، إقليم هوانجيان، أصدرت أمرًا يمنع الطبخ، لكي يمنعوا القرويين من أكل محاصيلهم. كانت هناك دوريّات تجوب الأرياف أثناء الليل. إن لمحوا ضوء نار، كانوا يقومون بدهم المنازل والتفتيش. الكثير من القرويين لم يعودوا يجرؤون حتّى على طبخ الخضار البرّية أو قشور الخضار وماتوا جوعًا.
على مرّ التاريخ، كانت الحكومات أثناء فترات المجاعة، تمدّ الناس بحساء الأرزّ، وتوزّع المحاصيل، وتسمح للضحايا بالرحيل للهرب من المجاعة. ولكنّ الح ش ص كان يعتبر الهرب من المجاعة إهانة لكبرياء الحزب، لذا كان يأمر الدوريّات بسدّ الطرقات لمنع الضحايا من الهرب من المجاعة. كان كلّ شخص يُقبَضُ عليه وهو بصدد أخذ حبوبٍ من مستودع الحبوب يُنعَت بأنه “عدوّ الثورة” ويُقتـَل رميًا بالرصاص. كان الفلاّحون يهلـَكون شيئًا فشيئًا في مقاطعات غانسو، شاندونغ، هينان، آنهوي، هوباي، هونان، سيشوان، وغوانغسي. ورغم ذلك كان يتمّ إرغامهم على المشاركة في أعمال الريّ، وبناء السدود، وصنع الصلب. الكثير منهم كان يتهاوى ولا ينهض بعدها أبدًا. كانت عائلاتٌ من الفلاّحين تموت بأسرها. والباقون على قيد الحياة لم تكن لديهم القوّة لدفن موتاهم. قـُرًى بأكملها اضمحلـّت، إذ كانت العائلات تموت من الجوع واحدة تلو الأخرى.
قبل وصول الح ش ص إلى السلطة، وأثناء أخطر المجاعات في تاريخ الصين، كانت العائلات تتبادل أطفالها مقابل الطعام، ولكن لم يحدث أبدًا أن يأكل أحدهم أطفاله. تحت حكم الح ش ص بلغ الأمر بالناس إلى أكل الموتى، وإلى قتل أولئك القادمين من مناطق أخرى وأكلهم، وحتّى إلى أكل أطفالهم فلذات أكبادهم. وصف الكاتب شاتشينغ المشهد التالي في كتابه يي سي دا دي وان (الأرض المظلمة : باي دا دي) : في إحدى عائلات الفلاّحين، كان هناك أب يعيش وحيدًا مع ابنه وابنته. وذات يوم طرد ابنته خارج المنزل. وعندما عادت لم تجد أخاها الصغير، ولكنها رأت بعض الزيت طافيًا على القدر وكومة من العظام بجانب الموقد. وبعد بضعة أيام، وضع الأب ماءًا في القدر وطلب من ابنته أن تقترب، فارتاعت الطفلة واختبأت وراء الباب وتوسّلت لأبيها :”أرجوك يا أبي لا تأكلني. أستطيع أن أذهب لأحتطب وأطهو لك. إن أكلتني من سيقوم بهذه الشؤون من أجلك ؟”
في النهاية لا نعرف حقـّا مدى الكوارث ولا عدد المآسي التي مثل هذه المأساة تحت حكم الح ش ص، ورغم ذلك نجد هذا الأخير يُشوّه الحقائق، ويُحوّلها إلى مفاخر، زاعمًا أنه يدفع الناس ليُكافحوا بشجاعة “الكوارث الطبيعية” ومُستمرّا في التباهي بأنه “عظيم، ومجيد، وعادل”.
بعد الجلسة المكتملة بلوشان في 1959، أقيلَ الجنرال بانغ دوهواي [15] من مهامّه لأنه ناصر اشعب. كذلك بالنسبة لمجموعة من الموظفين وأعوان الحكومة الذين تجرّؤوا على قول الحقيقة : أطرِدَ بعضهم، واعتـُقِل البعض الآخر وخضع لأبحاثٍ. ولم يجرؤ أحدٌ بعد ذلك عن التعبير عن رأيه. في فترة المجاعة الكبرى، عوض أن ينقلوا الحقيقة، أخفوْا عدد القتلى جرّاء المجاعة حفاظا على مراكز عملهم. بل إنّ مقاطعة غانسو رفضت مساعدة غذائيّة من مقاطعة شآنسي وادّعت أنّ لديها فائضًا من الغذاء بغانسو.
هذه المجاعة الكبرى كانت أيضًا اختبارًا لإطارات الحزب : إن صمدوا ولم يستسلموا للرغبىة في قول الحقيقة إزاء عشرات الملايين من الناس الذين يموتون جوعًا، كانوا يبلغون مقاييس الح ش ص. هذا الأخير كان يتيقن حينها أنه ما من شيءٍ ـ لا المشاعر الإنسانية ولا المبادئ السماوية ـ عاد بإمكانه أن يُحوّل وجهتهم عن خط سير الحزب. بعد المجاعة الكبرى، شارك الموظفون المسؤولون عن المقاطعات بكلّ بساطة في بروتوكول النقد الذاتي. لي تينغتشوان، وهو أمين الح ش ص في مقاطعة سيشوان ـ حيث قضى ملايين الأشخاص جوعًا ـ رُقّي إلى منصب أمين أوّل لقسم إقليم الجنوب الغربي لدى الح ش ص.

4- من الثورة الثقافية إلى مجزرة ساحة تيانانمن وإلى الفالون غونغ
الثورة الثقافية أطلقت رسميّا في 16 مايو 1966 ودامت إلى حدود 1976. سُمّيت هذه الفترة “السنين الكارثية العشر” حتّى من طرف الح ش ص نفسه. أثناء حوار أجراه معه صحفيّ يوغسلافيّ، صرّح الأمين العامّ السابق للحزب، هو ياووبانغ :”في تلك الفترة، كان 100 مليون شخص تقريبًا ضالعين (متورّطين)، وهي نسبة تمثل عُشر الشعب الصيني.”
وقائع الحملات السياسية بعد تأسيس الجمهورية الشعبية بالصين، والتي جمّعها مركز البحث التاريخي التابع للح ش ص، تذكر ما يلي :”في مايو من سنة 1984، وبعد 31 شهرًا من الأبحاث المُكثفة، من المعاينة والإحصاءات المستمرّة التي قامت بها اللجنة المركزية، فإنّ الأرقام المتعلقة بالثورة الثقافية هي كما يلي : 4.2 مليون شخص اعتـُقِلوا وخضعوا لأبحاث، 1.7 مليون شخص ماتوا ميتة غير طبيعية، 135.000 شخص لُـقّبوا بـ “أعداء الثورة” وأعدِموا، 23.700 شخص قـُتِلوا، 7.03 شخص أصيبوا بعاهة مُستديمة جرّاء هجومات مسلحة، و71.200 عائلت تفكّكت.” تبرز الإحصائيات المُجمّعة على مستوى المقاطعة أنّ 7.73 ملايين شخص ماتوا ميتةً غير طبيعية أثناء الثورة الثقافية.
بالإضافة إلى الناس الذين ضُربوا حتّى الموت، أثارت بداية الثورة الثقافية أيضًا موجاتٍ من الانتحار. إنه في تلك الفترة حيث نجد أنّ كثيرًا من كبار المثقفين مثل لاوو شو، فولاي، جيان بوزان، ووهان، وشو آنبينغ وضعوا حدّا لحياتهم.
كانت الثورة الثقافية أكثر فترة يسارية تقترب من الجنون. أصبح القتل وسيلة منافسة يُظهر الشخص من خلالها وضعيّته الثورية والطرق المستعملة للقضاء على “الأعداء الطبقيين” كانت قاسية وعنيفة إلى أقصى حدّ.
سهّلت سياسة “الإصلاح والانفتاح” مرور المعلومة، الأمر الذي خوّل لبعض الصحفيين الأجانب أن يكونوا شهود عيان على مجزرة ساحة تيانانمن، وأن يبثوا الصور التي نرى فيها دبابات تدوسُ طلاّبًا على قيد الحياة.
عشر سنين بعدها، وفي 20 يوليو 1999، أطلق جيانغ زمين قمعه للفالون غونغ. مع نهاية 2002، أكّدت مصادر آتية من الحكومة الصينية أنّ عدد القتلى الغير مُصرّح بهم يتجاوز 7.000 في مراكز الاعتقال، ومخيّمات العمل الإجباري، والسجون، ومستشفيات الأمراض العقلية، مع معدّل يصل إلى 7 قتلى كلّ يوم.
اليوم، يبدو أنّ الح ش ص يقتل بنسبة أقلّ بكثير من الماضي حيث كان الملايين، بل عشرات الملايين يُقتَلون. هناك سببان وراء هذا الأمر : الأول هو أنّ ثقافة الحزب قد شوّهت روح الصينيين، وأصبحوا مُستسلمين خاضعين ومُتشائمين. والسبب الثاني هو أنه بسبب الفساد المُشط والغشّ والتدليس بين موظفي الحكومة الصينية، أصبح الاقتصاد الصيني “اقتصادًا تحت الحقن” يتوقف على رؤوس الأموال الأجنبية ليحقق النموّ الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. العقوبات الاقتصادية التي تلت مجزرة ساحة تيانانمن لا زالت راسخة في ذاكرة الح ش ص وهو يعلم أنّ القتل العلنيّ من شأنه أن يُسبّب انسحاب رؤوس الأموال الأجنبية وربّما يضع نظامه الشموليّ في خطر.
في الحقيقة، لم يكفّ الح ش ص أبدًا عن تقتيل الناس. الفرق هو أنه الآن يتفانى في إخفاء مسرح الجريمة.

II. طرق في القتل على غاية من القسوة
كلّ ما يفعله الح ش ص لا يخدم سوى غاية واحدة : الحصول على السلطة والحفاظ عليها. القتل بالنسبة للح ش ص هو وسيلة أساسية للحفاظ على السلطة. كلما قـُتِل عدد أكبر من الناس وكلما كانت الطرق المُستعملة قاسية، كلما نجح ذلك أكثر في ترويع الناس. لقد بدأ هذا الرعب حتّى قبل الحرب الصينية ـ اليابانية.

1- المجازر في شمال الصين أثناء الحرب الصينيةـ اليابانية
كان الرئيس الأسبق للولايات المتحدة ـ هوفرـ يوصي بقراءة كتاب “العدوّ الداخليّ” من تأليف الأب ريمون دوجاغر [16] والكاتبة الأمريكية إيرين كوربالي كون، قائلاً أنّ هذا الكتاب يصوّر تصويرًا مجرّدًا رعب الحركات الشيوعية. كان يرى أنّ كلّ شخص يُريد أن يفهم فيم تتمثل تلك القوّة الشريرة الموجودة في العالم، عليه بقراءة ذلك الكتاب.
في هذا الكتاب يروي المؤلفان دوجاغر و كون حكايات تصوّر كيفيّة استعمال الح ش ص للعنف لترويع الناس وإرغامهم على الخضوع. مثلاً في أحد الأيام، طلب الح ش ص أن يتوجّه جميع السكان إلى ساحة القرية. وأن يصطحب المدرّسون أيضًا تلاميذهم إلى الساحة. كان الهدف من هذا التجمّع هو مشاهدة عمليّة تنفيذ الإعدام في 13 من الشبّان الوطنيين. وبعد الإعلان عن التهم المُفبركة والمُلفقة للضحايا، أمر الح ش ص مُدرّسة التلاميذ ـ وقد تملك الرعب قلبها ـ أن تجعل التلاميذ يُنشدون أناشيد وطنية. أمامهم على الساحة لم يكن هناك راقصون ليرافقوا الأناشيد برقصهم، بل جلاّد يُمسك بسكّين مشحوذ. لقد كان جنديّا شيوعيّا ذو عضلات مفتولة، قويّا وعديم الرحمة.
اتجه الجندي خلف الضحيّة الأولى ورفع بسرعة سكّينه الكبير وضرب إلى الأسفل، وسقط الرأس الأول..وانبثق الدم كما لو من نافورة بينما كان الرأس يتدحرج على الأرض، وأخذ النشيد الهستيري للتلاميذ يتحول إلى صراخ وبكاء. وكانت المدرسة تواصل توقيع النغم مُحاولة ألاّ ينقطع النشيد، ولكنّ جرسها كان يرنّ وسط الصخب والفوضى.
لقد ضرب الجلاّد 13 مرّة وسقط 13 رأسًا. إثر ذلك، أقبل كثير من الجنود الشيوعيين وشقّوا صدور الضحايا لينتزعوا قلوبهم، ويحتفلوا. كلّ هذه الفظائع جرت على مرأىً ومسمع من التلاميذ. لقد اصفرّت وجوههم رعبًا، والبعض منهم أخذ يتقيّأ. وصاحت المدرّسة على الجنود، ثمّ صفّت التلاميذ في طوابير وعادت بهم إلى المدرسة.
بعد تلك الحادثة، رأى الأب دوجاغر عديد المرات أطفالاً يُرغـَمون على مشاهدة الناس يقتتلون. وتعوّد الأطفال على المجازر الدامية، بل وحتّى أنّ بعضهم أصبح يستمتع بتلك المشاهد. ثمّ بدأ الح ش ص يفكّر أنّ مجرّد القتل لم يكن مُرعبًا ومُثيرًا بما فيه الكفاية، فابتدع شتـّى أصناف التعذيب القاسية. من ذلك إرغام الشخص على ابتلاع كمّية كبيرة من الملح وعدم السماح له بشرب الماء ـ فكانت الضحيّة تتعذب إلى أن تموت عطشًا في النهاية، أو تجريد الضحيّة من ملابسها وجعلها تتمرّغ على قطع من الزجاج المكسور، أو حفر حفرة في جليد نهر مُتجمّد في الشتاء، ورمي الضحيّة هنالك ـ كانت الضحيّة تموت مُتجمّدة أو غريقة.
كما روى دوجاغر وكون أيضًا كيف أنّ عضوًا في الح ش ص من مقاطعة شآنسي اخترع طريقة تعذيب مروّعة. ذات يوم وبينما كان يتجوّل في المدينة، توقف أمام مطعم وأخذ يتأمّل آنية كبيرة ملآنة ماءًا مغليّا. وبعد مرور فترة على ذلك، اشترى عددًا من القدور العملاقة، قبل أن يعتقل بعض أعداء الشيوعية. أثناء المحاكمة الجائرة، أمر بتلك القدور فمُلئت بالماء وسُخّنت إلى درجة الغليان. وبعد المحاكمة جُرّد ثلاثة ضحايا من ملابسهم وألقي بهم في تلك القدور حيث ماتوا حرقًا. وفي بينغشا، رأى دوجاغر أبًا يُسلـَخُ حيّا تحت أنظار ابنه. كان أعضاء الح ش ص قد أجبروا الابن على مشاهدة والده وهو يموت وسط آلام فظيعة وعلى سماع صراخه. لقد صبّوا خلاّ ومادّة حامضة على جسم الأب لينزعوا جلده. بدؤوا بالظهر، ثمّ الكتفين، وسُرعان ما انتـُزع باقي الجلد الذي يغطي جسمه، ولم يبق سوى جلد الرأس. وما هي إلاّ دقائق حتّى مات الرجل.

2- الرعب الأحمر أثناء “أغسطس الأحمر” ووحشيّة غوانغسي
بعد أن تأكّد الح ش ص من سيطرته التامّة على البلاد، لم يوقف رغم ذلك عنفه. بل أنه أثناء الثورة الثقافية زاد العنف حدّة.
في أغسطس 1966، التقى ماوو تسي تونغ بممثلين عن الحرس الأحمر في قلعة ساحة تيانانمن، فتقدّمت سونغ بينبين ـ ابنة المسؤول الشيوعي سونغ رنتشيونغ ـ نحو ماوو تسي تونغ وأهدته ساعِدة موشّاة بشعار الحرس الأحمر. وعندما عرف ماوو اسمها : سونغ بينبين، والذي يعني “طيّبة ومهذبة”، قال :”بودّنا المزيد من العنف”. فأبدل سونغ اسمها إلى “سونغ ياو وو” والذي يعني حرفيّا : تحبّ العنف.
استشرت الهجومات المسلحة في كامل البلاد. وكان الجيل الأصغر الذي نشأ وتربّى على الإلحاد، لا يخاف ولا يخشى من شيءٍ. تحت زعامة الح ش ص وبقيادة توجيهات ماوو، بدأ أعوان الحرس الأحمر المتعصّبين، الجهلة، والواضعين أنفسهم فوق كلّ قانون، يضربون الناس، وينهبون مساكنهم، في كامل أنحاء الصين. في مناطق عديدة، كانت “الطبقات السوداء الخمس” (مالكو الأراضي والفلاّحون الأثرياء والرجعيّون والعناصر السيّئة واليمينيّون) تتعرّض للتصفية التامة ـ هي وعائلاتها ـ في ظلّ سياسة دمويّة قائمة على القتل. المثال التالي هو مثال نموذجيّ : في مقاطعة دايسينغ قرب بيكين، قـُتِل 325 شخصًا في 48 محافظة في 13 قرية، وذلك فقط في الفترة الممتدّة بين 27 أغسطس و 1 سبتمبر 1966. أكبر الضّحايا سنّا كان عمرها 80 سنة وأصغرها لا يتجاوز 38 يومًا. قـُتِلت 22 أسرة بأكملها، دون أن يبقى منها أحدٌ.
“كان من المألوف أن ترى أحدًا يموت ضربًا في ساحة شارع شاتان، كانت هناك مجموعة من الحرس الأحمر يعذبون سيدة مُسنّة مستعملين سلاسل حديدية وأحزمة جلدية، إلى أن أصبحت عاجزة تمامًا عن الحركة. ورغم ذلك واصلت جنديّة من الحرس الأحمر تعذيبها، إذ أخذت تثبُ بقوّة على بطنها لتدقّ معدتها، فماتت السيدة المُسنّة على الفور. بالقرب من شونغواننغ، كان الحرس الأحمر يفتّشون منزل “زوجة مالك أراض”ـ وهي أرملة تعيش بمفردها. ثمّ أجبروا كلّ جار أن يُحضر وعاءًا فيه قليل من الماء المغليّ، وصبّوا ذلك الماء المغليّ شيئًا فشيئًا من ياقة الامرأة المُسنّة إلى صار جسدها وكأنه مطبوخ. وبعد عدّة أيّام وُجدت تلك الامرأة ميّتة على عين المكان، والدود ينهمر من جسمها […] كانت هناك طرق متعدّدة ومختلفة للقتل منها : القتل ضربًا بالهراوة، قطع الرأس بالمنجل، الخنق بالحبال..الخ […] أبشع طريقة كانت طريقة قتل الأطفال صغيري السنّ : كان القاتل يمشي على إحدى سيقان الطفل ويجذب بقوّة الساق الأخرى، وهكذا يُقطـّع أوصال الرضيع. (التحقيق في مجزرة داسينغ بقلم يو لووان) [17].
ولكن ما فاق مجزرة داسينغ وحشيّة وفظاعة كان أكل لحم الإنسان في غوانغسي. فيما يلي مقطع من كتاب يصف فيه الكاتب جانغ يي أكل لحم الإنسان في غوانغسي ؛ والحادثة هنا تنقسم إلى ثلاثة مراحل [18]:
في المرحلة الأولى كانت الفظاعة مُتستّرة ومُرعبة. نجد في أرشيفات الإقليم المشهد النموذجي التالي : مع منتصف الليل يتسلل القتلة يمشون على أطراف أقدامهم باتـّجاه ضحاياهم لكي يفتحوا بطونهم وينتزعوا منها القلب والكبد. كانوا في البداية خائفين وتنقصهم التجربة، لذلك حصل وأن أخطأوا وأخذوا بدل ذلك الرئتين. ثمّ عادوا أدراجهم. ولمّا طبخوا القلب والكبد، أحضر بعضهم مشروبات كحوليّة من منزله، وأحضر البعض الآخر شيئًا من التوابل، ثمّ أكل جميع القتلة تلك الأعضاء البشرية في صمتٍ، على ضوء نور ضئيل مُنبعث من نار الفرن.
المرحلة الثانية كانت أوج فترة أكل لحم الإنسان في غوانغسي، فترة كانت فيها الفظاعة علنيّة وعامّة. في تلك الفترة، اكتسب القتلة خبرة ومهارة في كيفيّة انتزاع قلب الضحيّة وكبدها بينما لا تزال على قيد الحياة، وكانوا أيضًا يُلقنون ذلك للآخرين، ويُحاولون أن يُحسّنوا تقنياتهم ويُبلوروها. مثلاً عندما يتعلق الأمر بفتح بطن إنسان حيّ، كان يكفي أن يقوموا بشقّ على شكل صليبٍ على مستوى البطن، ثمّ بالقفز على جسمه (وإن كانت الضحيّة مُوثقة إلى شجرة، كانوا يُعطونها ضربة بالرجل في أسفل البطن) فكان القلب والأعضاء الأخرى تخرج تلقائيّا. كان القلب والكبد والأعضاء التناسليّة من نصيب زعيم القتلة، بينما يأخذ الآخرون البقيّة. كانت هذه المشاهد الفظيعة الوحشية تتمّ تحت خفق الأعلام والشعارات.
المرحلة الثالثة كانت فترة الجنون الشيطاني، وذلك عندما أصبح أكل لحم الإنسان حركة منتشرة بشكل كبير. في إقليم ووشان، كان الناس يأكلون لحم إخوانهم الآدميين بنهمٍ، مثل الكلاب البرّية التي ترتمي على الجثث في فترات الأوبئة. كثيرًا ما كان الأمر يتمّ بالشكل التالي : كانت الضحيّة أوّلاً تخضع لما يُسمّى بـ “النقد العامّ”، ويلي ذلك مباشرةً القتل، ويليه مباشرةً أكل لحم الإنسان. ما إن تسقط الضحيّة، ميّتة كانت أم حيّة، يُخرج الناس السكاكين التي أحضروها ويُحيطون بالضحيّة، كلّ يقتطعُ ما أمكن له من الأجزاء. في تلك المرحلة، كان كلّ المواطنين الصينيين ضالعين في أكل لحم الإنسان. “صراع الطبقات”، مثل إعصار جامح، كان يكنس من النفوس والضمائر كلّ شعور بالخطيئة وكلّ إحساس إنسانيّ. لقد انتشر أكل لحم الإنسان مثل الوباء، وأصبح الناس يجدون متعةً في هذه الاحتفالات الوحشية. كلّ قطعة من الجسم البشري كانت طيّبة ومستساغة، بما في ذلك القلب، العضلات، الكبد، الكِلى، المرفقين، القدمين، والوتر. كانت الأجساد تُطهى بطرق مختلفة : مغليّة، بالبخار، مطبوخة، مقليّة، أو مشويّة. كان الناس يشربون مشروبات كحوليّة قويّة أو خمرًا، ويلهون ويمرحون وهم يأكلون لحم البشر. في أوج تلك الفترة، حتّى الكافيتيريا التابعة لأعلى تنظيم حكوميّ، اللجنة الثورية بإقليم ووسون، كانت تقدّم أطباقًا من اللحم البشريّ.
نرجو ألاّ يذهب ظنّ القارئ إلى أنّ مثل تلك الاحتفالات الوحشية التي يتمّ فيها أكل اللحم الآدميّ كانت لا تعدو أن تكون تصرّفًا همجيّا وغير مُمنهج. كان نظام الح ش ص يُمثل تنظيمًا شموليّا لا تغفل أنظاره عن أيّ خليّة في المجتمع. دون تشجيعات الح ش ص وتسييره الخفيّ، لم تكن حركة أكل لحم الإنسان هذه لتظهر.
هناك أغنية ألّفها الح ش ص يمتدح فيها نفسه تقول كلماتها :”المجتمع القديم [19] حوّل البشر إلى أشباح، والمجتمع الجديد حوّل الأشباح إلى بشر”… ولكن نحن نرى بوضوح هنا من خلال هذه المجازر وطقوس العربدة الوحشية أنّ الح ش ص يستطيع أن يحوّل الإنسان إلى وحش أو شيطان، لأنّ الح ش ص في حدّ ذاته أقسى من أيّ وحش وأيّ شيطان.

3- اضطهاد الفالون غونغ
عندما دخل الصينيون عصر الحواسيب والرحلات الفضائية، وعندما أصبحوا يتحدثون على انفراد عن حقوق الإنسان، عن الحرّية والديموقراطية، ظنّوا أنهم ودّعوا فظاعة القتل وتركوها بعيدًا وراءهم. لقد ارتدى الح ش ص ثوبًا متمدّنًا عصريّا وهاهو مستعدّ للتواصل مع العالم.
ولكن ليست تلك الحقيقة للأسف. عندما اكتشف الح ش ص وجود مجموعة لا تهابُ تعذيبه القاسي وجرائمه، لم تزدد طرق السيطرة والمراقبة لديه إلاّ حدّة وكثافة. هذه المجموعة التي أصبحت هدفًا للاضطهاد هي الفالون غونغ.
إن كانت قسوة الحرس الأحمر وأكل لحم الإنسان في مقاطعة غوانغسي يهدفان إلى القضاء على أجساد الضحايا، الذين كانوا يُقتلون في ظرف دقائق أو ساعات، نستطيع القول أنّ اضطهاد ممارسي الفالون غونغ يهدف إلى جعلهم يتخلـّون عن اعتقادهم في “الحق والرحمة والتسامح”. أمّا التعذيب فيمكن أن يمتدّ على أيام بحالها، شهور، أو حتّى سنواتٍ. يُقدّر أنّ أكثر من 10.000 ممارس ماتوا تحت التعذيب إلى يومنا هذا.
ممارسو الفالون غونغ الذين ذاقوا مختلف أصناف التعذيب والذين نجوْا من الموت تحدّثوا عن أكثر من 100 طريقة تعذيب مختلفة. فيما يلي بعض الأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر :
أكثر الطرق شيوعًا في معاملة ممارسي الفالون غونغ هي الضرب المبرّح. الشرطة والمساجين الأكثر غلظة يضربون مباشرةً الممارسين، كما يُحرّضون مساجين آخرين على فعل نفس الشيء. تحت وقع الضرب، كثير من الممارسين أصيبوا بالصمم، أغشية آذانهم الخارجية تمزقت، محاجرهم غاصت، أسنانهم انكسرت، حسب الحالات أصيب فيهم من أصيب بكسر في الجمجمة، أو العمود الفقري، أو القفص الصدري، أو الترقوة، أو الحوض، أو الذراعين، أو الساقين. هناك أيضًا من قـُطعت ذراعه أو ساقه. هناك مُعذّبون رفسوا خصيتي الرجال وضربوا بأقدامهم الأعضاء التناسلية للنساء. إن لم يُرد الممارسون التخلي عن اعتقادهم، يُواصلون ضربهم إلى أن يتمزق الجلد، أو تعمّ أبدانهم جروح فاغرة. تحت التعذيب يتشوّه جسد بعض الممارسين تمامًا ويكتسي بالدم، ولكن الحرّاس يواصلون تعذيبهم إذ يرشونهم بماء مالح أو يضربونهم بالعصيّ الكهربائية. رائحة الدم واللحم المحترق مُختلطة بصيحات الألم الشديد أو الاحتضار هو أمر لا يُطاق. يستعمل المُعذبون أيضًا أكياسًا بلاستيكية يُغطون بها رؤوس الضحايا، بنيّة أن يستسلم الممارسون خوفًا من الموت اختناقًا.
الصدمات الكهربائية تمثل طريقة أخرى مُستعملة بكثرة في معسكرات الاعتقال الصينية لتعذيب ممارسي الفالون غونغ. إذ تصعق الشرطة بالعصا الكهربائية الأماكن الحساسة في جسدهم كالفم، وقمة الرأس، والأضلاع، والأعضاء التناسلية، والمؤخرة، والفخذين، وأسفل القدمين، صدور النساء، وذكور الرجال. بعض أعوان الشرطة يجتمعون كلهم على ممارس واحد يصعقونه جميعًا بالعصيّ الكهربائية في نفس الوقت. في مثل هذه الحالة تنتشر في النهاية رائحة اللحم المحترق، والأماكن المُصابة تصبح بنفسجية اللون أو سوداء. أحيانًا يصعقون بالكهرباء رأس الضحيّة وعانتها في نفس الوقت. في كثير من الأحيان، يستعمل الشرطة عشر عصيّ كهربائية، وحتّى أكثر، معًا في نفس الوقت، ويضربون بها الضحيّة مدّة زمنية طويلة. من المفروض أنّ عصًا كهربائية واحدة تـُحدث تيّارًا كهربائيّا قوّته عشرات آلاف الفولت. عندما نشعلها، تـُرسل نورًا أزرق وتـُحدث صوتـًا كهربائيّا. عندما يسري التيّار في جسد الشخص، يُحسّ هذا الأخير كأنه يحترق أو كأن الثعابين تلدغه. كلّ صدمة تضاهي في الألم لدغة الثعبان. أمّا جلد الضحيّة فهو يحمرّ، ثمّ يتشقق، ثمّ يحترق، ثمّ يتقيّح. بعض الهراوات الكهربائية قويّة إلى درجة أنّ قوّة الفولت الشديدة تجعل الضحيّة تحسّ وكأنها تـُضرَبُ بالمطرقة.
يستعمل أيضًا الشرطة أيضًا السجائر المشتعلة ليحرقوا أصابعهم، وجوههم، أسفل أقدامهم، أضلاعهم، ظهورهم، حلمات أثدائهم…الخ، كما يحرقون بالقدّاحات أيديهم وأعضاءهم التناسلية. يلجأون أيضًا إلى تسخين أعمدة خصوصيّة من الحديد في أفران كهربائية. ثمّ يحرقون سيقان الممارسين بالحديد الحامي. كما يستعمل الشرطة أيضًا فحمًا خشبيّا ملتهبًا ليحرقوا وجوه ضحاياهم. من بين الحالات كانت هناك حالة ممارس تعرّض لتعذيب وحشيّ ولكنه ظلّ يتنفّس وقلبه بقي يدقّ. لقد قتلوه حرقًا ثمّ ادّعوْا أنه انتحر حرقًا.
يضرب الشرطة النساء على صدورهن وأعضاءهنّ التناسلية. كما يغتصبوهنّ بشكل فرديّ أو جماعيّ. كما يستعملون أيضًا عصيّا كهربائية يصعقون بها صدورهنّ وأعضاءهنّ التناسلية، وقدّاحات يحرقون بها حلمات أثداءهنّ. كما أنهم يُدخلون عصيّا كهربائية في أرحامهنّ ليصعقوهنّ من الداخل. هناك حتّى حالات يشدّون فيها 4 فرشات أسنان إلى بعضها ويولجونها في رحم الممارسات، ثمّ يحرّكونها ويُديرونها ويفركون. كما يثقبون الأعضاء التناسلية للممارسات بواسطة مشكّات ومخاطف حديدية. إنهم يُوثقون أيديهنّ وراء ظهورهنّ ويربطون حول حلمات الثدي أسلاكًا معدنية ثمّ يُرسلون في تلك الأسلاك شحناتٍ كهربائية. أو أنهم يُجرّدوهنّ من ثيابهنّ ثمّ يرموهنّ في زنزازنة المساجين الذكور ليغتصبوهنّ.
إنهم يُرغمون ممارسي الفالون غونغ على ارتداء “القمصان الجبريّة” [20] ثمّ إنهم يعقدون أيديهم ويوثقونها وراء ظهورهم، ثمّ يجذبون أذرعهم مُرورًا بأكتافهم ليوصلوها أمام الرأس في مستوى علوّ الصدر، ثمّ يقيّدون أرجل الممارسين إلى إطار نافذة، وفي نفس الوقت يُكمّمون أفواههم بخرقةٍ ليمنعوهم من الصراخ ويضعون في آذانهم سمّاعاتٍ ليُسمعوهم تسجيلاتٍ فيها شتم لاذع للفالون غونغ. حسب شهود عيان، الناس الذين يتعرّضون لمثل هذا النوع من التعذيب ينتهي بهم المطاف إلى كسر في الذراعين وتمزّق في الوتر وخلع في الكتفين والمعصمين والمرفقين. أمّا أولئك الذين يتعرّضون لهذا التعذيب لفترة طويلة يُصابون بكسر في العمود الفقري ويموتون وسط آلام فظيعة.
من بين ما يفعلونه أيضًا هو رمي الممارسين في حُفر ملآنة بمياه قنوات التصريف، كذلك يُدخلون تحت أصابعهم أعوادًا من القصب، كما يُجبرونهم على العيش في حُجراتٍ رطبة، ذات أسقفٍ مغطاة بالعفونة، حمراء، وخضراء، وصفراء، وبيضاء تزيد من تقيّح جروحهم. كما أنهم يجعلون الكلاب تعضّ الممارسين والثعابين تلدغهم، ويحقنونهم بعقاقير تدمّر الجهاز العصبي. كلّ ما سبق ذكره لا يعدو أن يكون بعض الطرق المستعملة لتعذيب ممارسي الفالون غونغ في مخيّمات العمل الإجباريّ.

III. صراع دون هوادة داخل الحزب
يرتكز الح ش ص على مبادئ الحزب لا على الأخلاقيات والعدالة، لذلك فإنّ ولاء أعضاء الح ش ص، وخصوصًا كبار الموظفين ؛ وحتّى كبار المسؤولين والمُسيّرين هي مسألة هامّة ورئيسية. من هذا المنطلق يولي الح ش ص كلّ الاهتمام لخلق مناخ من الرعب، إذ يقتل أعضاءه أنفسهم، ممّا يُرسّخ في ظنّ الباقين أنّ الديكتاتور عندما يُريد قتل شخص مّا، فإنّ هذا الشخص لا يملك أيّ فرصة في النجاة.
إنّ الصراعات الداخلية بين الأحزاب الشيوعية معروفة كثيرًا. كلّ أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الروسي في الفترتيْن الأولييْن ـ باستثناء لينين الذي كان ميّتًا وقتها وستالين نفسه ـ كلهم ماتوا إمّا إعدامًا أو انتحارًا. ثلاثة ماريشالات على خمسة تمّ إعدامهم، القوّاد العامّين العشرة للجيش الثاني أعدِموا و57 قائد فيلقٍ من بين 85 أعدِموا، و 110 قائد فرقٍة من بين 195 أعدِموا.
يدعو الح ش ص دومًا إلى “صراعات عنيفة وهجومات بلا رحمة”. مثل تلك الأساليب لا تستهدف فقط الناس الذين لا ينتمون للحزب. منذ الفترة الثورية في مقاطعة جيانغسي، كان الح ش ص قد قتل عددًا كبيرًا من الناس المنتمين للرابطة المُعادية البولشيفية (الرابطة ض ب = ضدّ البولشيفية) [21] إلى درجة أنه قلائل فقط هم الذين بقوا على قيد الحياة وأمكن لهم الذهاب إلى الحرب فيما بعد. في مدينة يانآن، قاد الحزب حملة “تقويم وإصلاح”. وما إن أرسى كيانه السياسي حتّى كان قد قضى على غاوو غانغ، راوو شوشي [22]، هو فانغ، وبانغ داهوي. في عهد الثورة الثقافية تقريبًا كلّ كبار الموظفين في الحزب تمّت تصفيتهم. ولا أيّ أمين عامّ سابق للح ش ص كانت نهايته سعيدة.
ليو شاوتشي، والذي هو رئيس صيني سابق، وكان في يوم من الأيّام الشخصيّة الثانية في البلاد، مات ميتةً مأساويّة. يوم عيد ميلاده السبعين، أمر ماوو تسي تونغ و جو آنلاي [23] خصّيصًا وانغ دونسينغ (رئيس حرس ماوو) أن يحمل هديّة عيد ميلاد لليو شاوتشي. الهديّة كانت عبارة عن راديو ليسمع ليو شاوتشي عبره التقرير الرسمي للدورة الثامنة الكاملة للجنة المركزية عدد 12 والذي جاء فيه ما يلي “:الخائن، والجاسوس، والمارق ليو شاوتشي مطرودٌ من الحزب بلا رجعة. استمرّوا في التنديد بليو شاوتشي وشركاءه من أجل جرائمهم المتمثلة في خيانة الأمانة والخيانة العظمى.”
سبّب ذلك الخبر انهيارًا نفسيّا وعقليّا لليو شاوتشي، وتفاقم مرضه بسرعة. لقد أوثقوه إلى سرير مدّة طويلة ولم يسمحوا له بالحراك حتّى غطت القشور المتقيّحة رقبته، وظهره، ومؤخرته، وكعب قدميه. في أشدّ درجات عذابه، كان يُمسك بتلابيب شخص آخر، أو بأدباشه، أو بذراعه، ولا يتركها. في النهاية وضعوا في كلّ يد من يديه قارورة من البلاستيك الصلب. عندما فارق الحياة كانت كلّ قارورة ـ من أثر قبضته ـ قد أخذت شكل ساعة رمليّة.
في أكتوبر سنة 1969، كان جسد ليو شاوتشي قد أخذ في الانحلال وكان القيح يبعث رائحة كريهة قويّة. كان الرجل نحيلاً كقضبان سكّة حديدية وكان على شفا الموت. ولكنّ المفتشين الخاصّين باللجنة المركزية للحزب لم يسمحوا له بأخذ حمّام ولا بالتقلـّب في سريره لتغيير ملابسه، بل جرّدوه من ثيابه، ولفّوه في بطانية، وأرسلوه بالطائرة من بيكين إلى كايفنغ ليُسجَن في الطابق الأرضيّ لـ “بونكر”. عندما كان يعاني من الحمّى الشديدة، لا فقط لم يكونوا يعطونه الأدوية، بل أيضًا نقلوا الفريق الطبّي إلى مكان آخر. عندما مات ليو شاوتشي كان جسمه قد تدهور كلـّيًا وشعره الأبيض بلغ سبعين سنتيمترًا من الطول. وبعد مرور يومين على وفاته، تمّ إحراق جثته على الساعة منتصف الليل كما درجت العادة على إحراق الناس المصابين بأمراض مُعدية وخطيرة. كذلك الأمر بالنسبة للحافه وغطاءه ومخدّته وكلّ ما تركه وراءه، أحرقت كلـّها. أمّا على شهادة وفاته فكـُتِب ما يلي الاسم : ليو وايهوانغ. العمل : دون عمل. أسباب الوفاة : مرض. لقد عذب الح ش ص رئيس البلاد الأسبق وقتله دون حتّى أن يُدلي بالأسباب.

VI. تصدير الثورة، قتل الناس خارج البلاد
زيادةً على قتله للناس داخل الصين بمختلف الطرق، ساهم الح ش ص أيضًا في مجازر بالخارج، وشمل ذلك الصينيين المنفيّين، بعبارة أخرى لقد “صدّر” الثورة. أحد الأمثلة النموذجية على ذلك هو مثال الخمير الحُمر.
لم تدم فترة حكم الخمير الحمر مع بول بوت في كمبوديا أكثر من 4 سنين. ومع ذلك في الفترة الممتدّة بين 1975 و 1978 (أي فترة لا تتجاوز ثلاث سنين)، قضى أكثر من مليوني شخص، 200.000 منهم صينيّون، في هذا البلد الذي لا يعدّ سوى 8 ملايين شخص.
جرائم الخمير الحمر لا تحصى ولا تعدّ، نحن لن نستعرضها هنا ولكننا سنتحدّث عن علاقتهم بالح ش ص.
كان بول بوت يقدّس ماوو تسي تونغ. في بداية 1965، زار الصين أربع مرّات ليستمع إلى الدروس التي يُلقيها ماوو تسي تونغ شخصيّا. ثمّ مكث بول بوت في الصين ثلاثة أشهر ابتداءًا من نوفمبر 1965، وهناك تناقش مع شان بودا و جانغ شونتشياو حول نظريّات مثل “السلطة السياسية تنبني تحت فوّهة البندقية” و “صراع الطبقات” و “ديكتاتورية البروليتاريا”، الخ…والتي أصبحت لاحقـًا ركائز حكومته في كمبوديا. حال عودته إلى كمبوديا، غيّر بول بوت اسم حزبه ليصبح “الحزب الشيوعي الكمبودي” وأرسى قاعدة ثورية على منوال الح ش ص، وهو مُحاصرة المدن انطلاقـًا من الأرياف.
في 1968، كوّن الحزب الشيوعي الكمبودي جيشًا بصفة رسميّة. مع نهاية 1969، كان هذا الجيش يعدّ أكثر من 3.000 عنصر. ولكن في 1975، وقبيل مهاجمة مدينة بنوم بنه واحتلالها، كان عبارة عن ميليشيا مُجهّزة كما ينبغي وقوّة عسكريّة قوامها 80.000 جنديّا. وتمّ هذا الأمر بفضل مساندة الح ش ص. هنالك كتاب من تأليف وانغ سيانغن يُدعى “وثائق عن مساندة الفياتنام والحرب ضدّ أمريكا” [24]، في هذا الكتاب يروي المؤلف أنّ الصين سنة 1970 أعطت بول بوت عُدّة عسكرية بما قدره 30.000 جنديّا. في أبريل 1975 احتلّ بول بوت عاصمة كمبوديا ؛ ثمّ إثر شهرين من ذلك رجع إلى بيكين ليزور الح ش ص ويستمع إلى تعليماته. من الواضح جدّا أنه بدون نظريّات الح ش ص ومساندته المعنويّة، لم تكن مجازر الخمير الحُمر لتحدث أبدًا.
نسوق مثالاً في هذا الصدد : بعد مقتل ولديْ الأمير سيهانوك من طرف الحزب الشيوعي الكمبودي، تلقى هذا الأخير أوامر من جو آنلاي بإرسال سيهانوك إلى بيكين، فامتثل للأمر بكلّ طاعة ولين. الكلّ يعلم أنّ الحزب الشيوعي الكمبودي عندما يقتل الناس فهو يقتل حتّى “الأجنّة في الأرحام” ليتفادى كلّ مشكلة يمكن أن تطرأ لاحقـًا. ولكن عندما أصدر جو آنلاي أمره، أطاع بول بوت دون نقاش.
لقد أنقذ جو آنلاي سيهانوك، ولكنّ الح ش ص لم يعترض على مقتل 200.000 صينيّ من طرف الحزب الشيوعي الكمبودي. في تلك الفترة قصد الكمبوديون الصينيون سفارة الصين هنالك طالبين منها العون ولكنها تجاهلت مطالبهم.

V. تدمير الأسرة
لا نملك أيّ وسيلة نحصي بها عدد الناس الذين قـُتِلوا في الحملات السياسية للح ش ص. ليس من الممكن أيضًا القيام بأبحاث إحصائية بين المواطنين، نظرًا للحصار المعلوماتي والحواجز القائمة بين مختلف المناطق، والجماعات العرقيّة، واللهجات المحلـّية. حكومة الح ش ص من جهتها لن تقوم أبدًا بمثل هذه الأبحاث على كلّ حال، لأنها ستكون كمن يحفر قبره بيده. لذلك هي تفضل غضّ النظر عن التفاصيل عندما يتعلق الأمر بكشف تاريخها الشخصي.
معرفة عدد الأسر التي دمّرها الحزب هو أمرٌ أصعب وأصعب. في بعض الحالات يكفي أن يموت فردٌ في الأسرة لتتمزّق كلّ الأسرة. في حالات أخرى تتشرذم عائلاتٌ بأكملها. هناك حالات كثيرة لم يُقتل فيها أحدٌ ولكنّ الزوجين اضطرّا للطلاق. واضطرّ الآباء والأبناء إلى التخلي عن الرابط الدموي الذي يجمعهم. بعضهم صار يعاني من إعاقة عضويّة، وبعضهم جُنّ، والبعض الآخر مات في سنّ الشباب متأثرًا بأمراض خطيرة جرّاء التعذيب. ومع ذلك تبقى أرشيفات هذه المآسي العائلية ناقصة غير تامّة.
أعلنت صحيفة أخبار إيوميوري الموجودة في اليابان أنّ نصف الشعب الصيني وقع تحت اضطهاد الح ش ص. إن كان الأمر كذلك يُمكن أن نقدّر عدد العائلات التي دمّرها الح ش ص بأكثر من 100 مليون.
مثال جانغ جيسين [25] هو مثال معروف جيّدًا، وكثيرًا ما يتحدّث الناس عمّا عاشته هذه المرأة. الكثيرون يعلمون أنها تعرّضت للتعذيب الجسدي، وللاغتصاب الجماعي، والاضطهاد النفسي. وفي النهاية اختلّ عقلها وقـُتِلت رميًا بالرصاص بعد أن قـُطِعت حنجرتها. ولكنّ الكثيرين لا يعلمون أنّ هناك قصّة وراء القصّة، قصّة أليمة جدّا. وحتّى أفراد أسرتها اضطرّوا للمشاركة في “دورات تعليمية لعائلات المحكوم عليهم بالإعدام”.
فيما يلي جزءٌ من مذكّرات لين لين، ابنة جانغ جيسين :
في ربيع 1975،
في محكمة شانيانغ قال أحدهم بصوتٍ عالٍ :”أمّك عدوّة للثورة، صعبة المراس، وهي ترفض الإصلاح، وهي عنيدة وغير قابلة للإصلاح. إنها ضدّ زعيمنا الكبير ورئيسنا ماوو، وضدّ الأفكار التي لا تـُغلب لماوو تسي تونغ، وضدّ مسار الثورة البروليتارية لرئيسنا ماوو. جرائمها عديدة وحكومتنا تنوي تشديد العقوبة عليها. إن تمّ إعدامها ماذا ستكون ردّة فعلك ؟” لقد فاجأني السؤال ولم أدر ما أجيب…كان قلبي يتفطر ولكني تظاهرتُ بأني هادئة، وحبستُ دموعي. سبق وأن أوصاني أبي بأننا لا يجب أن نبكي أمام الآخرين، تحت طائلة عجزنا عن التخلّي عن الرابط الذي يجمعنا بأمّنا. وكان والدي هو الذي أجاب بدلاً عنّي :”إن كان الأمر كذلك، فحكومتنا حرّة في أن تفعل ما تراه لازمًا”.
وسألني ذلك الشخص في المحكمة مرّة أخرى :”في صورة ما إذا أعدِمت، هل ستطلبون استرجاع جثتها ؟ هل ستطلبون استرجاع أدباشها في السجن ؟” ومرّة أخرى أجاب أبي عنّي :”لسنا في حاجةٍ لشيءٍ”. عندما خرجنا من فندق المقاطعة، كان أبي يُمسك بيدينا، أنا وأخي. ورجعنا كلّنا بخطىً متعثرة إلى البيت وسط عاصفة من الثلج. لم نطبخ شيئًا يومها، قطع أبي رغيف خبز الحبوب الوحيد الذي كان لدينا في المنزل، وقسمه بيني وبين أخي، وقال لنا :”كُلوه بسرعة، واذهبوا للنوم باكرًا”. واضطجعتُ على فراش الطين دون أن أنبس بكلمة. كان أبي يجلس على كرسيّ ويُحدّق في النور بنظرة خاشعة. وبعد مرور بعض الوقت نظر إلى فراشنا وظنّ أننا نمنا، فنهض، وفتح بلطف الحقيبة التي جلبناها من مسكننا القديم بشانيانغ، وأخرج منها صورة لأمّي، وتأمّلها، ولم يستطع أن يتمالك نفسه عن البكاء.
فنهضتُ من الفراش ووضعتُ رأسي بين ذراعيْ أبي وأخذتُ أبكي بدموع حارقة، فربّت أبي على ظهري برفق قائلاً :”هس، يُمكن أن يسمعنا الجيران”، وعندما سمع أخي بكائي، نهض هو أيضًا. وضمّنا أبي بشدّة إليه. لقد سكبنا أنهارًا من الدموع في تلك الليلة ولكن لم يكن مسموحًا لنا أن نبكي.” [26]
كان هناك أيضًا أستاذ جامعيّ يعيش حياة عائليّة سعيدة، ولكنه فيما بعد عاش هو وعائلته مأساة في فترة إصلاح اليمينيّين. بالفعل، في فترة حركة ضدّ اليمينيّين، المرأة التي ستصبح فيما بعد زوجته كانت على علاقة مع شخص كان يُعتبر من اليمينيين. وتبعًا لذلك، أرسِل هذا الشخص إلى منطقة نائية وتعذب كثيرًا. وبما أنها كانت صغيرة السنّ ولا يُمكن أن تتبعه إلى هنالك، فقد اضطرّت إلى قطع تلك العلاقة وتزوّجت من الأستاذ المذكور آنفـًا. ولكن عندما رجع حبّها الأول إلى مسقط رأسه، لم تجد تلك المرأة ـ والتي كانت وقتها أمّا لعدّة أطفال ـ وسيلة تـُكفّر بها عن خيانتها له في الماضي وتتخلّص بها من إحساسها بالذنب سوى أن تصرّ على الطلاق من زوجها. في تلك الفترة كان عمر زوجها يتجاوز الخمسين، ولم يتحمّل الزوج ذلك الانقلاب المفاجئ، وطار عقله لذلك الأمر، فنزع كلّ ملابسه، وخرج يجري في كلّ مكان باحثًا له عن مكان يبدأ فيه حياة جديدة. وفي النهاية تركته زوجته هو والأبناء. إنّ الفراق المؤلم الذي يدفع إليه الحزب لا يُمكن أن يُعَوّض بشيء، إنه مرض اجتماعي عضال لا يُمكن سوى أن يُعوّض فراقًا بآخر.
الأسرة هي الخليّة الأساسية في المجتمع الصيني، وهي أيضًا آخر حصْنٍ للثقافة التقليدية في مواجهة ثقافة الحزب. لذلك فإنّ الضرر الذي ألحقه الح ش ص بالأسرة هو الأقسى في تاريخ جرائمه.
بما أنّ الح ش ص يحتكر كلّ الموارد الاجتماعية، فعندما يُعتـَبَرُ شخصٌ مّا مناهضًا للديكتاتورية، سيواجه في الحين أزمة بقاءٍ، الكلّ يتهمه وينتهي به الأمر إلى فقدان كرامته. عندما يتعرّض هؤلاء لظلمٍ كهذا، فإنّ الأسرة تكون الملجأ الوحيد بالنسبة لهم، والعزاء الوحيد. ولكنّ سياسة الح ش ص التي تتدخّل في كلّ شيءٍ منعت أفراد العائلة الواحدة من أن يُؤازروا بعضهم البعض، لأنّ في ذلك مُخاطرة : يُمكن أن يُنعَتوا هم أيضًا بكونهم معارضين للديكتاتورية. جانغ جيسين التي أرغِمت على الطلاق هي مثال على ذلك. بالنسبة للكثيرين، خيانة أفراد أسرتهم لهم ـ سواء بالوشاية، أو الخصام الصريح، أو الانتقاد العلنيّ، كان الضربة القاضية بالنسبة لهم. لذلك الكثيرون منهم انتحروا.

VI. أشكال القتل وعواقبه

1- إيديولوجية القتل لدى الح ش ص
لطالما تباهى الح ش ص بموهبته وابتكاره في تطويره للماركسيةـاللينينية، ولكن الحقيقة روح ابتكاره تتمثل في الشرّ الذي نشره والذي لا مثيل له في التاريخ ولا في العالم. إنه يستعمل الإيديولوجية الشيوعية للوحدة الاجتماعية ليخدع عامّة الناس والمثقفين. إنه يستغلّ العقيدة التي زعزعها العلم والتكنولوجيا ليدعو إلى الإلحاد المطلق. إنه يستعمل الشيوعية لينبذ الملكية الخاصّة ويستنجد بنظريّات وممارسات لينين في الثورة العنيفة ليسوس البلاد. كما استعمل ودعّم أسوء جزءٍ في الثقافة الصينية، الجزء الذي يتعارض مع التقاليد الصينية الأصيلة.
لقد اخترع الح ش ص نظريّة كاملة وبُنية “ثورة” و “ثورة دائمة” تحت زعامة البروليتاريا ؛ وقد استعمل هذا النظام ليغيّر المجتمع ويضمن ديكتاتورية الحزب. نظريّته تحتوي على جُزئين : قاعدة اقتصادية، وتركيبة عليا تحت زعامة البروليتاريا. القاعدة الاقتصادية تـُحدّد التركيبة العليا، بينما تؤثر التركيبة العليا بدورها على القاعدة الاقتصادية. لتقوية التركيبة العليا وعلى وجه الخصوص سلطة الحزب، فعليه أن يبدأ الثورة انطلاقًا من القاعدة الاقتصادية، وهذا يشمل :
1ـ قتل مالكي الأراضي لحلّ مشاكل العلاقات الإنتاجية [27] في الأرياف
و
2ـ قتل الرأسماليّين لحلّ مشاكل العلاقات الإنتاجية في المدن.
داخل التركيبة العليا، القتل بصفة متكرّرة يصلحُ أيضًا للحفاظ على هيمنة الحزب المطلقة على الإيديولوجيا، وهذا يشمل :
(1) حلّ مسألة السلوك السياسي للمثقفين إزاء الحزب
على مدى فترة طويلة، شنّ الح ش ص عديد الحملات المُخصّصة لإصلاح فكر المثقفين. لقد اتّهم المثقفين بالنزعة الفردانيّة البورجوازية، وبالإيديولوجيا البورجوازية، وبالآراء اللاّـ سياسية، وبالإيديولوجيا “دون طبقات”، وبالليبرالية، الخ. لقد جرّد المثقفين من كرامتهم بإخضاعهم لغسيل المخّ وتدمير ضمائرهم. لقد قضى ـ أو كاد ـ على الفكر الحرّ المستقلّ وعلى خاصّيات أخرى تـُميّز المثقفين، مثل إعلاء الصوت لنصرة العدالة، وتسخير الحياة لخدمة العدالة. هذه السنّة المأثورة تعلّم ما يلي :”عدم الإفراط في الثروة والتشريفات. عدم نسيان الهدف من الوجود عندما يكون المرء يعاني من ضنك العيش، أو يكون تحت تهديد العنف، عدم الرضوخ لأسلوب القوّة…” [28]. “أن يكون الشخص أوّل من يُبادر إلى الاهتمام بمستقبل الأمّة وآخر من يُطالب بحصّته من السعادة” [29]. “كلّ فردٍ عاديّ عليه أن يُحسّ بالمسؤولية تجاه نجاحات الأمّة وفشلها” [30]. و “الرجل الفاضل يجب أن يُسدي الخير والإحسان لأمّته أمام أنظار الجميع، أمّا في الخفاء فيعملُ على تحسين نفسه” [31].
(2) إطلاق ثورة ثقافية وقتل الناس للوصول إلى سلطة سياسية وثقافية مطلقة للح ش ص
لقد أطلق الح ش ص حملاتٍ جماهيريّة في داخل البلاد كما في خارجها، وشرع في قتل الناس المنتمين لميدان الأدب، والفنون، والمسرح، والتاريخ، والتربية. في بداية هجوماته استهدف الح ش ص ناسًا معروفين مثل “القرية ذات الأسر الثلاث” [32]، ليو شاوتشي، ووهان، لاوو شو، و جيان بوزان. فيما بعدُ من قـُتِل كانت “مجموعة صغيرة داخل الحزب” و”مجموعة صغيرة داخل الجيش”، وفي النهاية انتشر التقتيل واستفحل من كلّ العناصر داخل الحزب والجيش إلى كلّ الأفراد في البلاد. كانت المعارك المسلّحة تقضي على الناس جسديّا ؛ والهجمات الثقافية تقتلهم فكريّا. كانت تلك الفترة فترة فوضويّة وعنيفة إلى أقصى حدّ تحت سيطرة الح ش ص. لقد تمّ تضخيم جانب الشرّ في الطبيعة الإنسانية إلى أقصى حدّ بما يخدم مصالح الحزب ويُقوّي نفوذه عن طريق الأزمة. كان أيّ شخص يستطيع أن يرتكب القتل وذلك باسم “الثورة” وحماية لـ “خط السير الثوريّ للرئيس ماوو”. لقد كانت ممارسة وطنيّة لم يسبق لها مثيل، تتمثل في القضاء على الطبيعة الإنسانية.
(3) تيانانمن : فتح الح ش ص النار على الطلبة في ساحة تيانانمن في 4 يونيو 1989، كردّ على المطالب الديموقراطية التي تلت الثورة الثقافية
كانت تلك أوّل مرّة يقتل فيها الجيش علانيّة مواطنين كانوا يتظاهرون ضدّ الغشّ والفساد والتواطؤ بين الموظفين الحكوميّين ورجال الأعمال، ويُطالبون بحرّية الصحافة والتعبير والتجمّع. أثناء مجزرة ساحة تيانانمن، ذهب الح ش ص حتّى إلى وضع تمثيليّة في الشارع : أناسٌ يحرقون عرباتٍ عسكريّة ويقتلون جنودًا، وذلك لإذكاء الكراهية بين العسكريّين والمدنيّين. وكان هذا ما سبّب المأساة التي نرى فيها جيش الشعب يُقتـّل الشعب.
(4) قتل الناس من عقائد مختلفة
قتل العقائد الروحية هي مسألة حيويّة بالنسبة للح ش ص. لكي ينخدع الناس بهرطقته، بادر الح ش ص منذ وصوله إلى السلطة، إلى محاولة اقتلاع كلّ الديانات وكلّ الأنظمة العقائدية. عندما برزت مُؤخّرًا عقيدة قديمة ـ وهي الفالون غونغ ـ على السطح، أشهر الح ش ص مرّة أخرى سكّينه الدامي. استراتيجيّة الح ش ص هي استغلال مبادئ الفالون غونغ :”الحق، الرحمة، التسامح” واستغلال كون أولئك الذين يُمارسون الفالون غونغ “لا يستعملون السمّ لقتل الناس” و”لا يرتكبون أعمال عنفٍ” و”لا يُمثلون أيّ تهديدٍ للاستقرار الاجتماعيّ”. من خلال التجربة التي خَبِرها أثناء اضطهاده للفالون غونغ، اكتسب الح ش ص خبرة وفعاليّة أكثر في تصفية المجموعات التي لديها عقائد أخرى. هذه المرّة أتى جيانغ زمين والح ش ص في المقدّمة ليقتلوا بأيديهم بدل تكليف أشخاصٍ آخرين بفعل ذلك.
(5) قتل الناس لإخفاء الحقيقة
حقّ الناس في معرفة الحقيقة هو نقطة ضعفٍ أخرى للح ش ص ؛ إنه يقتل الناس أيضًا ليمنع مرور المعلومة. في الماضي كان “الاستماع للبرامج الإذاعية للعدوّ” يجرّ عقوبة بالسجن. مؤخّرًا سرت الأخبار عن التقاط قنوات تلفزية حكومية توضح الحقيقة بشأن اضطهاد الفالون غونغ، فما كان من جيانغ زمين إلاّ أن أصدر أمرًا سرّيًا بـ “القتل فورًا ودون رحمةٍ”. لقد حرّك الح ش ص المكتب 610 (تنظيم أشبه ما يكون بالغاشتابو النازية موضوع خصّيصًا لاضطهاد الفالون غونغ)، والشرطة، والنيابات العامّة، والمحاكم، وشرطة انترنت رهيبة للتلصّص على الناس في أدنى أفعالهم وحركاتهم.
(6) حرمان الناس من حقّ الحياة خدمة لمصالح الح ش ص
إنّ نظرية الح ش ص المتمثلة في الثورة المستمرّة تعني في الحقيقة أنه لن يتخلـّى أبدًا عن سلطته. حاليّا، الغشّ والفساد داخل الح ش ص قد تضخّما إلى درجة أنّ الحكم المطلق صار لا يتناسب مع حقّ الشعب في البقاء. عندما يُكوّن بعض الأشخاص تنظيمًا يُدافعون من خلاله عن حقوقهم دفاعًا شرعيّا، يلجأ الح ش ص إلى العنف، مُشهـِرًا سكّينه الدامي في وجه أولئك “القادة” المزعومين لتلك الحركات. وقد أعدّ الح ش ص أكثر من مليون شرطيّ مسلـّح لبلوغ هذا الهدف. وهو الآن جاهز ومُستعدّ للقتل أفضل بكثير ممّا كان عليه أثناء مجزرة تيانانمن في 4 يونيو 1989 حيث اضطرّ وقتيّا لتعبئة قوّته العسكريّة. لقد زجّ الح ش ص شعبه في مأزق وطريق مسدود، لكنه في نفس الوقت زجّ بنفسه فيه أيضًا. إنّ الح ش ص الآن قد صار هشّا إلى درجة أنه ـ كما يقول المثل الصينيّ ـ “عندما تهبّ الريح فهو يخال الأشجار والأعشاب أعداء”.
ما سبق يبيّن لنا أنّ الح ش ص هو روحٌ شرّيرة بطبعها. مهما تكن التغييرات التي يُمكن أن يقوم بها، وفقـًا لمكان أو زمان مُعيّن، للحفاظ على سيادته المطلقة، لن يُغيّر الح ش ص أبدًا تاريخه الدامي : لقد قتل ويقتل وسيظلّ يقتل.

2- أشكال مختلفة للقتل حسب الظروف

أ ـ الدعاية تسبق الفعل

كان للح ش ص مُختلف المقاربات التي يستعملها لقتل الناس، تختلف باختلاف الفترات الزمنية. في معظم الحالات كان الح ش ص يقوم بدعاية قبل أن يقتل الناس. وإثر ذلك كان يتسنـّى له القول :”لم نهدّئ الغضب الشعبي سوى بالقتل” كما لو أنّ الشعب هو الذي طلب منه القتل. في الواقع، لقد كان هو الذي يستثير الغضب الشعبي.
مثلاً مسرحيّة “الفتاة ذات الشعر الأبيض” [33]، والتي هي تشويه للأسطورة الشعبية، وقصص جمع الكراء أو البرج الرئيسي التي تتحدّث عنها مسرحيّة “ليو وانتساي” هي أيضًا استـُعمِلت لـ “تعلـّم” الناس كُره مالكي الأراضي. لقد اعتاد الح ش ص على القدح في أعداءه، مثلما فعل مع الرئيس السابق ليو شاوتشي. وهذا مثال آخر : في يناير 2001 وضع الح ش ص تمثيليّة الانتحار حرقـًا في ساحة تيانانمن ليُثير في قلوب الناس كراهية الفالون غونغ، وإثر ذلك ضاعف حملته في تقتيل الفالون غونغ. لا فقط لم يُغيّر أسلوبه في القتل ولكنه طوّره ونمّقه مُستعملاً تكنولوجيا المعلومات الحديثة. في الماضي كان الح ش ص يستطيع أن يخدع فقط الصينيّين، ولكن اليوم بإمكانه أن يخدع كلّ العالم.

ب ـ تشجيع الشعب على قتل بعضه بعضًا
لا فقط يقتل الح ش ص الناس بواسطة آلته القمعيّة، ولكنه أيضًا يُشجّع الناس على تقتيل بعضهم البعض. حتّى وإن التزم ببعض القواعد في بداية عمليّة القتل، فحالما يُحرّض الناس على المشاركة، لا شيء يعود بإمكانه أن يُوقف المجزرة. مثلاً عندما كان الح ش ص يقوم بالإصلاح الزراعي، كانت كلّ لجنة محلـّية تملك حقّ الحياة والموت على مالكي الأراضي.

ج ـ تدمير نفسيّة الشخص قبل قتله جسديّا
هناك طريقة أخرى للقتل وهي تتمثل في تحطيم الشخص نفسيّا قبل قتله مادّيًا. في تاريخ الصين وصولاً إلى أكثر قادة الحزب الشيوعي السوفياتي قسوةً، ما من أحدٍ منهم كان يُدمّر الناس ذهنيّا. لم يترك الح ش ص أبدًا فرصة للناس لكي يموتوا شهداء. لقد أصدروا قوانين مثل :”تخفيف عقوبة أولئك الذين يُقدّمون تنازلات وتشديد العقوبات على أولئك الذين يُقاومون”. إرغام الناس على “طأطأة الرأس والاعتراف بجرائمهم هو الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة”. يُرغم الح ش ص الناس على التخلـّي عن أفكارهم وعقائدهم الذاتية ويتركهم يموتون مثل الأنعام، دون كرامة. بالفعل، أولئك الذين يموتون بكرامة يُمكن أن يكونوا مصدر إلهامٍ للآخرين. ولكنّ الح ش ص لا يتمكّن من “تربية” أولئك الذين سيستلهمون من الضحايا ويُعجَبون بهم إلاّ عندما يموت هؤلاء الضحايا في الذلّ والهوان. السبب الذي من أجله يُضطـَهَدُ الفالون غونغ بتلك الوحشيّة هو أنّ ممارسي الفالون غونغ يعتبرون عقيدتهم أثمن من حياتهم. حينئذٍ عندما يجد الح ش ص نفسه عاجزًا عن تلطيخ كرامتهم، فإنه يفعل كلّ ما بوسعه فعله لتدميرهم جسديّا.

د ـ القتل عبر التحالف مع الناس أو استعبادهم
الح ش ص يقتلُ مستعملاً سياسة العصا والجزرة، تارة يربط أواصر الصداقة مع ضحاياه، وتارة يتخلـّى عنهم. الح ش ص يُحاول دائمًا أن يُهاجم نسبةً صغيرةً من الشعب، حوالي 5%. هو يُصرّح أنّ غالبيّة الشعب طيّبة، هي فقط في حاجة إلى “التربية”. هناك التربية عن طريق الترهيب والتربية عن طريق الترغيب. التربية عن طريق الترغيب تتمثل في إفهام الناس أنهم إن حازوا على ثقة الح ش ص وتحالفوا معه، لا فقط سينعمون بالأمن وإنّما سيكون بإمكانهم أيضًا أن يحصلوا على مِنح وزياداتٍ، أو أشكال أخرى من الانتفاع. قال لين بياو [34] :”جزءٌ صغيرٌ يُحذف اليوم، وجزءٌ آخر غدًا، شيئًا فشيئًا يُصبح المجموع جُزءًا كبيرًا”. أولئك الذين هنّؤوا النفس بالنجاة من حركةٍ مّا غالبًا ما كانوا ضحايا الحركة الموالية.

هـ ـ قتل التهديدات المُحتمَلة في الرحم وجرائم القتل اللاّ ـ قانونية والسرّية
مؤخّرًا طوّر الح ش ص نموذجًا من القتل يتمثل في قتل المشاكل وهي ما زالت في “مرحلتها الجنينيّة” والقتل السرّي والخالي من كلّ شرعيّة. مثلاً عندما يقوم مجموعة من العمّال بإضرابٍ أو تتعالى احتجاجات الفلاّحين، فإنّ الح ش ص يقمع تلك الحركات قبل أن تكبر وتنمو مُعتقلاً زعماء تلك الحركات ومُسلـّطا عليهم أشدّ العقوبات. الحرّية وحقوق الإنسان هي مواضيع أصبحت منتشرة الآن في العالم ويتــّفق عليها الجميع، لذلك فإنّ الح ش ص لم يُسلط على أيّ ممارس فالون غونغ عقوبة الإعدام. ولكن تنفيذًا لأوامر جيانغ زمين الذي قال :”إن قتلتم ممارس فالون غونغ، فلن يترتّب عن ذلك أيّ مسؤولية”، من الدارج أن نرى على كامل نطاق البلاد ممارسين يتعرّضون للتعذيب ويموتون ميتة مأساويّة. ورغم أنّ الدستور الصيني يضمن حقّ المواطن في الشكوى إن تعرّض لمظلمة، فإنّ الح ش ص يطلب من الشرطة ذات الزيّ المدنيّ، أو حتّى من المجرمين، أن يُوقفوا المواطنين الذين يتقدّمون بالشكوى ويطردوهم، وحتّى أن يرموهم في مخيّمات العمل الإجباريّ.

و ـ قتل الفرد الواحد يصلح درسًا لبقيّة الأفراد
عمليّات اضطهاد جانغ جيسين، يو كووكو و كين جاوو [35] هي أمثلة على ذلك.

ز ـ استعمال القمع لإخفاء حقيقة القتل
الناس المشهورون الذين لديهم صيت على الساحة العالمية، في الغالب يتمّ قمعهم ولكن ليس قتلهم. الهدف هو إخفاء قتل أولئك الذين لا يملكون جاهًا ولا سلطةً والذين لا يسترعي موتهم الانتباه. مثلاً أثناء حملة قمع الرجعيّين، لم يقتل الح ش ص موظفين مرموقين مثل لونغ يون، فو دزو يي و دو يومينغ، ولكنه قتل ضباط وجنود الكوومينتانغ البسطاء.
لجوء الح ش ص إلى القتل على مدى فترة زمنية مطوّلة أفسد روح الشعب الصيني. حاليّا في الصين، ناس كثيرون يميلون إلى القتل. عندما هاجم إرهابيّون الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001، كثير من الصينيين استمتعوا بمشاهدة ذلك على مواقع الانترنت في الصين. كنتَ ترى في كلّ مكان أنصار “حربٍ بلا حدودٍ”، وهذا الأمر مُخيفٌ.

خاتمة
بسبب الحصار المعلوماتيّ الذي يُقيمه الح ش ص، لا نملكُ أيّ وسيلة تـُمكّننا من معرفة كم بالضبط من الناس قـُتِلوا على مدى مختلف حركات الاضطهاد التي وقعت في حكمه. أكثر من 60 مليون شخصًا قـُتِلوا في الحركات المذكورة أعلاه. وزيادة على ذلك، قتل الح ش ص أيضًا أقليات عرقيّة في السيندجيانغ، والتيبت، ومنغوليا الداخلية، ويونّان، وفي مناطق أخرى ؛ ومن الصعب معرفة الحقيقة عن تلك المجازر. قدّرت صحيفة الواشنطن بوست أنّ عدد الأفراد الذين ماتوا نتيجة اضطهاد الحزب يصل إلى 80 مليونًا [36].
وبالإضافة إلى الذين قـُتِلوا، ليس لدينا أيّ إمكانية لمعرفة عدد الأشخاص الذين أصبحوا معاقين عضويّا، أو مختلـّين عقليّا، أو مسعورين، أو مُصابين بالذهان الهذيانيّ جرّاء الاضطهاد الذي تعرّضوا له. كلّ ميتة هي في حدّ ذاتها مأساة تترك جروحًا عميقة في نفوس أفراد عائلات الضحايا.
مثلما ورد ذلك في وكالات أنباء يوميوري في اليابان [37]، الأبحاث التي أجرتها الحكومة المركزية الصينية على 29 مقاطعة ومدينة يُشرف على إدارتها النظام مباشرةً أظهرت أنّ ما يقارب 600 مليون شخص تضرّروا مباشرةً من الثورة الثقافية، أي ما يعادل نصف الشعب الصيني.
رُوي عن ستالين قوله :”موت شخص هي مأساة، وموت مليون شخص هي إحصائيّات”. عندما أخبِر لي جينغتشوان، أمين الحزب الشيوعي الأسبق في مقاطعة سيشوان، بعدد قتلى المجاعة التي حصلت في سيشوان، علـّق كما يلي :”أيّ فترةٍ حاكمةٍ لم تشهد موت الناس ؟” قال ماوو تسي تونغ أنّ “كلّ التضحيات لازمة لا مفرّ منها، في كلّ نضال غالبًا ما يكون هناك قتلى”، تلك هي وجهة نظر الشيوعيّين المُلحدة عن الحياة. لذلك مات 20 مليون شخصًا تحت اضطهاد نظام ستالين، أي ما يُعادل نسبة 10% من شعب الاتحاد السوفياتي السابق. لقد قتل الح ش ص 80 مليون شخصًا على الأقلّ، في مختلف حركات الاضطهاد، وهو ما يعادل أيضًا نسبة 10% من الشعب. قتل الخمير الحمر مليوني شخص، وهو ما يُعادل ربع الشعب الكمبودي آنذاك. في كوريا الشمالية، عدد قتلى المجاعة كان يتجاوز المليون. كلّ هذه الدماء هي على عاتق الحزب الشيوعي.
الطوائف السرية تقدّم الناس كقرابين وتـُريق دماءهم لترضي الأرواح الشريرة والشياطين، وهذا أمر معروف. منذ بدايته لم يتوقف الحزب الشيوعي أبدًا عن القتل. عندما لم يكن يقدر أن يقتل أولئك الذين هم خارج الحزب، كان يقتل حتّى عناصره هو إحياءًا لذكرى “صراع الطبقات”، “الصراعات الداخلية للحزب”، وغيرها من الأفكار الباطلة. ووصل به الأمر إلى أن يقدّم على هيكل الأضاحي أمينه العامّ، وقوّاده، ووزراءه وكثير آخرون، قربانًا لطقوسه الشريرة.
كثير هم الذين يُفكّرون أنه علينا أن نعطي الح ش ص الوقت لكي يُصلح نفسه، مستشهدين بأنه اليوم أكثر اعتدالاً في ممارسته للقتل. ولكنّ قتل شخص واحد يكفي لإسناد صفة “قاتل” لمن قتل. من منظور أشمل، القتل هو الطريقة رقم 1 للح ش ص لكي يُسيّر نظامه القائم على الرعب، إنه يقتل عددًا صغيرًا أو كبيرًا حسب احتياجاته، لكي يبقى في السلطة. إنّ أفعال الح ش ص غير متوقعة. عندما لا يحسّ الناس إحساسًا قويّا بالخوف، يقتل الح ش ص المزيد لكي يزيد من الرعب العامّ ؛ عندما يكون الناس شاعرين بالخوف، قتل عددٍ قليل فقط يكفي للإبقاء على حالة الرعب تلك ؛ عندما يكون الناس غير قادرين على إخفاء شعورهم بالخوف، آنذاك يكفي الح ش ص أن يُعلن نيّته في القتل، دونما حاجةٍ للمرور إلى التطبيق. بعد المرور بعددٍ لا يُحصى من الحركات السياسية السفاحة، نمّى الناس ردّة فعل لا شعوريّة تجاه الح ش ص، ولم تعد هناك حاجة حتّى إلى إعلان نيّة القتل. هنا يكفي فقط استعمال النقد العامّ بواسطة آلة الدعاية لإذكاء ذكرى الرعب والهلع في نفوس الناس.
عندما لا يُحسّ الناس بنفس الرعب، يُعدّل الح ش ص من حدّة التقتيل. عدد الأشخاص المقتولين ليس هدفًا في حدّ ذاته ؛ النقطة الرئيسية هي القتل بصفة مستمرّة للحفاظ على السلطة. لم يُصبح الح ش ص أكثر لطفـًا، ولا هو تخلـّى عن سكّينه الدامي. الناس هم الذين أصبحوا مُطيعين أكثر من ذي قبل. إن نهضوا للمطالبة بشيءٍ يتجاوز ما يُطيقه الح ش ص ويقبله، فإنّ هذا الأخير لن يتردّد في القتل.
أكثر أنواع القتل فاعليّة في الإبقاء على الرعب هو القتل العشوائيّ. أثناء مختلف حملات التقتيل التي حدثت، ظلّ الح ش ص غامضًا بشأن هويّة الأشخاص، ونوع الجريمة، ومقاييس الحكم بالإعدام. كان الناس، حرصًا على حياتهم، يُبقون أقوالهم وأفعالهم في حدود مستوياتٍ “آمنةٍ”. حدود “الأمان” هذه تتجاوز حتّى ما يفرضه الح ش ص نفسه. لذلك في كلّ حركة، يميل الناس إلى التصرّف على أساس أنهم “إلى اليسار أكثر منهم إلى اليمين”. لذلك فإنّ الحركات غالبًا ما تمتدّ على نطاق “أوسع” من النطاق المُحدّد في البداية، لأنّ الناس من مختلف الشرائح يفرضون على أنفسهم ـ بصفة إراديّة ـ قواعد وحدودًا لكي يضمنوا سلامة أرواحهم، كلما كان المستوى متدنـّيًا كلما كانت الحملة قاسية. هذا التضخيم والتكثيف الإرادي لأنظمة الرعب على نطاق كلّ البلاد آتٍ من التقتيل العشوائيّ للح ش ص.
على مدى تاريخه الطويل في ممارسة القتل، استحال الح ش ص إلى سفـّاح شرّير. عندما يقتل هو يُرضي مفهومه الفاسد والشرّير للسيادة المطلقة وحقّ الحياة والموت على كلّ إنسان. عندما يقتل هو يُخفـّف من إحساسه العميق بالخوف. عندما يقتل هو يقمع حالة الاستياء الاجتماعية وعدم الرضا التي سبّبتها أعمال القتل السابقة. اليوم يحمل الح ش ص على كتفيْه مسؤولية كلّ الدماء التي أهدِرت، لذلك من المستحيل أن تنحلّ هذه المسألة بشكل ودّي. لا يسعه سوى أن يعتمد على ضغط قويّ وعلى سلطة شموليّة لكي يُحافظ على بقاءه إلى أن ينتهي تمامًا. مهما تنكّر الح ش ص ووضع الأقنعة في مناسباتٍ مختلفةٍ، مانحًا تعويضاتٍ لضحايا جرائمه، فإنّ طبيعته السفـّاحة لم تتغيّر قط، ومن غير المتوقع أيضًا أن تتغيّر في المستقبل.

ملاحظات :
1ـ رسالة ماوو تسي تونغ إلى زوجته دجيانغ تشينغ (1966).
2ـ التركيبة العليا في إطار النظرية الاجتماعية الماركسية تتمثل في طرق التواصل بين الذاتية البشرية والجوهر المادّي للمجتمع.
3ـ هوفانغ، عالم وناقد أدبيّ كان مُعارضًا للأدب السياسي الذي يستعمله الح ش ص لمذهبة الناس. طـُرِد من الحزب سنة 1955 وحُكِم عليه بـ 14 سنة سجنًا.
4ـ حوارات كونفوشيوس.
5ـ ليفيتيكوس 18 : 19.
6ـ ماركس، بيان الحزب الشيوعي (1848).
7ـ ماوو تسي تونغ، ديكتاتورية الديموقراطية الشعبية (1949).
8ـ ماوو تسي تونغ، “يجب علينا أن ندعو بما أوتينا من جهدٍ إلى “قمع الرجعيّين” وهكذا كلّ أسرةٍ تكون على علمٍ بالأمر”. (30 مارس 1951).
9ـ ماوو تسي تونغ، “يجب أن نضرب الرجعيّين بعنفٍ وبدقّة” (1951).
10ـ المملكة السماوية بتايبينغ (1851ـ1864 م)، وتـُعرَفُ أيضًا بـ “تمرّد تايبينغ”، هي أحد أكثر الحروب دمويّة في تاريخ الصين. كان مُواجهة بين القوى الامبراطورية وأناسٍ يتـّبعون هونغ سيونشوان الذي نصّب نفسه بنفسه. كان قادمًا من المجموعة الثقافية الصوفية “هاكّا” وكان أيضًا قد اعتنق المسيحيّة. 30 مليون شخصًا على الأقلّ قـُتِلوا في هذه الحرب.
11ـ مُعطيات مأخوذة من الكتاب الذي نشرته دار شانغمينغ للنشر ومكانها هونغ كونغ.
12ـ القفزة الكبرى إلى الأمام (1958ـ1960) هي حملة قادها الح ش ص. تهدف هذه الحملة إلى إنعاش الصناعات الصينية، وعلى وجه الخصوص صناعة المعادن. وقد تسبّب ذلك في كارثة اقتصادية.
13ـ نشرتها في 1994 دار الطبع : العلم الأحمر. المقولة التي ترجمها المترجم.
14ـ وحدة قيس : 1مو = 6.67 آر.
15ـ بانغ دوهواي (1898ـ1974) : زعيم سياسي وماريشال شيوعي صيني. كان بانغ قائدًا عامّا في الحرب الكورية، ووزيرًا أوّلاً مساعدًا في لجنة شؤون الدولة، وعضوًا في المكتب السياسي ووزيرًا للدفاع من 1954 إلى 1959. نـُحّي من مهامّه الرسمية إثر عدم استحسانه للمقاربات اليسارية لماوو في الدورة الكاملة للح ش ص بلوشان سنة 1959.
16ـ دوجاغر، ريمون ـ العدوّ الداخلي. كتب غيلد، بولس الكاثوليكي، مُدمج (1968).
17ـ مجزرة داسينغ حدثت في شهر أغسطس 1966 عندما تمّ تغيير زعيم الحزب في بيكين. في ذلك الحين ألقى سيي فوجي ـ وزير الأمن العمومي ـ خطابًا أثناء اجتماع مكتب الأمن العمومي في بيكين، دعا فيه إلى عدم التدخل لمواجهة أفعال الحرس الأحمر ضدّ “الطبقات السوداء الخمس”. وسرعان ما مُرّر هذا الخطاب لاجتماع اللجنة التنفيذية لمكتب الأمن العمومي بداسينغ. بعد الاجتماع ردّ المكتب الفعل بسرعةٍ وكوّن خطة لتحريض جماهير إقليم داسينغ على قتل “الطبقات السوداء الخمس”.
18ـ جانغ يي، سكارلت ميموريال (الكتاب التذكاري الأحمر) (تايبه : دار النشر التابعة للتلفزيون الصيني، 1993). هذا الكتاب متوفر بالانكليزية : الكتاب التذكاري الاحمر : قصص الوحشية وأكل لحم الإنسان في الصين الحديثة، كتبه يي جانغ، ترجمه ت.ب سيم (بولدر، كولورادو : الصحافة الغربية، 1998).
19ـ “المجتمع القديم” : عبارة يستعملها الح ش ص وتشير إلى الفترة الممتدّة إلى حدود 1949، و”المجتمع الحديث” تشير إلى الفترة التي تلي 1949، بعدما أمسك الح ش ص بزمام البلاد.
20ـ طريقة التعذيب بواسطة القميص الجبريّ. لمزيدٍ من المعلومات زوروا الموقع التالي :
بالصينية
http://minghui.org/mh/articles/2004/9/30/85430.html
بالانكليزية

http://www.clearwisdom.net/emh/articles/2004/9/10/52274.html
21ـ في 1930، أمر ماوو الحزب بقتل الآلاف من عناصره، من جنود الجيش الأحمر، ومدنيّين أبرياء في مقاطعة جيانغسي بهدف تقوية نفوذه في المناطق الخاضعة لحكم الح ش ص. لمزيدٍ من المعلومات زوروا الموقع التالي (بالصينية) :
http://kanzhongguo.com/news/articles/4/4/27/64064.html
22ـ غاوو غانغ و راوو شوشي : كان كلاهما عضوًا في اللجنة المركزية للح ش ص. بعد فشل محاولة انقلاب في 1954، اتـّهِما بالتآمر لتقسيم الحزب وطرِدا من الحزب.
23ـ جو آنلاي (1898 ـ 1976) : الشخصية الثانية في تاريخ الح ش ص بعد ماوو. وهو أحد الشخصيات الرئيسية في الح ش ص والوزير الأول للجمهورية الصينية من 1949 إلى موته.
24ـ وانغ سيانغن، وثيقة مساندة الفياتنام والحرب ضدّ أمريكا. (بيكين : شركة النشر الثقافية العالمية، 1990).
25ـ جانغ جيسين كانت مثقفة عذبها الح ش ص إلى الموت أثناء الثورة الثقافية الكبرى لأنها انتقدت ماوو، وتحدّثت عن فشل القفزة الكبرى إلى الأمام وقالت الحقيقة. جرّدها حرّاس السجن من ثيابها مرّاتٍ عديدة وقيّدوا يديها وراء ظهرها ورموْها في زنزانة المساجين الذكور ليغتصبوها إلى أن جُنّت. عندما تمّ إعدامها، نظرًا لكون مسؤولي السجن كانوا يخشوْن أن ترفع صوتها بالاحتجاج، فقد قطعوا حنجرتها مباشرة قبل إعدامها.
26ـ تقرير 12 أكتوبر لمؤسسة البحث لاوو غاي :
http://www.laogai.org/news2/newsdetail.php?id=391
(بالصينية).
27ـ أحد الأدوات الثلاث التي كان ماركس يستعملها لتحليل الطبقات الاجتماعية وهي : وسائل الإنتاج، طرق الإنتاج، وعلاقات الإنتاج. علاقات الإنتاج تشير إلى العلاقات بين الناس الذين يملكون وسائل الإنتاج والناس الذين لا يملكونها، مثلاً العلاقة بين مالكي الأراضي والمُزارعين أوالعلاقة بين الرأسماليّين والعمّال.
28ـ لمنشيوس. الكتاب 3. مجموعات بانغوان الكلاسيكية، ترجمها د. س. لاوو.
29ـ مؤلف لغان جونغيان (989ـ1052 م)، وهو أستاذ صيني معروف، كاتب وموظف سامٍ في مملكة السونغ بالشمال. الشاهد مأخوذ من قصيدته الشهيرة :”تسلـّق قلعة يوييانغ”.
30ـ مؤلفٌ لغو يانوو (1682ـ1693 م)، عالم شهير في مطلع فترة حكم التشينغ.
31ـ لمنشيوس. الكتاب 7. مجموعات بانغوان الكلاسيكية.
32ـ القرية ذات العائلات الثلاث هو اسمٌ مستعارٌ استعمله ثلاثة كتـّابٍ في السنوات 1960 : دانغ كوو، وو هان، و لياو موشا. وو هو مؤلف مسرحية : “هاي روي يستقيل من منصبه”. وقد اعتبر ماوو هذه المسرحية نقدًا سياسيّا لعلاقته مع الماريشال بانغ دوهواي.
33ـ الفتاة ذات الشعر الأبيض تروي في الأصل قصّة خالدة تعيش في مغارة وتتمتع بقوىً خارقة، وتعمل على مكافأة الخير ومعاقبة الشرّ ونصرة العدل والحدّ من الظلم. ولكن في المسرحية والباليه والأوبرا “العصرية”، يتمّ وصفها بأنها فتاة أجبِرت على الهروب إلى مغارة بعد أن ضربها أبوها ضربًا مبرّحًا لأنها رفضت الزواج من فلاّح عجوز وثريّ. وأصبح شعرها أبيضًا لأنه لم يعد لها ما تقتات عليه. إذا فتحت ريشة كتـّاب الح ش ص، أصبحت هذه المسرحية في الصين الحديثة من أشهر المسرحيّات التي تحرّض على كره الفلاّحين الأثرياء ومالكي الأراضي.
34ـ لين بياوو (1907ـ1971)، أحد قوّاد الح ش ص المرموقين. عمِل تحت إمرة ماوو تسي تونغ كعضوٍ في المكتب السياسي الصيني، وكنائب رئيس (1958)، وكوزير دفاع (1959). يُعتبَرُ لين مهندس الثورة الثقافية الكبرى بالصين. عُيّن لين خلفـًا لماوو في 1966. ولكنه خسر حظوته في 1970. أحسّ لين بسقوطه، وتروي الإشاعة أنه شارك في عملية انقلابٍ وعندما انكشفت المؤامرة حاول الهرب إلى الاتحاد السوفياتي. ولكن في محاولته تلك الهربَ من التتبعات القضائية، تحطمت طائرته في منغوليا مسبّبة وفاته.
35ـ كان يوو لووكو مفكّرًا يدافع عن حقوق الإنسان، ومناضلاً قتله الح ش ص أثناء الثورة الثقافية. دراسته الضخمة : “عن تاريخ العائلة” التي كتبها في 18 يناير 1967، هي أحد أكثر المقالات شهرةً وأعمقها تأثيرًا من بين الدراسات التي تعكسُ فكرًا حرّا غير تابع للحزب أثناء سنوات الثورة الثقافية. أمّا لين جاوو، فكانت حائزةً على شهادة في الصحافة من جامعة بيكين، وصُنـّفت يمينيّة سنة 1957 بسبب فكرها الحرّ ونقدها الصريح للحركة الشيوعية. اتّهـِمت بالتؤامر على الإطاحة بالديكتاتورية الديموقراطية الشعبية، واعتقِلت سنة 1960. سنة 1962 حُكِم عليها بـ 20 سنة سجنًا. ويوم 29 أبريل 1968 قتلها الح ش ص بصفتها عدوّة للثورة.
36ـ مأخوذ من
http://www.laojiao.org/64/article0211.html
(بالصينية).
37ـ مأخوذ من الرسالة المفتوحة التي وجهها سونغ مايلينغ للياو شانغجي (17 أغسطس 1982). المصدر :
http://www.blog.edu.cn/more.asp?name=fainter&id=16445
(بالصينية).

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة الثامنة: كيف أن الحزب الشيوعي الصيني طائفة شريرة

توطئة

انهار الشقّ الشيوعي في الاتحاد السوفياتي في بداية السنوات 1990 بعد قرابة قرن من الوجود، وكان ذلك الانهيار شاهدًا على فشل الحزب الشيوعي. ورغم ذلك، حافظ الحزب الشيوعي الصيني (الح ش ص) – وبصفة غير متوقّعة- على بقاءه، وهو لا زال اليوم يحكم الصين، أمّة تمثل خُمس سكّان الأرض. هناك سؤال يطرح نفسه هنا : هل الح ش ص حقّا شيوعيّ ؟
لا أحد في الصين اليوم، بما في ذلك أعضاء الحزب أنفسهم، يؤمن بالشيوعية. بعد خمسين سنة من الاشتراكية، يتبنى الح ش ص اليوم الملكيّة الخاصّة، ويملك حتّى سوق بورصة. كما يسعى لجلب الاستثمارات الخارجيّة ليخلق مؤسّسات جديدة، مستغلاّ في ذلك إلى أقصى حدّ ممكن العملة والفلاّحين. هذا يقف على طرف النقيض من مُثل الشيوعية. ورغم تواطئه مع الرأسماليّة، يبقى الح ش ص مسيطرًا بإحكام على الشعب الصيني. لا يزال الدستور حتّى بعد تنقيح 2004، ينصّ وبصرامة على أنّ “الشعب الصيني بعرقيّاته المختلفة سيستمرّ في الانضواء تحت راية الديكتاتورية الديموقراطية الشعبية والطريق الاشتراكية تحت زعامة الحزب الشيوعي الصيني، وفيّا لروح الماركسية-اللينينيّة، ولإيديولوجيا ماوو تسي تونغ، ولنظريّة دانغ سياوبينغ، ولفكرة “التمثيلات الثلاث””…
وكما يُقال :”مات الفهد، ولكنّ جلده بقي”. اليوم، لم يعد للح ش ص سوى “الجلد” [1]. لقد ورث هذا الجلد ويستعمله ليُبقي على سيطرته على الصين.
ما هي طبيعة هذا الجلد الذي ورثه الح ش ص ؟ بعبارة أخرى : ما هو تنظيم الح ش ص من الأساس ؟

I. الخصوصيّات الطائفيّة للح ش ص
الحزب الشيوعي هو بالأساس طائفة شيطانية مضرّة بالإنسانية.
رغم أن الحزب الشيوعي لم يعتبر نفسه أبدًا ديانةً، إلاّ أنه لديه بالضبط خصوصيات المؤسّسة الدينية (انظر أسفله). كان في بداياته يعتبر الماركسية الحقيقة المطلقة للعالم وكان يقدّس ماركس مثل الآلهة الروحية ويدفع الناس إلى أن يُكرّسوا حياتهم للنضال من أجل بناء “جنّة شيوعيّة في العالم البشري”.
الطابع الديني للح ش ص
فيما يلي النقاط الأساسية للديانة، والنقاط التي تقابلها لدى الح ش ص :
1-الكنيسة أو القاعدة (المنبر) : لجنة الحزب على جميع مستوياتها ، القاعدة تمتدّ من اجتماعات الحزب إلى جميع وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الح ش ص.
2-العقائد : الماركسية-الليينينيّة، إيديولوجيّة ماوو تسي تونغ، نظريّة دانغ سياوبينغ، “التمثيلات الثلاث” لجيانغ زمين، والمجلس التأسيسي للحزب.
3-طقوس اعتناق الديانة : احتفال يُقسم فيه الشخص على الإخلاص مدى الحياة للح ش ص.
4-الانتساب لديانة واحدة لا غير : عضو الحزب الشيوعي لا يمكن أن يعتقد في غير الحزب الشيوعي.
5-القساوسة/الأئمّة : أمناء الحزب والأعوان المسؤولون على شؤون الحزب في كامل المستويات.
6-تقديس الإله : نبذ كلّ الأرباب الآخرين وتنصيب نفسه ربّا “دون اسم”.
7-الموت يُسمّى “الصعود إلى الجنّة أو النزول إلى الجحيم”، الموت عندهم يُسمّى “الذهاب لرؤية ماركس”.
8-الكتابات المقدّسة : نظريّات وأدبيّات قوّاد الحزب الشيوعي.
9-الدعوة إلى الدين : الاجتماعات بشتّى أنواعها، وخطابات المُسيّرين.
10-حفظ الكتابات المقدّسة وتدارسها والتمعّن فيها : حلقات الدرس السياسية ، الاجتماعات أو الأنشطة الروتينيّة لأعضاء الحزب.
11-النشيد المقدّس (النشيد الدينيّ) : النشيد الذي يُعدّد محاسن الحزب.
12-الإسهامات (إجبارية على كلّ الأعضاء) : مساهمة إجباريّة في صندوق ميزانيّة الحكومة المُخصّص للحزب، وهو آتٍ من المال الذي تمّ تحصيله بعرق الشعب ودمه.
13-العقوبات التأديبيّة : عقوبات الحزب تمتدّ من “الاعتقال في البيت والبحث”، ومن “الطرد من الحزب” إلى التعذيب إلى حدّ الموت، وحتّى إلى معاقبة الأقارب والأصدقاء.
الحزب الشيوعي يختلف طبعًا عن كلّ الديانات الأورتودوكسيّة. كلّ الديانات الأورتودوكسيّة تعتقد في الله وفي الخير، وكلّها تهدف إلى تعليم الناس مكارم الأخلاق وإلى إنقاذ أرواحهم. الحزب الشيوعي لا يعتقد في الله ويقف على طرف النقيض من المعايير الأخلاقية التقليدية.
أفعال الحزب الشيوعي نفسها تدلّ على أنه طائفة شيطانية. مذاهب الحزب الشيوعي تنبني على صراع الطبقات، الثورة العنيفة، وديكتاتورية البروليتاريا، وأفضت إلى ما يُسمّى بـ “الثورة الشيوعية” المليئة دمًا وعنفًا. دام الرعب الأحمر تحت نير الشيوعية قرابة قرنٍ، وجرّ الشقاء والتعاسة على عشرات البلدان في العالم وكلّف عشرات ملايين الأشخاص حياتهم. العقيدة الشيوعية، التي خلقت جحيمًا على الأرض لا تعدو أن تكون أنذل طائفة في العالم.
الخصوصيات الطائفية للح ش ص يمكن تلخيصها في ستّ نقاط :

1- خلق المذاهب وتصفية المعارضين
الحزب الشيوعي يعتبر الماركسية مذهبه الديني ويُشرعها كـ “حقيقة مطلقة”. عقائد الحزب الشيوعي لا تتّصف بالتسامح والطيبة. بالعكس هي طافحة بالعجرفة. كانت الماركسية نتاجًا للفترة الأوليّة للرأسماليّة عندما كانت الإنتاجيّة ضعيفة والعلم لم يتقدّم بعد كثيرًا. لم يكن للماركسيّة أبدًا فهمٌ صحيحٌ للعلاقات القائمة بين الفرد والمجتمع أو بين الإنسان والطبيعة.
للأسف هذه الإيديولوجيا المارقة تحوّلت إلى حركة شيوعية عالمية وألحقت الأذى بالعالم البشري لمدّة تزيد على القرن، قبل أن يهجرها الناس في النهاية، بعد ما اكتشفوا أنها -في التطبيق- غير صحيحة.
منذ لينين، لم يفتأ مسيّرو الطائفة يغيّرون عقائد الطائفة من نظريّة الثورة العنيفة التي أتى بها لينين إلى نظريّة الثورة المستمرّة بزعامة ديكتاتوريّة البروليتاريا التي أتى بها ماوو تسي تونغ وإلى “التمثيلات الثلاث” التي أتى بها جيانغ زمين، تاريخ الحزب الشيوعي مليء بمثل ذلك النظريّات المليئة بالهرطقة والتفكير الخاطئ. ورغم أنّ ما أنتجته هذه النظريّات على أرض الواقع من كوارث ورغم تناقضها فيما بينها، فإنّ الحزب الشيوعي يواصل اعتبارها حقيقة مطلقة لا بل ويُجبر الناس على دراسة هذه المعتقدات.
تصفية المعارضين هي أكثر الأساليب فعاليّة عند الطائفة الشرّيرة الشيوعيّة لتنشر مذهبها. بما أنّ عقيدة هذه الطائفة الشريرة وتصرّفاتها مُثيران للسخرية، فإنه على الحزب الشيوعي أن يُجبر الناس على قبولها، والاعتماد على القوّة لتصفية المعارضين. بعد أن استولى على زمام الحكم في الصين، قاد الحزب الشيوعي “إصلاحًا زراعيّا” لتصفية طبقة مالكي الأراضي، وقاد “إصلاحًا اجتماعيّا” في الصناعة والتجارة للقضاء على الرأسماليّين، وقاد حركة “تصفية الرجعيّين” للقضاء على الديانات المنتشرة بين الشعب والموظفين الذين كانوا يشغلون مراكز الوظيفة قبل وصول الشيوعيين للسلطة، وقاد حركة “ضدّ-اليمينيين” ليُلجم أفواه المثقفين، وقاد “الثورة الثقافية الكبرى” ليقضي على الثقافة الصينية الأصيلة. قدر الح ش ص على توحيد الصين تحت لواء طائفة الشيوعية والوصول إلى وضعيّة نرى فيها كلّ الناس تقرأ الكتاب الأحمر، وترقص “رقصة الوفاء” و”تسترشد بتعليمات الحزب صباحًا وتقدّم له ملخّص يومها مساءًا”. في الفترة التي تلت حكم ماوو تسي تونغ ودانغ، أعلن الح ش ص أنّ الفالون غونغ، وهو ممارسة تقليدية تعتقد في “الحق، الرحمة، التسامح” تنافس مكانته لدى الجماهير ولذا أراد تصفيتها أيضًا. وهكذا مضى في اضطهادٍ دامٍ للفالون غونغ، يستمرّ إلى اليوم.

2- نشر عبادة الفرد وتفوّق الرأي الواحد
من ماركس إلى جيانغ زمين، نجد صور الحكّام الشيوعيّين تُعرض بصفة علنيّة وواضحة ليتمّ تقديسها. السلطة المطلقة لحكّام الحزب الشيوعي لا تقبل بأيّ نقاش أو مراجعة. كان ماوو تسي تونغ يُعتبَرُ “الشمس الحمراء” و”المُحرّر الأكبر”. وقد تحدّث الحزب بطريقة فاضحة عن كتاباته، مُدّعيًا أنّ جملة واحدة من كتاباته تضاهي 10 آلاف جملة عاديّة”. أمّا دانغ سياو بينغ، فبصفته “عضوًا عاديّا في الحزب” أصبح حاكمًا وبسط هيمنته على السياسة الصينية، بينما نظريّة “التمثيلات الثلاث” لجيانغ زمين، ورغم أنها لا تتجاوز 40 حرفـًا بما في ذلك التنقيط، إلاّ أنّ الدورة الكاملة الرابعة للح ش ص أثنت عليها وأعلنت أنها “توفّر أجوبة خلاّقة لإشكاليّات مثل : ماهي الاشتراكيّة ؟ كيف تنبني الاشتراكيّة ؟ ماهو نوع الحزب الذي نُنشؤه وكيف نجعل الحزب يزدهر ؟ ” وتحدّث الحزب أيضًا بوقاحة عن فكرة “التمثيلات الثلاث”، قائلاً أنها تواصلٌ وتطوير للماركسية-اللينينية، ولفكر ماوو تسي تونغ ولنظريّة دانغ سياو بينغ.
المجازر التي قتّل فيها ستالين الأبرياء، كارثة “الثورة الثقافية الكبرى” التي قادها ماوو تسي تونغ، وأوامر دانغ سياو بينغ بإطلاق مجزرة تيانانمن واضطهاد الفالون غونغ على يد جيانغ زمين- والذي يتواصل إلى اليوم-هي النتائج المأساوية لديكتاتوريّة الزعيم الروحي، أو “الزعيم الأوحد”، أو ما يُسمّى بـ “الغورو”.
من جهة ينصّ الح ش ص في دستوره على أنه “في الجمهورية الشعبية الصينية كلّ السيادة تعود إلى الشعب” وأنّ “الأعضاء الذين يمارس الشعب عبرهم سيادته الحكومية هم : التجمّع الوطني الشعبي والتجمعات الشعبية على مختلف المستويات”و”ليس هناك أيّ شخص بإمكانه أن يتمتّع بامتياز كونه فوق الدستور وفوق القانون” [2] ؛ ولكن من جهة أخرى، اتّفاقيّة الح ش ص تنصّ على أنّ الح ش ص هو النواة التي تقود الهدف الاشتراكي الصيني، وهكذا يضع نفسه فوق البلاد وفوق الشعب. رئيس اللجنة الدائمة للتجمّع الوطني الشعبي ألقى خطابات هامّة عبر البلاد ادّعى فيها أنّ التجمّع الوطني الشعبي، والذي هو أعلى هيئة في الحكومة، يجب أن يعطي شعائر الولاء لزعيم الح ش ص. حسب مبادئ “المركزيّة الديموقراطية” عند الح ش ص، الحزب بأكمله يجب أن يُذعن لأوامر اللجنة المركزية للحزب. وهكذا فإنّ التجمّع الوطني الشعبي يفقد دواعي وجوده- ما يُطالب به التجمّع هو التسيير الديكتاتوري للأمين العامّ، وهذا الأخير محميّ من القانون ومن التشريع.

-3غسل دماغيّ عنيف، تحكّم فكري، تنظيم مُحكم، وبعد الانخراط يُمنَعُ على الشخص منعًا باتّا أن يستقيل
تنظيم الح ش ص تنظيمٌ مُحكمٌ إلى الغاية : ليُقبل الشخص داخل الحزب يجب أوّلاً أن يكون مدعومًا بعضوين من أعضاء الحزب، ثمّ عندما يتمّ قبوله، يُقسم هذا العضو الجديد بالولاء للحزب إلى الأبد، أعضاء الحزب يجب أن يدفعوا حصصهم من المساهمات المالية، وأن يساهموا في أنشطة التنظيم، وفي حلقات الدرس السياسية الجماعية. في كلّ قرية، وفي كلّ مدينة، وفي كلّ حيّ سكنيّ بدون استثناء، نجد تنظيمات قاعدية للح ش ص. لا يسيطر الح ش ص على أعضاء حزبه ونشاطاتهم فحسب، ولكن أيضًا على غير الأعضاء، لأنّ النظام بأكمله يجب أن “يُعبّر عن ولاءه لمسيّري الحزب”. أثناء السنوات التي كانوا يقودون فيها حملات صراع طبقي، “كهنة” الح ش ص، يعني أمناء الحزب في كلّ المستويات، في غالب الأحيان لم يكونوا يعرفون بالضبط ما إذا كان عليهم فعل شيء آخر سوى تأديب الشعب.
“النقد والنقد الذاتي” في اجتماعات الحزب يُستعملان دون هدفٍ محدّدٍ. إنّهما يُستعمَلان كوسائل عاديّة للسيطرة على عقول أعضاء الحزب. على مدى تاريخه، أطلق الح ش ص مجموعة من الحركات السياسية لـ “تطهير أعضاء الحزب” ، لـ “تعديل الأجواء داخل الحزب”، لـ “القبض على الخونة”، لـ “تصفية رابطة أعداء البولشيفية (الرّابطة أب) [3] “” ولـ “تهذيب الحزب”، مختبرين بصفة دوريّة – “حسّ طبيعة الحزب”، أي مستعملين العنف والرعب ليمتحنوا ولاء الأعضاء للحزب، ويتيقّنوا من بقائهم معه إلى الأبد.
الانضمام إلى الح ش ص، يعني بعبارة أخرى ميثاقًا لا رجعة فيه، يبيع الشخص نفسه فيه كلّيةً – جسدًا وروحًا. بما أنّ قواعد الحزب توجد دائمًا فوق قوانين الأمّة، فإنّ الحزب بإمكانه أن يطرد أيّ عضو متى يشاء، بينما العضو الفرد لا يمكنه أن يغادر الحزب دون أن يعرّض نفسه لعقوبات قاسية. مغادرة الحزب تُعتبَرُ خيانة وعواقبها مُريعة. أثناء الثورة الثقافية الكبرى، وعندما كانت طائفة الح ش ص تمسك بزمام السلطة المطلقة، كان الأمر التالي معروفا لدى الجميع : إن أراد الحزب موتك فلا يمكنك أن تعيش، وإن أراد حياتك فلا يمكنك أن تموت. إن قام أحدهم بالانتحار، تُلصَق به النعوت والاتّهامات :”هو خائف من أن يعاقبه الحزب على جرائمه”، وأفراد عائلته هم أيضًا يصبحون متورّطين ويُعاقـَبون.
إنّ مسار القرار داخل الحزب شبيه بالصندوق الأسود، كلّ الصراعات الداخلية للحزب يجب أن تبقى في كنف السريّة المطلقة. وثائق الحزب كلها سرّية، من فرط خوفه أن تنكشف جرائمه، كثيرا ما يهاجم الح ش ص المنشقّين متّهمًا ايّاهم بـ “فضح أسرار الدولة”.

4- التحريض على العنف وعلى المجازر وعلى التضحية من أجل الحزب
ماوو تسي تونغ يقول :”الثورة ليست دعوةً إلى العشاء، أو إلى كتابة مقالٍ، أو إلى رسم لوحةٍ، أو ممارسة التطريز، إنها لا يُمكن أن تكون شيئًا رقيقـًا وهادئًا ووديعًا كهذا، شيئًا مُعتدلاً، لطيفـًا، مُهذبًا، رصينـًا وأريحيّا. الثورة هي انقلاب، عمل عنيف بواسطته تقـلـِبُ طبقة طبقة أخرى” [4].
دانغ سياوبينغ يقول الملاحظة التالية :”يجوز قتل 200.000 شخص مقابل 20 سنة من الاستقرار”.
جيانغ زمين يأمر :”دمّروهم (ممارسي الفالون غونغ) جسديّا، شوّهوا سمعتهم، أفلسوهم”.
يُشجّع الح ش ص على العنف وقد قتل عددًا لا يُحصى من البشر طيلة كلّ حملاته السياسية السابقة. إنه يعلّم الناس أن يُعاملوا أعدائهم بـ “برودة كبرودة الشتاء القاسي”. لون العلم أحمر لأنه “اصطبغ بدماء الشهداء”. يعشق الحزب اللون الأحمر لأنه يحبّ الدم والمجازر.
يقوم الحزب بعرض الأمثلة “البطولية” ليشجّع الناس على االتضحية بأنفسهم من أجل الحزب. عندما مات بانغ سيدو في فرن لإعداد الأوبيوم، أثنى عليه ماوو تسي تونغ وقال أن موته “أثقل من جبل تايي” [5]. أثناء سنوات الهستيريا تلك، كانت عبارات جريئة مثل “لا نخشى المِحن ولا الموت” و”التضحيات الجسام تقوّي العزيمة، نحن سنبعث الشمس والقمر في سماوات جديدة”- كانت تتغنّى بالطموحات والآمال في فترة كان الناس فيها يفتقرون لكلّ شيءٍ.
في نهاية السبعينات، أرسل الفياتكونغ فرقهم وأطاحوا بنظام الخمير الحمر الذي سانده الح ش ص وارتكب جرائم منقطعة النظير في الفظاعة. ورغم غيظه، لم يستطع الح ش ص أن ينشر فرقه لمساندة الخمير الحمر بما أن الصين وكمبوديا ليست لهما حدود مشتركة. ولمعاقبة الفياتكونغ-وبتعلّة الدفاع عن النفس- افتعلت الصين آنذاك حربًا مع الفياتنام على طول حدودهما المشتركة. وهكذا ضحّى عشرات الآلاف من الصينيين بحياتهم ودمائهم في سبيل هذه المعركة بين أحزاب شيوعية. لم يكن موتهم من أجل أرض أو سيادة. ومع ذلك، وبعد مرور سنين عديدة على ذلك، قام الح ش ص- وبكلّ صفاقة- بتأبين أولئك الضحايا و”تخليد” ذكرى تلك التضحية عديمة المعنى بكلّ ذلك الشباب الساذج واليانع واصفًا إيّاها بـ “الروح البطوليّة والثوريّة”، مُستعيرًا عبارات الأغنية المُسمّاة “السلوك الرشيق المُنقّط بالدم”- دون أدنى احترام لهذه الأغنية.
بعد أن مات 154 شهيد صينيّ سنة 1981 أثناء استرجاعهم لجبل “فاكا” في إقليم غوانغسي، أعاده الح ش ص بكل بساطة للفياتنام بعدما أعاد الصين والفياتنام النظر في حدودهما المشتركة.
في بداية سنة 2003، وبينما كان وباء السراس ينتشر بطريقة سريعة ويُهدّد حياة الناس، لم يتردّد الح ش ص في تجنيد عددٍ كبيرٍ من الممرّضات الشابّات. زُجّ بهذه النساء بسرعة داخل المستشفيات لتعتنين بالمرضى المُصابين بالسراس. إنّ الح ش ص يدفع دائمًا بالشباب إلى خط المواجهة الأشدّ خطورة، وذلك ليخلق “صورته المجيدة”، تلك الصورة التي “لا تخشى المِحن ولا الموت”. ولكن الح ش ص لا ينبس ببنت شفة عن الـ 65 مليون من أعضائه الحاليّين وعن الصورة التي هم بصدد إعطائها عنه.

5- رمي الاعتقاد بالله وقمع الطبيعة البشرية
يُشجّع الح ش ص على الإلحاد ويدّعي أن الدين هو “الأفيون الروحي” الذي يُمكن أن يُسمّم الشعب. وقد استعمل سلطته ليسحق كلّ الديانات في الصين، ثمّ ألّه نفسه، مانحًا السلطة المطلقة لطائفة الح ش ص.
وفي نفس الوقت الذي يُعرقل فيه الديانات، كان الح ش ص يُدمّر أيضًا الثقافة الموروثة. لقد كان يدّعي أن التراث، والأخلاقيات، وقواعد السلوك كانت كلّها أشياء إقطاعيّة، وخرافيّة، ورجعيّة، ومحاها تمامًا باسم الثورة. أثناء الثورة الثقافية الكبرى انتشرت أشياء رهيبة ترمي عرض الحائط بالتقاليد الصينية، كأن نجد مثلاً زوجيْن يشي أحدهما بالآخر، طلبة يضربون أستاذهم، آباء وأبناء يطعن أحدهما في الآخر، حرس أحمر يقتّلون دون سبب ناسًا أبرياء، متمرّدون يضربون ويُهشّمون وينهبون. كانت تلك النتيجة الطبيعية لما قام به الح ش ص من إخمادٍ للطبيعة الإنسانية.
بعد أن أرسى نظامه، أجبر الح ش ص الأقلّيات القوميّة على الولاء والتبعيّة للمسيّرين الشيوعيين، وهذا يعني ضمنيّا التفريط في ثقافتهم العرقيّة الغنيّة ومتعدّدة الأطياف.
في 4 يونيو 1989، قتّل “جيش تحرير الشعب” المزعوم طلبة كثيرين في بيكين. ونتيجة لذلك فقد الصينيون تمامًا الأمل في مستقبل سياسيّ للصين. ومنذ ذلك الحين لم يهتمّ أفراد الشعب سوى بجمع المال. من 1999 وإلى اليوم، اضطهد الح ش ص الفالون غونغ اضطهادًا عنيفًا، منتصبًا ضدّ “الحق، الرحمة، والتسامح”، ممّا يُسرع في وتيرة تدهور المقاييس الأخلاقية.
في مطلع هذا القرن الجديد، قاموا بدفعة جديدة من تحديد لا- قانونيّ للأراضي [6] ومصادرة للموارد الماليّة والمادّية (قام بذلك موظّفو الح ش ص بالتواطؤ مع الانتهازيين)- ورمى هذا الأمر بكثير من الناس إلى أحضان البؤس والشارع. كما أنّ عدد المحتجّين ارتفع بصفة فجئيّة واحتدمت الصدامات. في أحيان كثيرة هناك مظاهرات حاشدة تقع ولكن يقمعها البوليس والقوات المسلّحة بعنف. لقد أصبحت الطبيعة الفاشيّة لهذه “الجمهورية” واضحة للعيان وفقد المجتمع كلّيًا كلّ وعي أخلاقيّ.
في الماضي، لم يكن الصعلوك يعتدي على جيرانه الأقرباءـ أو كما يقول المثل “يصيدُ الثعلب بعيدًا عن جحره”. في أيّامنا هذه، عندما يُريد الناس ابتزاز أحدهم، يختارون على الأرجح أقربائهم أو أصدقائهم وهم يُسمّون هذا “قتل العلاقات”.
في الماضي كان الصينيون يُقدّسون العفّة ويضعونها فوق كلّ اعتبار، بينما نجد الناس الحاليّين يُهزّؤون الفقراء ولكن لا يُهزّؤون العاهرات. إنّ تاريخ تدمير الطبيعة البشرية والأخلاقيات في الصين مُصوّرٌ أحسن تصوير في الأغنية التالية :
“في السنوات الخمسين كان الناس يساعد بعضهم البعض
في السنوات الستين كانوا يتكاتفون في بذل الجهد
في السنوات السبعين كان يبتزّ بعضهم بعضًا
في السنوات الثمانين كان كلّ فرد يهتمّ بنفسه فقط
في السنوات التسعين كان الناس يستغلّون كلّ من يعترضهم”

6- استيلاء الجيش على السلطة، احتكار الاقتصاد، طموحات سياسية واقتصادية لا جماح لها
الهدف الأوحد من إرساء الح ش ص كان الاستيلاء على السلطة بفضل القوات المسلّحة، وهكذا يخلقون نظام ملكيّة حكوميّة تملك فيه الدولة بزمام الأمور وفي ظلّ اقتصاد مُسطّر. إنّ الطموح الجامح للح ش ص يتجاوز بكثير الطوائف الشريرة العادية التي لا تتعدّى كونها تجمع المال.
في بلد يكون فيه الح ش ص هو من يُسيّر ملكيّة العقارات، فإنّ تنظيمات الح ش ص هي التي تملك نفوذا كبيرا، وهذا يعني أن اللجان والأقسام في مختلف مستويات الح ش ص هي هيئات مفروضة أو أنها تملك البنية التحتية العادية للدولة. إنّ التنظيمات العقارية للحزب تتحكّم في مكنة الدولة وتأخذ الأموال مباشرة من ميزانيات الحكومة على مختلف الأصعدة والمستويات. مثله مثل مصّاص دماءٍ، ابتلع الح ش ص كمّية هائلة من الثروات التي تنتمي إلى الأمّة.

II. الأضرار التي سببتها طائفة الح ش ص
حالما نذكر حوادث مثل مجزرة أوم شيفري كيو (الحقيقة العليا) والتي قتلت ناسًا بغاز (…..)، أو عمليّة الصعود إلى السماء التي نفذها “معبد الشمس” بواسطة الانتحار، أو أيضًا عمليّة الانتحار الجماعي لـ 900 شخص ينتمون لـ “معبد الشعب”، حالما نذكر أشياء مثل هذه، يرتعش كلّ منّا خوفًا واستنكارًا. ولكنّ الح ش ص هو طائفة ارتكبت جرائم أسوء بألف مرّة، مُلحقةً الضرر بعددٍ لا يُحصى من البشر. ذلك لأنّ الح ش ص يتفرّد بالخصائص التالية، والتي لا نجدها في الطوائف الشريرة العادية :

1- الطائفة تصير دينا حكوميا
في أغلب البلدان، إن كنت لا تعتقد في دين مّا، يظلّ بإمكانك أن تنعم بحياة سعيدة دون أن تكون مُجبرًا على قراءة مبادئ هذا الدين أو الاستماع إليها. ولكن في الصين- والتي هي شبه قارّة- لا يمكن للفرد أن يعيش دون أن يكون مُعرّضًا بصفة دائمة للتعاليم وللدعاية الشريرة للح ش ص، لأنّ الح ش ص قد فرض طائفته ديانة حكوميّة منذ استيلاءه على السلطة.
إنّ الح ش ص يبدأ بغرس مواعظه السياسية منذ الحضانة والمدرسة الأساسية. لا يستطيع الفرد أن يتّبع تعليمًا عاليًا أو يحصل على منحة دون اجتياز الامتحان السياسيّ. ليس هناك أيّ سؤال مطروح أثناء الامتحان السياسيّ يترك مجالاً لحرّية التفكير. أولئك الذين يجتازون الامتحانات، إن أرادوا أن ينجحوا، عليهم أن يحفظوا عن ظهر قلب الأجوبة النمطيّة التي يوفّرها الح ش ص. الصينيون المساكين عليهم أن يُردّدوا مواعظ الح ش ص منذ نعومة أظفارهم، وهم بهذا يُمارسون غسيلاً دماغيّا على أنفسهم مرارًا وتكرارًا. عندما يرتقي إطارٌ مّا إلى رتبة سامية في الحكومة، أكان عضوًا في الح ش ص أم لا، فهو مُطالب باتّباع مدرسة الحزب.
في الصين، حيث الحزب الشيوعي هو الدين الحكوميّ هناك، لا يُسمَحُ بوجود جماعاتٍ تتبنّى رأيًا مختلفًا. وحتّى “الأحزاب الديموقراطية” –التي هي مجرّد واجهات سياسيّة وضعها الح ش ص وكنيسة الاستقلاليّات الثلاث (أي استقلالية التسيير، استقلالية الموارد، استقلالية الانتشار) عليها حتمًا أن تعترف بزعامة الح ش ص. حسب المنطق الإقطاعي للح ش ص، فإنّ الولاء للح ش ص هو الأولويّة الأولى، وهو الذي يأتي في المرتبة الأولى قبل كلّ الاعتقادات الأخرى.

2- التحكّم في المجتمع يصل إلى أقصى حدّ
أمكن لهذه الطائفة أن تصبح دينًا حكوميّا لأنّ الح ش ص كانت له الهيمنة المطلقة على المجتمع وكان يحرم الناس من حرّيتهم. هذا النوع من النفوذ هو أمر غير مسبوق، بما أنّ الح ش ص يحرم الناس من الملكيّة الخاصّة في حين أنها إحدى مقوّمات الحرّية. قبل السنوات 1980، أهالي المناطق الحضريّة لم يكونوا يستطيعون كسب قوتهم سوى في المؤسّسات التي يُشرف عليها الحزب. المُزارعون في المناطق الريفيّة كان عليهم أن يعيشوا على الأراضي والضيعات التي تملكها كومونات الحزب. لا أحد كان بإمكانه أن يتخلّص من هيمنة الحزب. في بلد اشتراكيّ مثل الصين، تنظيمات الحزب الشيوعي متواجدة في كلّ مكان، من الحكومة المركزية إلى أسفل طبقات المجتمع، بما فيها تلك الواقعة في القرى والأحياء. من خلال لجانه وأقسامه الواقعة على مختلف المستويات، يحافظ الح ش ص على سلطة مطلقة على المجتمع. هيمنة مُحكمة كتلك تسحق تمامًا الحرّية الفرديّة، وحرّية التحرّك (نظام تسجيل المساكن)، وحرّية التعبير (500.000 شخصًا يمينيّا اضطُهِدوا لأنهم مارسوا حرّية التعبير)، حرّية التفكير (لين جاوو وجانغ جيسين [7] قـُتِلت كلتاهما لأنهما شكّتا في الح ش ص) وحرّية الحصول على المعلومات (قراءة كتب ممنوعة أو الاستماع إلى المحطات الإذاعية “العدوّة” يُعتَبَرُ أمرًا غير قانونيّ، الاطّلاع على الانترنت يخضع أيضًا للرقابة).
بإمكاننا القول أنّ الملكيّة الخاصّة مُباحة اليوم من طرف الح ش ص، ولكن لا يجب أن ننسى أنّ سياسة الإصلاح والانفتاح هذه لم تحدث سوى عندما بلغت الاشتراكية حدّ أن الناس لم يعُد لديهم ما يكفي من الطعام والاقتصاد الوطنيّ كان على وشك الانهيار. كان على الح ش ص أن يتراجع قليلاً إلى الوراء ليتجنّب التدمير. ومع ذلك، وحتّى بعد الإصلاحات والانفتاح، لم يتخلّ الح ش ص أبدًا عن هيمنته على الناس. إنّ اضطهاد ممارسي الفالون غونغ الذي يجري إلى اليوم، لا يمكن أن يحدث سوى في بلدٍ يُسيطر عليه الحزب الشيوعي. إن استطاع الح ش ص أن يُصبح عملاقا اقتصاديّا مثلما يتمنّى، فمن المُؤكّد أنه سيُحكم الخناق أكثر على الشعب الصيني.

3- الدعوة إلى العنف واحتقار الحياة
عمليّا كلّ الطوائف الشريرة تسيطر على أتباعها بواسطة العنف، وتقاوم الضغط الخارجيّ بواسطة العنف. ولكنّ قـلّةً استعملت هذه الوسائل العنيفة بدون أيّ رادع بالقدر الذي استعمله الح ش ص. حتّى العدد الجمليّ لضحايا كلّ الطوائف الشريرة الأخرى في العالم لا يمكن مقارنته بعدد الأشخاص الذين قتلهم الح ش ص. طائفة الح ش ص لا تعتبر البشرية غير أداة تُحقّق بها أهدافها، القتل هو وسيلة لا غير. لذلك فإنّ الح ش ص لا يُبدي أبدًا أيّ تردّد ولا يردعه أيّ رادع أخلاقيّ أمام اضطهاد الناس. أيّ أحدٍ، بما في ذلك الأتباع، الأعضاء ومسيّري الح ش ص، يُمكن أن يُصبح هدفًا لتقتيل الح ش ص.
إنّ الدعم الذي قدّمه الح ش ص للخمير الحمر الكمبوديّين هو حالة نموذجيّة لعنف الحزب الشيوعي واحتقاره للحياة. إنّ الحزب الشيوعي الكمبوديّ الذي يستلهم من تعاليم ماوو واقتدى بها، وتزعّمه بول بوت، أثناء حكمه الذي دام سنتين وثمانية شهور، قتل مليونيْ شخص- أي ما يُضاهي ربع العدد الجمليّ لسكّان هذا البلد الصغير- وذلك بهدف “القضاء على نظام الملكيّة الخاصّة”. من بين كلّ هؤلاء القتلى، أكثر من 200.000 كانوا من أصل صينيّ.
تخليدًا لذكرى الجرائم التي ارتكبها الحزب الشيوعيّ ووفاءًا لذكرى الضحايا، فتحت كمبوديا متحفًا يُوثّق ويعرض الفظائع التي ارتكبها الخمير الحمر. المتحف هو في الأصل سجن قديم للخمير الحمر. كان المبنى في الأصل مدرسة عليا حوّلها بول بوت إلى السجن المُسمّى س-21، والذي استـُعمِل خصّيصًا لسجناء الرأي. عديد المثقفين اعتـُقِلوا فيه وعُذبوا إلى حدّ الموت. مختلف أدوات التعذيب وأيضًا صور بالأبيض والأسود للضحايا قبل أن يتمّ قتلهم نجدها كلّها معروضة في مبنى السجن. الكثير من صور التعذيب الفظيعة معروضة : حناجر مقطوعة، جماجم مثقوبة، أطفال صغار يقع رميهم أرضًا وقتلهم،…الخ. كلّ طرق التعذيب هذه علّمهم إيّاها “خبراء وتقنيّون محترفون” أرسلهم الح ش ص لمساندة الخمير الحمر. بل لقد كوّن الح ش ص مصوّرين مختصّين في أخذ صور للمساجين مباشرة قبل إعدامهم، من قبيل الاهتمام الوثائقي أو من قبيل الاستمتاع.
إنه بالتحديد في هذا السجن س-21 حيث تمّ تصميم واختراع آلة تثقب الجمجمة وتستخرج المخّ البشري ليكون طعامًا لمسيّري الحزب الشيوعي الكمبوديّ. سجناء الرأي كانوا يُوثقون إلى كرسيّ ويُوضعون قبالة هذه الآلة. كان الرعب يبلغ بالضحيّة أقصى الحدود وهي ترى آلة ثاقبة تدور بشكل سريع وتثقب مؤخّرة رأسها وتستخرج الدماغ البشري بخفّة وسرعة، قبل أن تموت.

.IIIالطبيعة الطائفية للحزب الشيوعي
ما الذي يجعل الحزب الشيوعي طاغية إلى ذلك الحدّ ؟ وشرّيرًا إلى ذلك الحدّ ؟ عندما أتى شبح الشيوعية إلى هذا العالم، أتى وهو يتأبّط مهمّةً تقشعرّ لها الأبدان. بيان الحزب الشيوعي يحتوي في خاتمته على هذا المقطع الشهير :
“الشيوعيون لا ينحدرون إلى مستوى إخفاء آرائهم وبرامجهم، إنهم يُعلنون صراحةً أنّ أهدافهم لا يمكن بلوغها سوى عبر الإطاحة العنيفة بالنظام الاجتماعي البالي. فلترتعد الطبقات المسيّرة خوفًا من قيام ثورة شيوعية ! في هذه الثورة لن تخسر البروليتاريا سوى سلاسلها، ولها أن تفوز بعالم بأكمله”.
مهمّة هذا الشبح كانت إذا استعمال العنف لمناهضة المجتمع البشري علانيّةً، وسحق العالم القديم، و”القضاء على الملكيّة الخاصّة”، و”القضاء على طبيعة البورجوازية واستقلاليتها وحرّيتها”، والقضاء على الانتفاع، والقضاء على الأُسَر، وجعل البروليتاريا تحكم العالم.
هذا الحزب السياسيّ-الذي صرّح علانيةً برغبته في “الضرب والتحطيم والنهب” لا فقط ينفي عن شخصه صفة السوء، بل وأيضًا يعطي لنفسه الحقّ مثلما يبدو ذلك في بيان الحزب الشيوعي :”الثورة الشيوعية هي القطع الجذريّ مع العلاقات التقليدية، لذلك فليس من الغريب أنّ تطوّرها يحتوي ضمنيّا على القطع الجذريّ مع الأفكار التقليدية”.
من أين تأتي الأفكار التقليدية ؟ حسب قانون الطبيعة لدى المُلحدين، الأفكار التقليدية تأتي طبعًا من قوانين الطبيعة والمجتمع، إنها ناتجة عن الحركات المنظّمة للكون. أمّا، بالنسبة للذين يُؤمنون بالإله، فإنّ تقاليد البشر والقيم والأخلاقيّة كلّها صادرة عن الإله. بالنسبة لكافّة الشعوب، المفاهيم الأساسيّة في الأخلاقيّات، وقواعد السلوك والمقاييس التي تحدّد الخير والشرّ هي أشياء ثابتة إلى حدّ مّا ؛ وقد كانت قاعدة ومُنطلقًا لتحديد تصرّفات البشر والحفاظ على النظام الاجتماعي مدّة آلاف السنين، فإن فقدت البشرية هذه المفاهيم وهذه المقاييس الأخلاقية للتمييز بين الخير والشرّ، ألن يصبح الناس كالحيوانات ؟ عندما يُعلن بيان الحزب الشيوعي أنه يُريد “القطع النهائي مع الأفكار التقليدية”، فهو يُهدّد أسس الحياة الطبيعية للمجتمع البشريّ. إذا فالحزب الشيوعي لم يكن ليصير سوى طائفة شرّيرة تقود الإنسانية إلى الدمار.
إن بيان الحزب الشيوعي-والذي يعرض المبادئ التي تقود الحزب الشيوعي- مليء بأكمله بالتصريحات المتطرّفة ولا نجد فيه أدنى أثر للرحمة والتسامح. كان ماركس و انجلس يحسبان أنّهما اكتشفا قانون التطوّر الاجتماعي بواسطة المادّية الديالكتيكية. إذًا، وبما أنّ “الحقيقة” صارت بين أيديهم، فقد أعادا النظر في كل شيءٍ ورميا بكلّ شيءٍ. لقد أصرّا على فرض أوهام الشيوعية على الناس، ولم يُظهرا أيّ تحفّظ في دعمهما لاستعمال العنف لتحطيم البُنى الاجتماعية الموجودة وأسس الثقافة. إذا في النهاية ما جلبه بيان الحزب الشيوعي لهذا الحزب الشيوعي الذي وُلِد حديثـًا هو روح جائرة تعترض على قوانين السماء، تـُلحق الأذى بالطبيعة البشرية، وهي متعجرفة، أنانية إلى أقصى الحدود، ولا جماح لها.

.VIنظرية الحزب الشيوعي حول نهاية العالم- الخوف من نهاية الحزب
لقد نفخ ماركس و انجلس روحا شرّيرة في الحزب الشيوعي. أسّس لينين الحزب الشيوعي في روسيا مستعملاً عنف الأشرار، وأطاح بالحكومة الانتقاليّة التي نشأت إثر ثورة فبراير [8]، لقد أجهض الثورة البورجوازية في روسيا، واستولى على الحكومة، وحاز على موطئ قدم للطائفة الشيوعية. ومع ذلك فإنّ فوز لينين لم يُمكّن البروليتاريا من غزو العالم، بل بالعكس. كما تُبيّن ذلك الفقرة الأولى من بيان الحزب الشيوعي :”كلّ القوى في أوروبا العجوز دخلت في تحالفات مقدّسة لتستأصل هذا الشيطان…”. بعد ولادته مباشرة، واجه الحزب الشيوعي قضيّة حياة أو موت، وظلّ خائفًا كلّ لحظة من الهلاك.
بعد ثورة أكتوبر [9]، لم يمنح الشيوعيون الروسيون –أو البلاشفة- للشعب لا سلمًا ولا خبزًا، لم يمنحوه سوى مجازر مجانيّة. كانت الفرق التي على الجبهة بصدد خسران الحرب، وكانت الثورة تزيد الحالة الاقتصادية للبلاد سوءًا. فبالتالي بدأ الناس يتمرّدون. وسرعان ما امتدّت الحرب الأهليّة إلى كامل البلاد ورفض الفلاّحون تزويد المدن بالغذاء. وبدأت مظاهرة كبيرة بين قوزاق “الدون”، وكانت المعركة مع الحرس الأحمر مجزرة ؛ مجزرة كان فيها التقتيل وحشيّا وبربريّا إلى درجة أننا نجد تصويرًا لذلك في كتب مثل “تيخي دان” للكاتب شولوخوف، وفي مجموعة حكايات له أخرى عن “الدون”. في مرحلة مّا من المعركة كانت الفرق التي يقودها الأميرال الأسبق للجيش الأبيض – ألكسندر فايلييفيتش كولشاك” والجنرال “أنتون دونيكين” على وشك الإطاحة بالحزب الشيوعي الروسي. كما هو الحال بالنسبة لأيّ سلطة سياسية حديثة الولادة وجد الحزب الشيوعي نفسه في مواجهة مع كامل البلاد تقريبا، ربّما أيضًا لأنه كان أسوء من أن يستحوذ على قلوب الناس.
إنّ تجربة الحزب الشيوعي الصيني كانت مُطابقة لنظيرها الروسيّ. منذ “حادثة ماري” و “مجزرة 12 أبريل” [10]، مرورًا بالتعرّض للإبادة خمس مرّات في مناطق تقع تحت نفوذ الشيوعيّين الصينيين، وصولاً إلى حيث وجد نفسه مُجبَرًا على الانطلاق في “مسيرة طويلة” تبلغ 25.000 كيلومتر، ألفى الحزب الشيوعي نفسه دائمًا يواجه خطر الإبادة.
لقد وُلِدَ الحزب الشيوعي وهو مُصمّمٌ على أن يقضي على العالم القديم بجميع الوسائل. فوجد نفسه حينئذٍ بمواجهة مشكل حقيقيّ : كيف يظلّ على قيد الحياة ويتجنّب الإبادة ؟ لقد عاش الحزب الشيوعي دائمًا في خوف دائم من موته. أصبح البقاء على قيد الحياة الهاجس الأوّل بالنسبة لهذه الطائفة، وأولويّتها المطلقة.
وعندما كان الحلف الشيوعي العالمي في ملء فترة الخوف، ازدادت أزمة البقاء بالنسبة للح ش ص حدّةً. منذ 1989، هذا الخوف من النهاية يصبح أكثر فأكثر حقيقةً كلّما اقتربت نهايته فعلاً.

.V الصراع القاسي : سلاح ثمين وفعّال تستعمله هذه الطائفة للبقاء
طالما دعا الحزب الشيوعي إلى : نظامٍ من حديدٍ، ولاءٍ مطلق، ومبادئ تنظيميّة. من يدخل للح ش ص عليه أن يُؤدّي القسم التالي :
“أنا أريد أن أنخرط في صفوف الحزب الشيوعي الصيني لمساندة دستور الحزب، واتّباع تعليمات الحزب، وتأدية واجباتي كعضو، والحرص على تنفيذ قرارات الحزب، والانصياع التامّ لنظام الحزب، وكتمان أسرار الحزب، وأن أحافظ على نفس الولاء للحزب، وأكون متفانيًا في عملي، وأبذل كل حياتي للشيوعية وأكون على استعدادٍ للتضحية بكلّ شيءٍ من أجل الحزب والشعب وألاّ أخون الحزب أبدًا” (انظر في دستور الح ش ص، الفصل الأوّل، البند السادس).
يسمّي الح ش ص هذه الروح الطائفية أو التكريسيّة تجاه الحزب “حسّ طبيعة الحزب”. إنه يطلب من عضو الح ش ص أن يكون في كلّ وقت مستعدّا للتخلّي عن معتقداته ومبادئه الشخصية وأن يُذعن إذعانًا غير مشروط لإرادة الحزب وإرادة قادته. إن أرادك الحزب أن تكون طيّبًا، إذا يجب أن تكون طيّبًا، إن أرادك الحزب أن تكون سيّئًا، فيجب أن تكون سيّئًا. وإلاّ فلن تفي بالمقاييس المطلوب توفّرها في العضو-بما أنك لم تُبرهن على “حسّ قويّ بطبيعة الحزب”.
يقول ماوو تسي تونغ :”الفلسفة الماركسيّة هي فلسفة صراع بغاية إذكاء “حسّ طبيعة الحزب” والحفاظ عليه”. يعوّل الح ش ص على آليّة الصراع الدوريّ داخل الحزب. إنه يفتعل صراعات عنيفة داخل الحزب وخارجه، وهكذا قضى على المعارضين وخلق الرعب الأحمر. وفي الآن نفسه كان الح ش ص يُخضِعُ أعضاء الحزب بصفة دائمة إلى ما يُسمّيه بـ “التطهير”، ويقوّي أنظمته الطائفية ويُشجّع أعضاءه على احترام “طبيعة الحزب” وذلك لكي يُقوّي قدرته على الصراع. إنه سلاح ثمين يستعمله الح ش ص ليُطيل في أمد حياته.
من بين قادة الح ش ص، كان ماوو تسي تونغ الأمهر في استعمال هذا السلاح الثمين-سلاح الصراع العنيف داخل الحزب. إنّ عنف ذلك الصراع والخبث الموجود في وسائله كان قد بدأ منذ السنوات 1930 في المناطق الخاضعة لسيطرة الشيوعيين الصينيين، تلك المناطق التي كانت تُسمّى “المناطق السوفييتيّة”.
في 1930، وفي “المنطقة السوفييتية” بإقليم جيانغسي، بدأ ماوو تسي تونغ بممارسة الرعب الثوري على نطاق واسع، تحت اسم “تطهير رابطة أعداء البولشيفية” أو الرابطة “أب”، ونتيجة لذلك، آلاف من جنود الحرس الأحمر ومن أعضاء الحزب ومن أعضاء الرابطة ومن مدنيّي القواعد الشيوعية تمّ تقـتيلهم تقـتيلاً عنيفًا. كانت السيطرة المستبدّة لماوو تسي تونغ هي ما سبّب تلك الحادثة. لم يمرّ وقت طويل على تأسيس ماوو لـ “المنطقة السوفييتية” في إقليم جيانغسي، حتى أخذ الحرس الأحمر ينتقدون تصرّفاته. ولم يُطق ماوو هذه القوى المعارضة وكذلك تنظيمات الحزب في الجنوب الغربي من جيانغسي بقيادة لي وانلونغ التي بصدد التشكّل تحت سمعه وبصره واستعمل الوسائل القصوى لقمع أعضاء الحزب ممّن كان يُشتبَهُ فيهم أنهم منشقّون. ولكي يخلق جوّا مشحونًا متوتّرًا، لم يتردّد في أن يبدأ التطهير بفرق تقع تحت إشرافه هو مباشرةً. من نهاية نوفمبر إلى منتصف ديسمبر، خضعت الجبهة الأمامية للحرس الأحمر لـ “إصلاح عسكريّ سريع”. تمّ بعث تنظيمات – في كلّ مستويات الجيش- مُخصّصة لتصفية أعداء الثورة ؛ نجدها في كلّ المستويات بما في ذلك الفرقة، والفوج (أو الفيلق)، والكتيبة، والسريّة، واللّفيف. كانت تعتقل وتقتل أعضاء الحزب القادمين من عائلات مالكي الأراضي أو الفلاّحين الأثرياء، أو عائلات أشخاص اشتكى منهم الناس. في ظرف أقلّ من شهر، على أكثر من 40.000 جنديّ في الحرس الأحمر، 4.400 صُنّفوا كعناصر من الرابطة (أب)، من بينهم 10 قوّاد (قوّاد الرابطة أب)، تمّ إعدامهم كلّهم.
في الفترة التي تلت ذلك، بدأ ماوو يعاقب هؤلاء المعارضين في “المنطقة السوفييتية”. في ديسمبر 1930، أمر لي شاووجيو، الأمين العامّ لقسم السياسة العامّة للجبهة الأماميّة للحرس الأحمر ورئيس اللجنة العامّة للحدود بأن يذهب إلى مدينة فوتيان، في إقليم جيانغسي، حيث كانت توجد الحكومة الشيوعية. وهناك اعتقل لي شياوو جو أعضاء من لجنة الأعمال القرويّة وثمانية من مُسيّري الحرس الأحمر رقم عشرين، من بينهم لوان ليانغبي و لي بايفانغ. وقد استعمل عدّة طرق تعذيب قاسية مثل ضرب الجسم وحرقه. أولئك الذين يتعرّضون للتعذيب كانوا في النهاية يحملون جسمًا مُغطّى بالجراح، وأصابع مُكسّرة، وحروقات في كامل أنحاء الجسم ولا يستطيعون الحراك. بعض الوثائق التاريخية عن تلك الفترة تروي أنّ بكاء الضحايا كان عاليًا إلى درجة أنه “يشقّ السماء”، كانت طرق التعذيب القاسية مُجرّدة من كلّ إنسانيّة فعلاً.
في 8 ديسمبر، قامت زوجتا لي بايفانغ : ما مينغ و جو ميان بزيارة زوجهما في السجن، ولكنهما اعتـُقِلتا أيضًا بتعلّة أنهما من عناصر الرابطة (أب) وعُذّبتا بقسوة أيضًا. لقد ضُربتا ضربًا مبرّحًا، وأحرِقتا في جسميهما وكذلك في فرجيْهما، وجُرّح صدراهما بالسكاكين. تحت التعذيب القاسي اعترف دوان ليانغبي أنّ جين وانبان، و ليو دي، و جو ميان، و ما مينغ، وآخرون..كانوا قادة الرابطة أب، وأنه يمكن العثور على كثير من أعضاء الرابطة في مدارس الحرس الأحمر.
من 7 ديسمبر مساءًا إلى 12 ديسمبر، أي بالكاد خمسة أيام، اعتـُقِل لي شاوو جيو وآخرون في مدينة فوتيان- أثناء حملة تطهير عنيفة للرابطة أب – 120 عضوًا ممّن زعموا أنهم عناصر من الرابطة أب وكذلك العشرات من أعداء الثورة المهمّين، وأُعدِمَ أكثر من أربعين شخصًا. وقد أفضت قسوة لي شاووجيو في النهاية إلى “حادثة فوتيان” [11] في 12 ديسمبر 1930 – هذه الحادثة التي أدهشت الجميع في “المنطقة السوفييتية” (مأخوذ من : أبحاث تاريخية عن تصفية ماوو تسي تونغ لـ “الرابطة أب” في “المنطقة السوفييتية”، إقليم جيانغسي، بقلم غاوو هوا).
منذ “المنطقة السوفييتية” بيانآن، اعتمد ماوو على نظريّة الصراع لديه وعلى ممارسته للصراع وسعى تدريجيّا إلى بسط هيمنته المُطلقة على الحزب. مثلاً، أثناء الجلسة الكاملة الثامنة لثامن اجتماعٍ للّجنة المركزيّة للح ش ص المُنعقد بلوشان سنة 1959، تهجّم ماوو فجأةً على بانغ دوهواي وعزله من منصبه [12]. وكان على كلّ القادة الأساسيّين الذين كانوا حاضرين في الندوة أن يُبيّنوا موقفهم، والقلائل الذين تجرّؤوا على اتّخاذ موقفٍ مختلفٍ نُعِتوا كلّهم بـ “شقّ بانغ دوهواي المُعادي للحزب”. أثناء الثورة الثقافية، تعرّض الكوادر القدماء للّجنة المركزية للح ش ص إلى العقاب واحدًا تلو الآخر، ولكنهم كلّهم استسلموا دون مقاومة. من كان يجرؤ على قول كلمة ضدّ ماوو تسي تونغ ؟ لقد نادى الح ش ص دائمًا بوجوب اتّباع نظامٍ حديديّ، والولاء للحزب، ووجود قوانين تنظيميّة، مُطالبًا بطاعة مُطلقة لمن هم أعلى مرتبة في السلّم. وهذه الخاصّية الموجودة في طبيعة الحزب انطبعت بعمق في الصراعات السياسية المتواصلة.
أثناء الثورة الثقافية، أنهكوا لي ليزان- الذي كان في الماضي أحد قادة الح ش ص- وأرهقوه. مع أنه كان يبلغ من العمر 68 سنة، إلاّ أنهم استجوبوه بمعدّل سبع مرّات في الشهر، واعتُبِرت زوجته لي شا “جاسوسة سوفييتية” وقد سبق وأن أرسِلت إلى السجن، وغاب خبرها عن الجميع. تحت ضغط اليأس، لم يجد لي أمامه من خيار سوى الانتحار، مُبتلعًا كمّية كبيرة من الأقراص المنوّمة. لكن قبل موته، كتب لي ليزان رسالة لماوو تسي تونغ. هذه الرسالة تعكس حقّا “حسّ طبيعة الحزب” الذي لا يجرؤ عضو الحزب عن التخلّي عنه حتّى وهو على مشارف الموت :
“حضرة الرئيس،
أنا الآن على وشك خيانة الحزب انتحارًا ولا أملك أيّ عذر لجريمتي. أريد أن أقول فقط شيئًا : لا عائلتي ولا أنا تعاونّا مع العدوّ، لم يحصل هذا أبدًا. في هذا الصدد، ألتمس من الحكومة المركزية إجراء بحثٍ والتمعّن في المعطيات والوقائع لكي تخرج بخلاصاتٍ تنبني على الحقيقة…
لي ليزان،
22 يوليو 1967″ [13]
بينما كانت فلسفة الصراع لماوو تجرّ البلاد في النهاية إلى كارثة غير مسبوقة، كان هذا النوع من الحملات السياسية والصراعات الداخلية التي تنتشر “كلّ سبع أو ثماني سنين” يضمن بقاء الح ش ص على قيد الحياة. في كلّ حملةٍ، كان يتمّ القضاء على أقلّيةٍ من 5% والـ 95% الباقون يُقادون إلى الانضواء بإذعانٍ تحت الخط القاعديّ للحزب، وهكذا تزداد قوّة الترابط وقدرة منظّمة الح ش ص على التدمير.
هذه الصراعات قضت أيضًا على الأعضاء “المتردّدين” الذين لا يُريدون التصرّف ضدّ ضمائرهم وهاجموا كلّ القوى التي كانت تتصدّى لهم. من خلال آليّات الصراع هذه، أعضاء الح ش ص الذين كانوا يُحبّذون الصراعات أكثر من غيرهم والذين كانوا الأمهر في استخدام وسائل قطاع الطرق هذه- كانوا هم من أمسك بزمام القيادة. قادة هذه الطائفة، طائفة الح ش ص، هم أشخاص لا يخافون من شيءٍ، ومتمرّسون في الصراع، ومُصطبغون بطبيعة الحزب. صراعات قاسية كتلك كانت أيضًا تلقّن من يقوم بتجربتها “درسًا داميًا” وغسلاً دماغيّا عنيفًا. وفي نفس الوقت، ذلك يضخّ باستمرار طاقة جديدة في الح ش ص، ويقوّي أكثر رغبته في الصراع، ويُحافظ على بقاءه ويُجنّبه أن يُصبح مجموعة مُعتدلة تزهد في الصراع.
هذه الخاصّية التي يشترط الح ش ص وجودها في طبيعة الحزب يعود أصلها إلى الطبيعة الطائفيّة للح ش ص. لكي يبلغ أهدافه، يمضي الح ش ص مُصمّمًا أن يقطع مع كلّ المبادئ الموروثة وأن يستعمل كلّ الوسائل لمقاومة كلّ قوّة يمكن أن تُزعجه. لذلك عليه أن يُحوّل كلّ أعضاءه عبيدًا لكي يُصبحوا أدوات في أيدي الحزب، مُجرّدة من القلب، ظالمة، ولا دين لها. طبيعة الح ش ص هذه مُتأتّية من كُرهه للمجتمع البشريّ التقليديّ، ومن الأهمّية الوهميّة التي يراها في ذاته، واحتقاره لحياة الآخر. لبلوغ “مثله الأعلى”، استعمل الح ش ص العنف ليسحق العالم ويُصفّي المعارضين. مثل هذه الطائفة من شأنها طبعًا أن تصطدم بمعارضة أصحاب الوعي والضمير، لذلك كان عليه أن يقضي على الضمير والأفكار الخيّرة لكي يُؤمن الشعب بمذهبه الفاسد. لذلك، لكي يضمن بقاءه، عمد الح ش ص أوّلاً إلى تدمير ضمير الشعب، والأفكار الخيّرة والمقاييس الأخلاقيّة، وحوّل الناس إلى أدواتٍ وعبيدٍ طيّعين. حسب نظريّة الح ش ص، حياة الحزب ومصالحه هي فوق كلّ شيءٍ. إنها تتجاوز حتّى المصالح الجماعيّة لكلّ أعضاء الحزب، ولهذا السبب على كلّ عضو من أعضاء الحزب أن يكون على استعدادٍ للتضحية بنفسه من أجل الحزب.
عندما نتأمّل في تاريخ الح ش ص، نجد الأشخاص الذين حافظوا على طريقة تفكير المثقفين التقليديّين، مثل شان دوسيو وتشو تشيو باي، أو الذين كانوا يشغلون أنفسهم بمصالح الشعب مثل هو ياوو بانغ و جاوو تزيانغ، أو الذين قرّروا أن يبقوْا موظّفين نزهاء مثل جو رونغجي- لا يهمّ مدى أهمّية الخدمات التي أسدوْها للحزب وزُهدهم في كلّ مصلحة وطموح شخصيّ – لا يهمّ كلّ هذا – كلّهم وبدون استثناء وقعوا ضحيّة للتطهير، أو للطرد، أو لتقليص صلاحيّاتهم من طرف مصالح الحزب ونظامه.
حسّ طبيعة الحزب، أو السلوك إزاء الحزب، الذي نفذ إلى عظامهم أثناء سنوات الصراع، قادهم إلى الثورة وإلى الرضوخ في الأوقات الحسّاسة لأنه في عقلهم الباطن، بقاء الحزب كان الأولويّة الأساسيّة. كانوا يُفضّلون أن يُضحّوا بأرواحهم أو يُشاهدوا القوّة الشرّيرة وهي ترتكب جرائم داخل الحزب على أن يُعيدوا النظر في مسألة بقاء الحزب. نعم، هذا بالضبط نتيجة آليّات الصراع عند الح ش ص : الأشخاص الخيّرون يتمّ تحويلهم إلى أدواتٍ يستخدمها، وطبيعة الحزب تـُستَعمَلُ لتقزيم الضمير الإنساني إلى أقصى درجة ممكنة أو حتّى للقضاء عليه تمامًا. عشرات “صفوف القتال” التابعة للح ش ص أطاحت بأكثر من عشرات قوّادٍ رفيعي الشأن أو من كان سيخلفهم ، لم يحظ أيّ قائدٍ رفيع الشأن بنهاية سعيدة. ورغم أنّ ماوو تسي تونغ كان الملك على مدى 43 سنةً، إلاّ أنه بعد وقت قصير من موته، وُضِعت زوجته وحفيدته في السجن، وحيّا الحزب هذا الفعل واعتبره انتصارًا كبيرًا للماويّة. ما هذا ؟ مسرحيّة هزليّة أم مقلب ؟
بعد استيلاء الح ش ص على الحكم، كانت هناك حملات سياسيّة لا نهاية لها، وصراعات داخل الحزب وخارجه. هكذا كان الأمر في عهد ماوو تسي تونغ، ولا يزال الأمر هكذا أيضًا في عهد – ما بعد الماويّة، عهد “الإصلاح والانفتاح”. في السنوات 1980، وعندما بدأ الناس يتنفّسون قليلاً نسائم الحرّية ويُفكّرون بحرّية، شنّ الح ش ص حملة “الاعتراض على التحرّر البورجوازيّ” واقترح “المبادئ الأربعة الأساسيّة” [14] لكي يُحافظ على هيمنته المطلقة. في 1989، الطلبة الذين كانوا يُطالبون بالديموقراطيّة بشكل سلميّ تمّ قمعهم قمعًا دمويّا لأنّ الح ش ص لا يسمح بالتطلّعات الديموقراطية. شهدت السنوات 1990 تزايدًا سريعًا في عدد ممارسي الفالون غونغ الذين يُؤمنون بالحق، والرحمة، والتسامح، ولكنهم منذ 1999 صاروا هدفًا لاضطهادٍ يُمكن أن نصفه بإباديّ، لأنّ الح ش ص لا يُطيق الطبيعة الإنسانية والأفكار الخيّرة. عليه أن يلجأ للعنف ليدمّر الضمائر ويضمن سيادتهُ. منذ بداية القرن 21، أصبح العالم بأسره مُرتبطا بالانترنت، ولكنّ الح ش ص دفع مبالغ طائلة ليخلق حصارًا في الشبكة مُخصّصًا لاصطياد الليبراليّين الذين يتّصلون بالشبكة، لأنه يخاف أن يصل الناس بحرّية إلى المعلومة.

.IVتدهور الطائفة الشيطانية – طائفة الح ش ص
طائفة الح ش ص تحكم بالأساس منتصبةً ضدّ الطبيعة الإنسانية وضدّ المبادئ السماويّة. الح ش ص معروف بعجرفته والأهمّية التي يُسندها لنفسه، وأنانيّته وأفعاله القاسية. إنه يجلب الكوارث باستمرار على البلاد وعلى العباد، ولكنه لا يعترف أبدًا بأخطاءه ولا يُظهِرُ أبدًا للشعب طبيعته الحقيقيّة. لم يتردّد الح ش ص يومًا في تغيير شعاراته وصفاته- والذين يعتبرهم هو مجرّد أدواتٍ يُحافظ بها على سيطرته. سيفعل كلّ شيءٍ ليحافظ على سلطته، مع الاحتقار التامّ للأخلاقيّات، والعدالة، والحياة البشريّة.
مأسسة هذه الطائفة الشرّيرة وعملها سيقودانها إلى الانهيار. مركزيّة السلطة كان من عواقبها أنها أسكتت الرأي العامّ ودمّرت كلّ آليّات السيطرة، ولم تترك شيئًا يمكن أن يمنع انزلاق الح ش ص في الفساد وفي التفكّك.
اليوم أصبح الح ش ص أكبر “حزبٍ في سرقة الأموال والفساد” في العالم. حسب إحصائيّات رسميّة صينيّة، أثناء العشرين سنة الماضية، من بين عشرين مليون موظفًا، وعونًا وإطارًا من إطارات الحزب أو الحكومة، ثمانية ملايين ثبتت تهمة الفساد ضدّهم وتعرّضوا لإجراءات تأديبيّة أو عقوبات حسب ما تنصّ عليه قوانين الح ش ص أو الحكومة. أمّا إن أخذنا بعين الاعتبار الموظفين الفاسدين غير المعروفين والذين لم يُحتَسَبوا هنا، فسترتفع نسبة الموظفين الفاسدين في الحزب والحكومة إلى ما يفوق الثلثيْن، ولكنّ جزءًا صغيرًا فقط من بينهم خضع للبحث وانكشف أمره.
تحقيق أرباح ماليّة بواسطة الفساد والاختلاس أصبح أمتن رابطة تحافظ على وحدة الح ش ص اليوم. الموظفون الفاسدون يعلمون أنه بدون الح ش ص، لن تكون لهم أيّ فرصة ليجعلوا مصالحهم الشخصيّة تُثمر، وأنه إن سقط الح ش ص، لا فقط سيخسرون نفوذهم ومكانتهم، ولكن أيضًا سيتمّ البحث في شأنهم. “غضب السماء” وهي رواية تصف كواليس موظفي الح ش ص، نجد الكاتب شان فانغ يصرّح في عبارات يقولها على لسان هاوو سيانغشو، المدير المساعد لمكتب بلديّ للح ش ص- بالسرّ الأساسيّ للح ش ص :”الفساد يجعل سلطتنا السياسيّة مستقرّة”.
والشعب الصينيّ يُدرك ذلك جيّدًا :”إذا كافحنا الفساد فإنّ الحزب سيسقط، وإن لم نكافح الفساد فإنّ الأمّة ستهلك”. ولكنّ الح ش ص لن يُخاطر بحياته ويُكافح الفساد. هو فقط سيقتل بضعة أفرادٍ فاسدين في عمليّة “تضحية” رمزيّة تهدفُ لتمجيد صورته هو. وسيسمح له هذا بتمديد حياته بعض السنين الأخرى على حساب عدد صغير من الأشخاص الفاسدين يدفعون هم الثمن. اليوم، الهدف الأوحد لطائفة الح ش ص الشريرة هو الحفاظ على السلطة والإمساك بزمام الحكم دون خوف من الزوال.
في الصين، تدهورت الأخلاق إلى درجة أنها أصبحت لا تُعرفُ. المنتوجات الرديئة، المومسات، المخدّرات، التواطؤ بين موظفين وشرذمة من الصعاليك، نقابات الجريمة المنظمة، لعب القمار، الرشاوي، مختلف أشكال الفساد منتشرة انتشارًا كبيرًا. وقد تجاهل الح ش ص هذا الانحلال الأخلاقي، في الوقت الذي نجد فيه أنّ كبار المسؤولين يمنحون الحماية لناس خائفين ويبتزّون منهم المال. تساي شاوو تشينغ، وهو خبير في دراسة المافيا والمنظمات الإجرامية في جامعة نانجينغ، يُقدّر أنّ ميدان الجريمة المنظمة في الصين يعدّ على الأقلّ مليون شخص. كلّ شخصيّة نقابية يقع القبض عليها تكشف دائمًا عن وجود شيوعيّين فاسدين في الكواليس، موظفي حكومة، قضاة، أو رجال شرطة.
إنّ الح ش ص يخاف أن يكتسب الشعب شيئًا من الوعي والحسّ الأخلاقي، لذلك هو لا يجرؤ على السماح للناس بأن تكون لهم عقيدة دينية أو حرية فكرية. إنه يستعمل كلّ موارده ليضطهد ناسًا طيّبين، لديهم عقيدة، مثل المسيحيّين المتخفّين، الذين يؤمنون بيسوع وبالإله، وممارسي الفالون غونغ الذين يرنون للعيش وفق مقاييس الحق، الرحمة، التسامح. يخاف الح ش ص أن تضع الديموقراطية حدّا لحكمه – حكم الحزب الواحد، لذا هو لا يجرؤ على منح الناس حرّيات سياسية. إنه يُسارع إلى وضع الليبراليّين المستقلّين والمناضلين عن الحقوق المدنيّة في السجن، ولكنه يمنح الناس حرّيات مزيّفة.
طالما أنك لا تهتمّ بالسياسة وأنك لا تُعارض خط سير الح ش ص، فيمكنك أن تفعل ما تشاء، حتّى أشياء سيّئة ولا أخلاقيّة، والنتيجة هي أنّ الح ش ص يتدهور بطريقة مُدهشة وأخلاقيّات المجتمع الصينيّ تهوي بطريقة مفاجئة وبشدّة تدعو للقلق.
ليس أفضل من الجملة التالية تعبّر عمّا ألحقه الح ش ص من خرابٍ بالمجتمع الصيني الحالي :”سدّ المنافذ أمام باب السماء وفتح باب الجحيم.”

.IIV وقفة تأمّل في الحكم الشرّير للح ش ص
-1ما هو الحزب الشيوعي ؟
هذا السؤال الذي يبدو بسيطا في الحقيقة إجابته ليست بسيطة. بتعلّة أنه “في صفّ الشعب”، وتحت غطاء تسمية “حزب سياسي” خدع الحزب الشيوعي في الحقيقة ملايين الناس. وحتّى أنه ليس حزبًا سياسيّا بالمعنى الشائع، بل طائفة مؤذية وشرّيرة تتملّكها روح شيطانيّة شرّيرة. الحزب الشيوعي هو كيان حيّ يتجلّى في العالم من خلال تنظيمات الحزب. ما يُسيّر الحزب الشيوعي في الحقيقة هو هذه الروح الشرّيرة التي ولجت فيه منذ البداية، وهذه الروح الشرّيرة تصنع الطبيعة الشرّيرة للحزب الشيوعي.
أمّا قادة الحزب الشيوعي، فهم يتصرّفون وكأنهم “غورو” هذه الطائفة – ليسوا سوى ناطقين باسم تلك الروح الشرّيرة وباسم الحزب. عندما تتّفق رغباتهم وأهدافهم مع رغبات وأهداف الحزب يمكنه إذًا أن يستعملهم، ويتمّ اختيارهم كقادة. ولكن يوم لا يستجيبون مُجدّدًا لحاجيات الحزب، تقع الإطاحة بهم دون شفقة. آليّة الصراع الموجودة في الحزب تضمنُ أنّ أولئك الأكثر دهاءًا والأكثر شرّا والأكثر قسوةً يتشبّثون بمنصبهم : منصب غورو الحزب الشيوعي. قرابة اثنا عشر قائدًا من قوّاد الحزب الشيوعي خسر مكانته، الأمر الذي يُبرهن على صحّة هذا الأمر. في الحقيقة إنّ كبار قادة الحزب يمشون على خطّ ضيّق. فإمّا أن يُفارقوا خطّ سير الحزب ويتركوا بصمة طيّبة في التاريخ – مثل غورباتشوف، أو يكونوا ضحايا للحزب مثلما حدث لعديد وعديد الأمناء العامّين للحزب.
من يقع ضحيّة لاستعباد الحزب وقهره هو دائمًا الشعب. تحت حكم الحزب، الناس ليس لديهم الحقّ في نبذ الحزب، بالعكس هم مُرغمون على الرضا بهيمنة الحزب، بل ودعم الحزب. هم يحضرون كذلك حصصًا منتظمة للغسل الدماغيّ، تحت تهديد الح ش ص. الح ش ص يُرغم الأمّة بأكملها على الإيمان به وعلى مساندة هذه الطائفة الشرّيرة. هذا أمرٌ يندُرُ حدوثه في العالم اليوم، وعلينا أن نعترف بأنّ مهارة الح ش ص في هذا القمع لا مثيل لها.
أعضاء الحزب هم عبارة عن كتلة مادّية استُعمِلت لتحشو جسم الحزب. الكثير منهم نزهاء وطيّبون ولديهم ربّما حياة اجتماعية مكتملة وناجحة. هؤلاء هم الأشخاص الذين يحبّ الح ش ص كثيرًا أن ينتدبهم، لأنّ سمعتهم وكفاءاتهم يمكن أن يقع استعمالها في خدمة الحزب. كثير آخرون، زيادة على رغبتهم في أن يكونوا موظّفين وأن يتمتّعوا بوضعيّة اجتماعية أحسن، هم مُستعدّون للعمل بكدّ وجُهد للالتحاق بصفوف الحزب ومساعدة الكيان الشرّير. هناك أيضًا من يختار المجيء للحزب لأنهم يُريدون أن يفعلوا شيئًا ذا قيمة في حياتهم، وقد أدركوا أنه في ظلّ الهيمنة الشيوعية هذا الأمر غير ممكن، وأنهم لن يتمكّنوا من فعل ذلك إلاّ إذا انضمّوا للحزب. آخرون انضمّوا للحزب لأنهم يُريدون أن يحصلوا على شقّة أو حتّى على صورة أفضل فقط. وهكذا، ضمن عشرات الملايين من أعضاء الحزب، هناك في نفس الوقت أشخاص جيّدون وآخرون سيّئون. مهما تكن الدواعي، حينما تُقسم ولائك أمام راية الحزب، إن كان بمحض إرادتك أم لا، فهذا يعني أنك وهبت نفسك طوعًا للحزب. ستخضع إذًا لعمليّة غسل دماغيّ وذلك بالمشاركة في حلقات الدرس السياسية الأسبوعية. إثر هذه المذهبة على يد الحزب، عددٌ هامّ من الأعضاء لن يكون لهم سوى قليل من التفكير الذاتيّ-إن بقي-، وسيقعون بسهولة تحت سيطرة الشيطان الشرّير، ساكن جسم الح ش ص. هؤلاء الناس سيشتغلون داخل الحزب مثل الخلايا داخل الجسم البشري وسيعملون دون انقطاع من أجل الحزب، حتّى وإن كانوا هم أنفسهم ينتمون للشعب الذي يُعاني من عبوديّة الحزب. وحتّى أتعس من ذلك، عندما تُفرَضُ عليك هذه العبودية المُسمّاة “طبيعة الحزب”، يصير من الصعب جدّا تخليص نفسك من شباكها. حالما تُظهِرُ طبيعتك الإنسانية، تصيرُ ضحيّة للتطهير أو للاضطهاد. كما لا يُمكنك أن تنسحب من الحزب من ذات نفسك، حتّى وإن كنت تُريد ذلك، لأنّ الحزب، مع سياسته التي تقبل مطالب الدخول ولا تقبل مطالب الخروج، سيعتبرك خائنًا. لذلك كثيرًا ما نجد الناس يُمثّلون طبيعة مزدوجة : طبيعة الحزب الشيوعي في حياتهم السياسية، والطبيعة الإنسانية في حياتهم اليومية.
يُشكّل كوادر الحزب مجموعة تُحافظ على السلطة فيما بين أعضائها. رغم أنهم يستطيعون الاختيار بين الخير والشرّ واتّخاذ قراراتهم بأنفسهم في ظروف معيّنة، فإنه في أوقات معيّنة وأثناء أحداث معيّنة، في المُجمل، عليهم أن يتّبعوا مشيئة الحزب. تنصّ المفوّضيّة على مايلي :”الحزب بأكمله يُطيع اللجنة المركزية.” كوادر الحزب هم مُسيّرون على مستويات مختلفة ؛ إنهم العمود الفقريّ للحزب. هم أيضًا ليسوا سوى أدواتٍ بين يدي الحزب. هم أيضًا وقع خداعهم، واستعمالهم، واضطهادهم أثناء الحملات السياسية الماضية. المقياس المُبطّن للح ش ص هو اختبارك لرؤية ما إذا كنتَ تتّبع “الغورو” المُناسب وما إذا كنتَ صادقًا في ولائك.

-2لماذا يظلّ الناس على جهلهم ؟
لقد تصرّف الح ش ص بطريقة خبيثة وشرّيرة طيلة حكمه للصين على مدى أكثر من 50 سنة. ولكن لِمَ ليس للشعب الصينيّ فهمٌ واقعيّ لطبيعة الح ش ص ؟ ألأنّ الصينيّين حمقى ؟ لا. الصينيّون أمّة من أكثر الأمم حكمة على الأرض، أمّة بإمكانها أن تفخر بتراثها الثقافي والغني وبإرثٍ يمتدّ على أكثر من 5.000 سنة. ورغم ذلك لا يزال الشعب الصينيّ يعيش تحت نير الح ش ص، وفكرة التعبير عن عدم رضاه تُفزعه كثيرًا. السرّ يكمن في السيطرة على النفوس، هذه السيطرة التي يُمارسها الح ش ص.
لو كان الشعب الصينيّ يتمتّع بحرّية التعبير ويستطيع أن يُناقش بصوتٍ عالٍ مزايا الح ش ص وعيوبه، لنا أن نعتقد أنه كان سيُدرك منذ وقت طويل الطبيعة الشرّيرة للح ش ص وكان سيُحرّر نفسه بنفسه من هذه الطائفة الشرّيرة. لسوء الحظّ، لقد فقد الشعب الصينيّ حرّية التعبير والتفكير منذ نصف قرنٍ مضى، مع قدوم هيمنة الح ش ص. الغاية الكامنة وراء اضطهاد اليمينيّين ضمن المثقفين في 1957 كانت الحدّ من حرّية التعبير والسيطرة على روح الجماهير. في مجتمع يفتقر إلى ذلك الحدّ للحرّيات الأساسيّة، معظم الشباب الذين انكبّوا على دراسة ماركس و انغلس بكلّ إخلاص أثناء الثورة الثقافية، تمّ فيما بعد – ويا لسخريّة القدر- نعتهم بـ :”عُصبة مُعادية للحزب” ثمّ فيما بعد تمّ اضطهادهم. ولكنّ الحديث عمّا ارتكبه الح ش ص من خطإٍ ومن صوابٍ كان – بكلّ بساطةٍ- أمرًا غير ممكنٍ.
عددٌ قليلٌ من الصينيّين حقّا سيتجرّؤون حتّى على التفكير في دواخلهم أنّ الح ش ص طائفة شرّيرة. ومع ذلك كلّ من عاش في الصين لن يعدم أدلّة وبراهين على صحّة هذا الاعتقاد سواءًا من خلال تجاربه الشخصية أو تجارب أصدقائه وأسرته.
لقد حُرم الشعب الصيني لا فقط من حرّية التفكير، ولكن وقعت أيضًا مذهبته بواسطة تعاليم الحزب وثقافة الحزب. وهكذا فإنّ الناس لم يكونوا يسمعون سوى عبارات الثناء والإطراء على الحزب، وقد أفقِرت أرواحهم إلى درجة أنه لم يعد لديهم من تفكير سوى تقوية الح ش ص. خُذوا مثلاً مجزرة ساحة تيانانمن. عندما دوّت الطلقات النارية في 4 يونيو 1989، هرول كثير من الناس بطريقة غريزيّة للاختباء داخل الأجمات. ولكن بعد لحظاتٍ من ذلك، خرجوا من جديدٍ بكلّ شجاعة، رغم المخاطر، مُنشدين “النشيد الأمميّ” بصوتٍ واحدٍ. هؤلاء الصينيّون كانوا حقّا شُجعانًا، وبريئين، وجديرين بالاحترام، ولِمَ كانوا يُنشدون “النشيد الأمميّ”- النشيد الوطنيّ الشيوعيّ في الوقت الذي كانوا يُواجهون فيه التقتيل الشيوعيّ ؟ السّبب بسيط. هؤلاء الناس المساكين ترعرعوا وسط ثقافة الحزب، وكلّ ما كانوا يعرفونه هو الشيوعيّة. ضحايا ساحة تيانانمن لم يكونوا يعرفون سوى “النشيد الأمميّ”، وبعض الأناشيد الأخرى التي تتغنّى بمحاسن الحزب.

-3كيف الخلاص ؟
لقد اقترب الح ش ص من الهلاك. ولكن للأسف، قبل زواله تمامًا، يحاول دائمًا أن يربط مصيره بمصير الأمّة الصينية.
الح ش ص يحتضر، وهو يضعفُ تدريجيّا، وهيمنته على النفوس آخذة في التلاشي. مع زحف وسائل الاتّصال والانترنت، يجد الح ش ص صعوبة في السيطرة على مرور المعلومة وقمع التعبير. في الوقت الذي يواصل فيه الموظفون الفاسدون نهبهم وقهرهم للشعب، بدأ عامّة الناس يستفيقون ويتخلّصون من الأوهام التي يُعلّقونها على الح ش ص، وكثير منهم بدؤوا يُمارسون العصيان المدنيّ. باضطهاده للفالون غونغ، لا فقط فشل الح ش ص في تحقيق هدفه المتمثل في تدعيم هيمنته الإيديولوجية، ولكنه حطّ من مكانته ومن هيبته، إذ أماط اللثام عن قسوته المطلقة. هذا الظرف كان فرصة مناسبة للناس ليُعيدوا النظر في الح ش ص، ويُمهّدوا الطريق أمام الأمّة الصينية لتُحرّر نفسها من الاستعباد الإيديولوجي وتقطع نهائيّا مع سيطرة شيطان الشيوعية الشرّيرة.
لقد عاش الشعب الصيني تحت الحكم الشرّير للح ش ص لمدّة تربو على الـ 50 سنة، لذلك هو ليس في حاجة إلى ثورة عنيفة، هو بالأحرى في حاجة إلى تخليص روحه. يُمكن تحقيق هذه الغاية عندما يُساعد الشخص نفسه بنفسه، والخطوة الأولى في مسار تحقيق هذه الغاية هي الوعي بالطبيعة الشرّيرة للح ش ص.
سيأتي اليوم الذي فيه سيتسنّى للناس أن يحُلّوا وثاقهم من منظمات الحزب المرتبطة بأجهزة الدولة، ممّا سيُخوّل للنظام الاجتماعي أن يشتغل بصفة فرديّة مستقلّة، تُسنده فقط القوى الأساسية للمجتمع. مع زوال المنظّمة الديكتاتورية للحزب، ستتحسّن نجاعة الحكومة وستتقوّى. وهذا اليوم قريبٌ جدّا. في الحقيقة، منذ السنوات 1980، بدأ مُصلحو الحزب يدعون إلى فكرة “فصل الحزب عن الحكومة” في محاولة منهم لإقصاء الحزب عن الحكومة. ولكن اتّضح أنّ جهود الإصلاح المُنبثقة من داخل الح ش ص غير كافية وغير مُثمرة، لأنّ إيديولوجيّة “الهيمنة المطلقة للحزب” لم يقع التخلّي عنها تمامًا.
ثقافة الحزب هي المحيط اللازم لبقاء الطائفة الشيوعية الشريرة على قيد الحياة. القضاء على تملّك الح ش ص لأرواح الناس قد يكون أصعب من التخلّص من هيمنته عل إدارات الدولة، ولكنّ تطهيرًا كهذا هو الوسيلة الوحيدة لاقتلاع الشرّ الشيوعي من جذوره. هذا لا يُمكن تحقيقه إلاّ بواسطة جهود الشعب الصينيّ نفسه. عندما تُصبح النفوس مستقيمة وتعود الطبيعة الإنسانية إلى أصلها، سيستعيد أخلاقيّاته وسينجح في العبور نحو مجتمع لا شيوعيّ مُحترمٍ. الدّواء ضدّ هذا التملّك الشيطاني هو إدراك طبيعة الشيطان الشرّير – وقدرته على الإيذاء، واجتثاثه من نفوس الناس، والتخلّص منه بطريقة لا تترك له مكانًا يختبئ فيه. الحزب الشيوعي يضع الثقل على التحكم الإيديولوجي لأنه ليس سوى إيديولوجية. هذه الإيديولوجية ستتلاشى عندما سيلفظ كل الصينيين الأكذوبة الشيوعية خارج صدورهم، وعندما سيقضون بطريقة فعّالة على ثقافة الحزب، وينبذون تأثير الطائفة الشيوعية من طريقة تفكيرهم ومن حياتهم. حين يُخلّص الناس أنفسهم بأنفسهم، سيتلاشى الح ش ص ويختفي.
الأمم التي يحكمها الشيوعيون مرتبطة دائمًا بالبؤس، والشمولية والاضطهاد. لم يبق اليوم سوى أممٍ قليلة جدّا من هذا النوع، منها الصين، والفياتنام، وكوريا الشمالية، وكوبا. وأيّامها معدودة.
مع ذخر الحكمة الصينية، وتاريخ الصين المجيد، ستكون الصين المتحرّرة من التملّك الشرّير للشيوعية أمّة واعدة.
خاتمة
الح ش ص لم يعد يؤمن بالشيوعية. لقد ماتت روحه، ولكن ظلّه بقي قائمًا. إنه لم يرث سوى “جلد” الشيوعية، ولكنه يُترجم عن طبيعة طائفة شرّيرة : العجرفة، الغرور، الأنانية، والميل إلى سلطة مدمّرة اعتباطيّة. لقد ورث الح ش ص عن الشيوعية إنكار شرع السماء ورفضه للطبيعة الإنسانية مازال على حاله كذلك.
يُواصل الح ش ص اليوم حكم الصين باستعمال وسائل الصراع التي خبرها على مدى السنين، وباستعمال شبكة مُحكمة ومُتداخلة من المنظمات، مقرونة بهيمنة “تملّك الحزب” وبدعاية خبيثة تقوم مقام “ديانة حكوميّة”. الخاصّيات الستّة للحزب الشيوعي المُبيّنة أعلاه تجعل من الح ش ص يستجيب بدقّة لتعريف “طائفة شرّيرة” ؛ إنه لا يجترح الخير، فقط الشرّ.
بما أنها تقترب من نهايتها فإنّ هذه الطائفة الشيوعية تحثّ الخطى نحو الفساد والتدهور. الأمر الذي يدعو للقلق هو أنها تفعل ما تستطيع فعله بعنادٍ وإصرارٍ لتجرّ معها الأمّة الصينية إلى هوّة الفساد والتدهور.
على الصينيّين أن يُمسكوا بأيديهم زمام قدرهم ؛ عليهم أن يُفكّروا مليّا، وعليهم أن يتخلّصوا من الح ش ص.

ملاحظات :
1ـ “مات الفهد ولكنّ جلده بقي” مأخوذة من كتاب نبوءات صينيّ قديم، قصيدة زهرة البرقوق، لمؤلّف الكتاب شاوو يونغ (1011-1077). يرمز الفهد لرقعة الاتّحاد السوفياتي السابق، التي تُشبه بالفعل شبح فهدٍ يجري. مع انهيار ما كان يُمثّل الاتّحاد السوفياتي، تبدّد جوهر النظام الشيوعي، ولم يترك سوى “الجلد” (الشكل) وهو ما ورثه الحزب الشيوعي الصيني.
2ـ دستور الجمهوريّة الشعبية الصينية (ترجمة رسمية 1999).
3ـ أحداث “الكتلة أب” ترمز لعمليّة “كتلة أعداء البولشيفيّة” في السنوات 1930، عندما أمر ماوو بتقتيل الآلاف من عناصر الحزب، ومن جنود الحرس الأحمر، ومن المدنيّين الأبرياء في مقاطعة جيانغسي بهدف تقوية سلطته في المناطق الخاضعة لنفوذ الح ش ص.
4- مأخوذ من “تقرير عن حركة قرويّي هونان” بقلم ماوو سنة 1927.
5- جبل تايي (تايشان) هو الأوّل ضمن الجبال الخمسة الشهيرة في مقاطعة شاندونغ في الصين. وهو مُسجّل لدى الأمم المُتّحدة كجزءٍ من التراث العالميّ.
6- حركة إغلاق الأراضي تُبرز الجانب المظلم من الإصلاحات الاقتصادية الصينية. مثلما حدث في الثورة الصناعية الانكليزية (1750-1850)، فإنّ الأراضي الفلاحية في الصين اليوم تمّ تحديدها لإنشاء مختلف المناطق الاقتصادية على كلّ المستويات في البلاد (إقليم، مدينة، مقاطعة، ودولة). بسبب إغلاق الأراضي، فقد الفلاّحون الصينيون أراضيهم. في المدن، أُجبِرَ سكّان الأحياء والأقاليم القديمة نسبيّا-أجبِروا مرارًا على تغيير محلّ سكناهم مع تعويضات دنيا، ليتركوا المكان للتطوّرالتجاريّ. لمزيد المعلومات، الرجاء زيارة :
http://www.uglychinese.org/enclosure.htm
7- لين جاوو، طالبة في جامعة بيكين، تخصّصت في العمل الصحفيّ، تمّ طردها على أساس أنها يمينيّة سنة 1957- بسبب تفكيرها المستقلّ وانتقادها الصريح للحركة الشيوعية. اتّهِمت بالتؤامر للإطاحة بالديكتاتورية الديموقراطية الشعبية، وتمّ إيقافها سنة 1960. في 1962، حُكِم عليها بـ 20 سنة سجنًا. وتمّ إعدامها في 29 أبريل 1968 بصفتها عدوّة للثورة.
جانغ جيسين كانت مثقّفة عذبها الح ش ص إلى حدّ الموت أثناء الثورة الثقافية الكبرى لأنها انتقدت فشل ماوو في القفزة الكبرى إلى الأمام وقالت الحقيقة بصراحة. نزع حرّاس السجن مرّات عديدة عنها ملابسها وأوثقوا يديها إلى ظهرها، ورموْها في زنزانة الذكور حيث اغتصبها المساجين بطريقة جماعيّة إلى أن جُنّت. وخشيت إدارة السجن أنها، قبل لحظة إعدامها، ستصرخ بشعارات معارضة، فقطعوا حنجرتها قبيْل إعدامها.
8- “ثورة فبراير” ترمز للبورجوازيّين الروس، الذين استولوْا على عرش التزار/القيصر فيى فبراير 1917.
9- ثورة أكتوبر، والمعروفة أيضًا بالثورة البولشيفيّة، قادها لينين في أكتوبر سنة 1917. قتّلت هذه الثورة ثوريّي الطبقة الرأسماليّة الذين كانوا قد أطاحوا بالقيصر، وهكذا فقد كتمت أنفاس الثورة البورجوازية الروسية.
10- “حادثة ماري” و “مجزرة 12 أبريل” يرمز كلاهما إلى هجومات الكوومينتانغ ضدّ الح ش ص. جرت “حادثة ماري” في 21 مايو 1927 في مدينة شانغشا من مقاطعة هونان. أمّا “مجزرة 12 أبريل” فقد وقعت في 12 أبريل 1927 بشانغهاي. في الحالتيْن، هوجم أعضاء وأنصار الح ش ص، واعتقِلوا وقتِلوا.
11- ليو دي هو ضابط سياسيّ تابع للحرس الأحمر عدد 20، وقد اتّهِمَ بأنه من أعضاء “الكتلة أب”. وقد قاد ثورة في فوتيان من مقاطعة جيانغسي، متّهمًا لي شاوو جيو بأنه ضدّ الثورة. وقد بسط الجماعة نفوذهم على مدينة فوتيان، وأطلقوا سراح أكثر من 100 شخص ممّن اعتُقِلوا بدعوى أنهم “كتلة أب”، وهتفوا مردّدين شعاراتٍ من قبيل “فليسقط ماوو تسي تونغ”.
12- بانغ دوهواي (1898-1974) : ماريشال شيوعيّ صيني وقائد سياسيّ. كان بانغ القائد الأعلى أثناء حرب كوريا، ونائب الوزير الأوّل لمجلس شؤون الدولة، وعضوًا في المكتب السياسيّ، ووزيرًا للدفاع من 1954 إلى 1959. أقيل من مهامّه الرسميّة بعد أن عبّر عن معارضته للمقاربات اليساريّة لماوو أثناء الجلسة المكتملة للح ش ص في 1959 بلوشان.
13- مأخوذ من “لي ليزان : الشخص الذي أقيمت من أجله أربع حفلات وفاء للذكرى”.
14- المبادئ الأربع هي : الطريق الاشتراكية، ديكتاتورية البروليتاريا، هيمنة الح ش ص، الفكر الماركسي-اللينينيّ وفكر ماوو تسي تونغ.

جميـع الحقوق محفوظة للناشر – صحيفة الإيبوك تايمز

المقالة التاسعة : الطبيعة عديمة الضمير للحزب الشيوعي الصيني

توطئة

لأكثر من قرن، ملأت الحركة الشيوعية الدنيا صخبًا، ولكنها لم تجلب للإنسانية سوى الحروب، والبؤس، والعنف، والديكتاتورية. مع نهاية القرن الماضي، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي والأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية، دخلت هذه الميلودراما الكارثية وعديمة المعنى أخيرًا في مرحلتها النهائية. لم يعد أيّ مواطن- بدءًا من الإنسان العاديّ إلى الأمين العامّ للحزب الشيوعي- يُؤمن بأسطورة الشيوعية.
لم ينشأ النظام الشيوعي عن “حكم بالحقّ الإلهي” ولا عن انتخابات ديموقراطية. اليوم، بما أنّ إيديولوجيته قد انهارت، فإنّ شرعيّة حكمه تواجه تحدّيًا لا مثيل له.
الحزب الشيوعي الصيني لا يُريد مفارقة مسرح الأحداث ولا يُريد اتّباع سيرورة التاريخ. بل بالعكس هو يلجأ للوسائل العنيفة التي أرساها طيلة عشرات السنين من الحملات السياسية، ليشنّ من جديد صراعًا هائجًا، باحثًا عن الشرعيّة، ونافثًا نفَسًا جديدًا في حكم قد أشرف على الموت. سياسات الإصلاح والانفتاح التي انتهجها الح ش ص تُخفي نيّته اليائسة في الحفاظ على اهتمام الناس وعلى سلطته الشمولية. رغم سياسات التقشّف فإنّ النجاحات الاقتصادية، والتي هي ثمرة عمل الشعب الصيني طيلة العشرين سنة المنصرمة، لم تقنع الح ش ص بوضع سكّين الجزار جانبًا.
عوضًا عن هذا، هو يُسند هذه النجاحات لنفسه ليُثبّت سيادته، إنّ تصرّفه المجرّد من كلّ مبادئ يصير مراوغًا أكثر فأكثر وكاذبًا أكثر فأكثر. وأكثر شيء مفزع هو أنه يفعل كلّ شيء لتقويض الأسس الأخلاقية للأمّة، محاولاً أن يُحوّل كلّ صينيّ إلى شخص استغلاليّ بالقوّة وذلك ليخلق محيطا ملائمًا له و”يستمرّ في السير عكس الزمن”.
في اللحظة التاريخية الراهنة، من الهامّ جدّا أن نفهم بوضوح لِمَ يتصرّف الح ش ص كمجموعة من السفلة وأن نفضح طبيعته الشريرة لكي تتمكّن الأمّة الصينية من الوصول الى استقرار وسلم دائمين، والدخول في أقصر وقت ممكن إلى حقبة لا مكان فيها للح ش ص وإعادة بناء المجد القوميّ.

.Iالطبع عديم الذمّة للح ش ص لم يتغيّر أبدًا
لأجل من قام الح ش ص بالإصلاح ؟
على مدى التاريخ، كلّما واجه الح ش ص أزمات، أبدى بعض النيّة في التحسّن، جاعلاً الناس يتعلّقون من جديد بالوهم، وهم الح ش ص. وما حصل هو أنّ هذه الأوهام تبدّدت بدون استثناء، الواحد تلو الآخر. اليوم يسعى الح ش ص إلى تحقيق أرباح على المدى القصير، وهذا التصرّف يُعطي انطباعًا بالرخاء الاقتصادي ويُقنع الناس مرّة أخرى بتصديق أوهام الح ش ص. ومع ذلك فإنّ التضارب بين المصالح الأساسية للح ش ص والمصالح الأساسية للأمّة سينجرّ عنه أن هذا الرخاء المزيّف لن يدوم. إنّ “الإصلاح” الذي تعهّد به الح ش ص وراءه غاية : تمديد حكمه. إنه إصلاح أعرج وتغيير في المظاهر لا في الجوهر. إنّ النموّ غير المتوازن يُخفي أزمة اجتماعيّة كبيرة. عندما ستنفجر هذه الأزمة فإنّ الأمّة والشعب سيتعذبان من جديد.
مع تغيير الحكومة، نجد أنّ الجيل الجديد من قادة الح ش ص لم يشارك في الثورة الشيوعية، لذا فليس لهذا الجيل الجديد مقدار كاف من الهيبة والمصداقية ليسيّر الأمّة. الح ش ص يواجه أزمة شرعيّة، وفي هذه الأزمة يُضحي الدفاع عن مصالح الحزب الضمان الأساسي للحفاظ على المصالح الشخصية لكلّ فرد داخل الح ش ص. طبيعة الح ش ص طبيعة أنانيّة، ولا حدود لهذه الأنانيّة. واهمٌ من يظنّ أنّ حزبًا كهذا يمكن أن يُسخّر نفسه لتنمية البلاد بشكل سلميّ.
فلنأخذ ما تقوله صحيفة “البيبلز دايلي”، لسان الح ش ص، في مقالها الذي يتصدّر الصفحة الأولى من عدد 12 يوليو 2004 :”إنّ جدليّات التاريخ قد لقنت أعضاء الح ش ص الدرس التالي : الأشياء التي ينبغي أن تتغيّر عليها أن تتغيّر، وإلاّ فإنّ ما سيعقبُ ذلك هو التدهور والانحلال، والأشياء التي ينبغي ألاّ تتغيّر عليها ألاّ تتغيّر، وإلاّ فإنّ ذلك سيقود إلى الانتحار”.
ما الذي لا يجب أن يتغيّر ؟ تفسّر صحيفة البيبلز دايلي :”الخط القاعدي للحزب، “مركز ونقطتا ارتكاز”، يجب أن يبقى راسخًا بثبات لمدّة قرن دون أيّ اهتزاز”.
الناس لا يفهمون بالضرورة ماذا يعني “المركز” وماذا تعني “نقطتا الارتكاز”، ولكن الجميع يعلم أن ما لا يتغيّر أبدًا هو العزم المحموم للحزب الشيوعي على الحفاظ على مصلحته الجماعية وعلى ديكتاتوريّته. لقد هُزمت الشيوعية في مجملها وهي سائرة رويدًا رويدًا نحو لفظ أنفاسها الأخيرة، لا محيد عن هذا القدر. ولكن من جهة أخرى كلّما اقترب الشيء من الموت كلّما كان نزاعه الأخير مُدمّرًا. لذا عندما نتحدّث عن تحسّنات ديموقراطية مع الحزب الشيوعي، فكما لو كنّا نطالب نمرًا بتغيير جلده.

ماذا ستفعل الصين بدون الحزب الشيوعيّ ؟
كلّما اتّجه الح ش ص إلى التدهور أكثر، كلّما اكتشف الناس بطريقة لا مُتوقعة أنه مدّة عشرات السنين قد نفث شبح الح ش ص الشرّير، بطرقه الغادرة والمتبدّلة دومًا، العناصر المؤذية في كلّ جوانب حياة المواطنين الصينيين.
عند موت ماوو تسي تونغ بكى الكثير والكثير من الصينيين بمرارة أمام صورة ماوو وهم يتساءلون :”ماذا ستصبح الصين بدون الرئيس ماوو ؟” ومن سخريّة القدر، عشرون سنة بعد ذلك التاريخ، وفي الوقت الذي يتساءل فيه العالم عن الشرعيّة السياسية للحزب الشيوعي، هاهو الح ش ص يُطلق حملة دعائيّة جديدة، دافعًا الناس إلى طرح التساؤل مرّة أخرى :”ماذا ستصبح الصين بدون الحزب الشيوعي ؟”
في الحقيقة، السيطرة السياسية المهيمنة للح ش ص قد طبعت الثقافة الصينية المُعاصرة بالحديد الأحمر إلى درجة أنه حتّى المقاييس التي يُقيّم بها الصينيون الح ش ص والحالة الذهنية والنفسية للصينيين آتية من الح ش ص نفسه. إن كان الح ش ص يُهيمن على الناس نتيجة لما حقن فيهم من عناصر ضارّة، فهو اليوم يجني ما زرعه، لأنّ كلّ تلك الأشياء التي بثّها في نفوس الناس قد هُضمت وامتصّتها كلّ خليّة من خلاياهم. الناس يُفكّرون بمنطق الح ش ص، ويضعون أنفسهم مكان الح ش ص ليُميّزوا بين الصواب والخطأ. بالنسبة لمجزرة الطلبة المتظاهرين في 4 يونيو 1989، بعضهم قالوا :”إذا كنتُ مكان دانغ سياوبينغ، كنتُ أنا أيضًا سأقمع المظاهرات بالدبّابات.” بالنسبة لاضطهاد الفالون غونغ، بعضهم يقولون :”لو كنتُ مكان جيانغ زمين، كنتُ أيضًا سأقضي على الفالون غونغ.” بالنسبة لمنع حرّية التعبير بعض الأشخاص يقولون :”لو كنتُ مكان الح ش ص، كنتُ سأتصرّف بنفس الطريقة.” لقد تلاشى الحقّ وتلاشى الضمير، تاركيْن المجال لمنطق الح ش ص فحسبُ. هذه هي عاقبة الطرق الشريرة وشديدة العنف التي طبّقها الح ش ص. طالما استمرّ في نفث أخلاقيّاته المسمومة في نفوس الناس، فسيكون قادرًا على شحن الطاقة اللازمة لبقاءه على قيد الحياة.
“ماذا ستفعل الصين بدون الح ش ص ؟” أسلوب التفكير هذا يبقى منحصرًا بالضبط في الإطار الذي يُريده الح ش ص، يُفكّر الناس مُستعملين منطقه هو.
لقد عبرت الصين 5.000 سنة من التاريخ دون الح ش ص. ليس هناك بلد واحد في العالم يُوقف تقدّمه الاجتماعيّ بسبب سقوط نظام مهما كان. ورغم ذلك، إثر مرور عشرات السنين تحت نير الح ش ص، لم يعد الناس قادرين على إدراك هذا بوضوح. الدعاية التي ملأ بها الح ش ص أسماع الناس أوصلت الناس إلى درجة أنهم يعتبرون الح ش ص الأمّ التي ولدتهم. سياسة الح ش ص المهيمنة والحاضرة في كلّ جوانب الحياة جعلت من الناس لا يستطيعون تصوّر حياتهم بدون الح ش ص. بدون ماوو لم تغرق الصين، فهل ستغرق يا ترى بدون الح ش ص ؟

ما هو السبب الأصلي للاضطراب ؟
الكثير من الناس يعرفون السلوك الماكيافلّي للح ش ص ولا يستحسنونه، وقد ملّوا صراعاته وأكاذيبه. ولكنهم يخافون من حركاته السياسية ومن الاضطراب الذي ينتج عنها، ويخشون أن تسود الفوضى الصين من جديد. لذلك عندما يُهدّد الح ش ص الناس بوقوع اضطرابات، يُذعنون في صمتٍ لنفوذه، شاعرين بالعجز أمام استبداده.
في الحقيقة أصل الاضطراب هو الح ش ص نفسه، بفرقه التي يبلغ عددها الملايين وبوليسه المسلّح. المواطنون العاديّون ليست لديهم أيّ مصلحة في اختلاق الاضطرابات، ولا هم يملكون الوسائل والإمكانيّات أيضًا. فقط الح ش ص الذي يوشك أن ينهار يملك من الجنون ما يجعله يقود البلاد إلى الاضطراب. “الاستقرار يعلو على كلّ شيءٍ” و “قتل عناصر عدم الاستقرار وهي في البيضة” هي شعارات أضحت القاعدة النظريّة للح ش ص لقمع الناس. من هو المسؤول الأكبر عن عدم الاستقرار الذي يسود الصين ؟ أليس هو الح ش ص الذي تضلّع في الطغيان وبرع فيه ؟ الح ش ص يُرسي الاضطراب، ثمّ في المقابل يستعمل الفوضى ليُبقي الناس تحت مخالبه. هذا التصرّف يشترك فيه كلّ المجرمين.

II. الح ش ص يُضحّي بالنمو الاقتصادي

1- يبني الح ش ص مصداقيّته على عمل الآخرين وجهودهم
الح ش ص يُطالب بالشرعية ويدّعي أنه يستحقّها، ذريعته في ذلك هو التطور الاقتصادي الذي تحقّق خلال العشرين سنة الماضية. ولكن في الحقيقة الشعب الصيني هو الذي حقّق تدريجيّا هذا التطوّر عندما انفكّت منجلة الح ش ص عنه قليلاً، إذًا هذا لا علاقة له بفضل الح ش ص. ورغم ذلك أشرع الح ش ص هذا التطوّر الاقتصادي على أنه إنجازه هو- إنجازه الناجح، مطالبًا الناس بالاعتراف بالجميل. ما يتطلّع إليه هو أن يعتقد الناس أنه لم يكن لأيّ من هذه التطورات الاقتصادية أن تقع لولاه هو. نحن نعلم جيّدًا أنّ بلدانًا غير شيوعيّة بلغت نموّا اقتصاديّا أسرع من ذاك بوقت طويل.
عندما يربح الرياضيّون ميداليّات أولمبية ذهبية، عليهم أن يشكروا الح ش ص. لم يتردّد الح ش ص في استعمال هذه الصورة المفبركة، صورة “أمّة تحبّ الرياضة وتبجّلها” لكي يمدح نفسه. لقد تعذبت الصين بشدّة من وباء السراس ولكن البيبلز دايلي أوردت في تقاريرها عدّة مرات أن الصين تغلّبت على الفايروس “بفضل اتّباعها لنظريّة الحزب، وخط سيره، ومبادئه، وتجربته”. إنّ الأخصّائيّين في علم الفضاء والتكنولوجيا هم من أطلقوا المركبة الفضائية “شانجو-V” – ولكن الح ش ص استعمل هذا الحدث ليبيّن أنّ الح ش ص هو الوحيد القادر على رفع الصينيين إلى مصاف القوى العالمية الكبرى. بينما حيازة الصين على حقّ تنظيم الألعاب الأولمبية في 2008، ما كان ذلك في الحقيقة إلاّ “غصن زيتون” وضعته الدول الغربية في يد الصين لتشجّعها على احترام حقوق الإنسان. وقد استعمل الح ش ص هذا الأمر لكي يُصعّد من مطالبته بالشرعية واستعمله كتعلّة لقمع الشعب الصيني. المستثمرون الأجانب يسعون وراء “السوق الافتراضية الصينية الكبرى”، وهذا عائد إلى القدرة الاستهلاكية للشعب الصيني –الذي يعدّ 1.3 مليار نسمة. أمّا الح ش ص فقد أدار دفّة الأمور لصالحه وحوّل هذه الخاصّية إلى سلاح يُخضِعُ به الدول الغربية ويُجبرها على التعاون معه وفق قواعد يُسطّرها هو.
الح ش ص يُرجِعُ كلّ ما هو سيّء للقوى الرجعيّة وللغايات السرّية لبعض الأشخاص ويُرجِعُ كلّ ما هو إيجابيّ لكفاءة مسيّري الحزب. سوف يستعمل الح ش ص أقلّ نجاح ولو كان ضئيلاً ليزيّن به ادّعاءه للشرعية. الحزب قادر حتّى على استعمال الأخطاء التي ارتكبها وإعادة توظيفها لصالحه ولخدمة أهدافه. مثلا عندما لم يعد الح ش ص قادرًا على حجب الحقيقة بشأن وباء السيدا، خلق لنفسه فجأة هويّة جديدة، لقد عبّأ بعناية آلة الدعاية عنده، مستعملأً كلّ الناس- من الممثّلين المعروفين إلى الأمين العامّ للحزب- ليُقنعوا الرأي العامّ بأنّ الح ش ص – والذي هو المسؤول الأساسي عمّا يحدث – يُحسن للمرضى ويرعاهم، وأنه عدوّ للسيدا ومكافح للمرض. في مواجهة هذه المسألة، والتي هي مسألة حياة أو موت، لم يجد الح ش ص أفضل من استغلال الوضعيّة لتمجيد صورته من جديدٍ. فقط استغلاليّون بحجم فساد الح ش ص قادرون على إتيان تصرّفات عديمة الرحمة ومتهوّرة مثل هذه، وعلى استغلال كلّ شيء وتوظيفه لمصلحتهم متجاهلين الحياة البشرية كلّ التجاهل.

2- المساوئ الاقتصادية الناتجة عن رؤية على المدى القصير
عندما واجه الح ش ص بجدّية “أزمة شرعيّة”، قاد سياسات إصلاح وانفتاح في السنوات 1980، بهدف البقاء في السلطة. نهمه في تحقيق نجاحات سريعة وضع الصين في وضعيّة غير جيّدة يُسمّيها خبراء الاقتصاد بـ :”لعنة المتأخّر”.
مفاهيم “لعنة المتأخّر” أو “صفة المتأخّر” مثلما يسمّيها مثقّفون آخرون، تعني أنّ البلدان السائرة في طريق النموّ، والتي بدأت تطوّرها بصفة متأخّرة، يُمكن لها أن تقلّد البلدان المتقدّمة في كثير من الجوانب. هذا التقليد يُمكن أن يتّخذ شكليْن : تقليد النظام الاجتماعي أو تقليد الأنماط التكنولوجية والصناعية. تقليد نظام اجتماعي هو في العادة أمر صعب، لأنّ إصلاح هذا النظام يضع في خطر المصالح التي اكتسبتها بعض المجموعات الاجتماعية أو السياسية. لذلك فإنّ البلدان التي هي في طريق النمو تتّجه في غالب الأحيان نحو التقليد التكنولوجي، وهذا الأخير يُمكن أن يُنتج نموّا اقتصاديّا على المدى القصير، ولكن يُمكن أن ينتج عنه أيضًا كثير من الأخطار الخفيّة أو حتّى فشلٌ على المدى البعيد.
هذه هي “لعنة المتأخّر”، أو طريق الفشل، التي اتّبعها الح ش ص. أثناء العشريّتين الأخيرتين، قاد “التقليد التكنولوجي” الصين إلى بعض النجاحات، والتي استفاد منها الح ش ص ليُبرّر شرعيّته ويستمرّ في استبعاد إصلاحات اقتصاديّة من شأنها أن تُزعزع مصالحه الخاصّة. وهكذا وقعت التضحية بمصالح الأمّة على المدى البعيد.

التطوّر الاقتصادي للح ش ص باهظ الثمن
إن كان الح ش ص يفتخرُ دومًا بتقدّمه الاقتصادي، ففي الحقيقة الاقتصاد الحاليّ للصين يقع في الترتيب العالمي في مرتبة أقلّ من التي كان فيها في عهد تشيانلونغ (1711-1799) أثناء حكم التشينغ. أثناء فترة التشيانلونغ، كان الناتج القوميّ الخامّ للصين يرتفع إلى 51% من الناتج الإجمالي العالمي. في السنوات الأولى التي تلت تأسيس الجمهورية الصينية (الكوومينتانغ) من طرف سون يات سن في 1911، كان الناتج القومي الخام للصين يصل إلى 27% من الإجمالي العالمي. في 1923، نزلت النسبة المائوية، ولكنها ظلّت فوق 12%. في 1949، عندما أخذ الح ش ص السلطة، كانت النسبة 5.7%، ولكن في 2003، لم يعد الناتج القومي الخام للصين يتجاوز الـ 4% من الإجمالي العالمي. على عكس التراجع الاقتصادي الذي أتى في فترة الكوومينتانغ- والذي هو عائدٌ إلى عدّة عقود من الحرب- فإنّ التراجع الاقتصادي المستمرّ أثناء حكم الح ش ص أتى في فترة سلمٍ.
ابتداءًا من السنوات 1980 وصولاً إلى نهاية السنوات 1990، زادت رقعة التصحّر في الصين من 1.000 كلم مربع إلى 2.460 كلم مربع. أمّا مساحة الأراضي الصالحة للزراعة للشخص الواحد فقد هوت أيضًا من 2 مو في 1983 إلى 1.43 مو في 2003. الموجة الكبرى لتسييج الملكيّات من أجل التطوير أفقدت الصين 100 مليون مو من الأراضي الصالحة للزراعة في ظرف بضعة سنين فقط. ومع هذا، لم يقع استعمال سوى43% من الأٍاضي المُصادرَة. حاليّا يبلغ مجموع صرف المياه المُستعملة 43.95 مليار طن، وهو رقم يتجاوز قدرة البيئة على الاستيعاب بـ 82%. في الأنهار الرئيسية السبعة الكبرى، 40.9 % من الماء غير صالح لشراب الإنسان ولا الماشية، 75% من البحيرات ملوّثة ومياهها لا تحتوي على قدر كافٍ من الأوكسيجين، ممّا تسبّب في إحداث ظاهرة تجمّع البقايا العضوية العفنة في المياه الآسنة. لم تكن أبدًا الصراعات بين الإنسان والطبيعة في تاريخ الصين خطرة كما هي في عصرنا الحاليّ. لا الصين ولا بقيّة العالم بإمكانهما أن يتحمّلا تطوّرًا سقيمًا كهذا. ليس ما في الأمر سوى أنّ الناس بهرهم البريق الخلاّب لناطحات السحاب والمساكن الفاخرة، فغفلوا عن الأزمة البيئيّة القادمة، بل وشيكة الحدوث. عندما يحين الوقت الذي تبدأ فيه الطبيعة في

الانتقام من البشر، ستكون العواقب كارثيّة بالنسبة للأمّة الصينية.
وبالمقارنة، فإنّ روسيا بعد أن تخلّت عن الشيوعيّة، قامت بإصلاحات سياسية واقتصادية في نفس الوقت. بعد أن عاشت فترة وجيزة من الاحتضار، انطلقت في عملية نموّ سريع. من 1999 إلى 2003، زاد الناتج القومي الخامّ الروسي بنسبة 29.9% كما تحسّن مستوى العيش للمواطنين الروسيين بطريقة ملحوظة. وأخذت الدوائر الاقتصادية الغربية في مناقشة “ظاهرة الاقتصاد الروسي” وليس هذا فقط بل بدأت في الاستثمار على نطاق واسع في روسيا، مكان الموضة الجديدة. ترتيب روسيا ضمن الأمم الأكثر جاذبية قفز من المرتبة 17 سنة 2002 إلى المرتبة 8 سنة 2003، والتحقت –لأوّل مرّة في تاريخها- بركب الأمم العشر الأولى الأكثر جذبًا للمستثمرين.
وحتّى الهند، والذي هو بلد مرتبط في أذهان أغلب الصينيين بالفقر، وتهزّه صراعات عرقيّة لا تُحصى، تمتّع بنموّ مطّرد وبلغ نسبة نموّ اقتصاديّ من 7 إلى 8% في السنة منذ أن بدأ إصلاحاته الاقتصادية سنة 1991. تتمتّع الهند بنظام تشريعيّ كامل نسبيّا فيما يخص اقتصاد السوق، وبنظام جبائيّ مُتعافٍ، وبنظام ديموقراطي متطوّر وبعقليّة جماهيريّة مستقرّة. لقد شهد الرأي العام العالمي للهند بأنها بلد يتمتّع باحتياطي تنمويّ قويّ.
أمّا الح ش ص فلم يقم سوى بإصلاحات اقتصادية، دون القيام بإصلاحات سياسية. المظهر الخادع لاقتصاد مزدهر على المدى القصير والذي خلق وهم استقرار اجتماعي، قد عرقل “النموّ الطبيعي للأنظمة الاجتماعية”. إنّ هذا الإصلاح المبتور هو ما زاد في عدم توازن المجتمع الصيني وعمّق الصراعات الاجتماعية. الأرباح المالية ليست دائمًا محميّة من طرف الأنظمة الاجتماعية. وبالإضافة إلى ذلك، في مسار خوصصة أملاك الدولة، استغلّ مسيّرو الح ش ص مناصبهم للإثراء.
الح ش ص يخدع الفلاّحين بطريقة متكرّرة
لقد اتّكأ الح ش ص على الفلاّحين ليفوز بالسلطة. في الفترة الأولى من نموّه، قام قرويّو المناطق الخاضعة للح ش ص بإعطائه كلّ ما يملكون. ولكن حالما أخذ بزمام الحكم في البلاد عانى الفلاّحون من تمييز مرير.
بعد أن أسّس الح ش ص الحكومة أرسى نظامًا جائرًا جدّا : دفتر تعيين محلّ الإقامة. هذا النظام يُقسّم الناس إلى ريفيّين وغير ريفيّين، مُحدثًا تقسيمًا غير متوازن وتعارضًا في كامل البلاد. القرويّون ليس لديهم تأمين على المرض ولا هم يحصلون على منحة عاطل عن العمل، ولا على جراية تقاعد، ولا يستطيعون اقتراض مال من البنوك. الفلاّحون ينتمون إلى أفقر طبقة في الصين، ولكنهم يحملون على عاتقهم أثقل عبء جبائي. عليهم أن يدفعوا منحة إجبارية لصندوق احتياطي، ومنحة أخرى لصندوق رفاه عمومي، وضرائب تصرّف إداريّ، وضرائب خصوصية من أجل التربية، وضرائب لمراقبة الولادات، وضرائب لتنظيم الميليشيات وتدريبها، وضرائب من أجل بناء الطرقات، وضرائب من أجل التعويض العسكري. إلى جانب كلّ هذه الضرائب، عليهم أيضًا أن يبيعوا نصيبًا من محصولهم من الحبوب للدولة بنسب ثابتة، وأن يدفعوا الجبايات الزراعية، وجبايات على الأراضي، وجبايات خاصّة بالإنتاج المحلّي، وجبايات خاصّة بالجزارة، بالإضافة إلى جبايات أخرى كثيرة. المواطنون غير القرويّين ليس عليهم أن يدفعوا كلّ هذه الجبايات والضرائب.
في بداية السنوات 2004، نشير الوزير الأول الصيني “وان جياباوو” “الوثيقة رقم 1” وفيها تصريح بأن الصين القروية تواجه اليوم أصعب وضعيّة منذ الإصلاحات الاقتصادية ىسنة 1978. مداخيل أغلب القرويّين في ركود أو حتّى أنها تقلّصت. أصبح هؤلاء القرويّون أفقر وأفقر والهوّة بين المدخول الحضري والمدخول القروي لم تفتأ تتّسع.
في ضيعة غابيّة في شرق إقليم سيشوان، وزّعت السلطات العليا 500.000 يوان (ما يعادل تقريبًا 60.500 دولار) لغرض مشروع إعادة بعث الغابات. أوّل ما فعله المشرفون على الضيعة هو دسّ 200.000 يوان في جيوبهم، وتركوا الـ 300.000 يوان الباقين لغرس الأشجار. ولكن بما أنه في كلّ مستوى في الحكومة يقع اختلاس نصيب من المبلغ، ففي النهاية لم يبق إلاّ النزر اليسير جدّا للفلاّحين الذين قاموا بغرس الأشجار فعلاً. لم تكن الحكومة تخشى هذا الأمر لأنها متأكّدة أنّ الفلاّحين كانوا لن يرفضوا القيام بالعمل، حتّى ولو كانت الأجور غير كافية. الفلاّحون هم حقّا فقراء إلى درجة أنهم يمكن أن يعملوا حتّى مقابل القليل جدّا من المال. هذا هو أيضًا السبب الذي من أجله نرى البضائع المصنوعة في الصين زهيدة الثمن إلى تلك الدرجة.

الضغط على البلدان الغربية من خلال المصالح الاقتصادية
يظنّ الكثير من الناس أن التجارة مع الصين سوف تُحسّن وضعيّة حقوق الإنسان هنالك، ووضعيّة حرّية التعبير والإصلاحات الديموقراطية. بعد مرور أكثر من عقدٍ من الزمن، يبدو واضحًا للعيان أنّ هذه التخمينات لم تكن سوى أوهامًا. الفرق بين الوسائل التجارية في الصين والغرب شاسع. ما نجده نزاهة وشفافيّة في المجتمعات الغربية نجده محسوبيّة وفسادًا وتدليسًا في الصين. الكثير من المجتمعات الغربية ارتكبت ذنبًا من حيث لا تشعر لأنها عمّقت الفساد الصيني، بل وحتّى أنّ بعض الشركات ساعدت الح ش ص على إخفاء جرائمه في مجال حقوق الإنسان واضطهاده لشعبه.
يتصرّف الح ش ص كأشبه ما يكون بالمافيا التي تلعب ورقة الاقتصاد في مجال الديبلوماسية الخارجية. ما بين فرنسا والولايات المتحدة، البلد الذي سيفوز منهما بعقد تصنيع الطائرات، سيكون عليه أن يصمت عن مسألة حقوق الإنسان بالصين. الكثير من رجال الأعمال والسياسيّين الغربيّين تحرّكهم المصالح الاقتصاديّة مع الصين، وتتحكّم فيهم. بعض شركات أمريكا الشمالية في ميدان الإعلامية التكنولوجية منحت للح ش ص منتوجات مختصّة ليمارس الحصار المعلوماتي على الانترنت. بعض مواقع الانترنت، من أجل الحصول على حقّ الدخول للسوق الصينية، قبلت بأن تطبّق الرقابة الذاتيّة، وتصفّي المعلومات التي لا تروق للح ش ص.
وفق معطيات تابعة لوزارة التجارة الصينية، تلقّت الصين في نهاية شهر أبريل 2004 ما يعادل أكثر من 990 مليار دولار استثماراتٍ خارجيّة بفضل عقودٍ عديدةٍ. “الضخّ الدموي الهائل” الذي يصبّ في اقتصاد الح ش ص والآتي من رؤوس الأموال الأجنبية موجود، ولكنّ كلّ عمليّات الاستثمار لرؤوس الأموال الأجنبيّة لم تجلب للشعب الصيني مفاهيم الديموقراطية والحرّية وحقوق الإنسان كمبادئ أساسيّة. يراهن الح ش ص في دعايته على التعاون اللاّ- مشروط للمستثمرين الأجانب والحكومات وعلى سعي بعض البلدان للتملّق له. أمّا موظّفو الح ش ص فهم يستغلّون الازدهار السطحي للاقتصاد الصيني، وأصبحوا بارعين في التصرّف وإدارة العمليّات لاقتسام ثروات الدولة وسدّ الطريق أمام الإصلاحات السياسية.

III. تقنيات غسل الدماغ التي يمارسها الح ش ص تتحوّل من العلن إلى الخفاء
كثيرًا ما نسمع الناس يقولون :”أعرف أنّ الح ش ص كذب كثيرًا في السابق، ولكن هذه المرّة هو يقول الحقيقة.” من سخرية القدر أن نجد أنّ هذا ما كان يقوله الناس أيضًا بعد كلّ مرّة ارتكب فيها الح ش ص خطأً في الماضي. هذا يعكس القدرة التي نمّاها الح ش ص على مرّ عشرات السنين، بلجوءه للكذب لخداع الشعب.
لقد تكوّن لدى الناس شعور بالحذر والريبة صاروا يُحسّون به كلّما استمعوا لـ “بطولات” للح ش ص، وكردّة فعل على ذلك أصبحت حيل الح ش ص ودعاياته أكثر “حرفيّةً” وأكثر “تفنّنًا”. لقد تطوّرت أكاذيب الح ش ص، مرورًا بأسلوب الشعارات –التي كانت تُرفـَعُ في الحملات الدعائية- لتصبح خفيّة أكثر ودقيقة أكثر و “حرفيّة” أكثر. وخصوصًا في مجال الحصار الذي أقامه الح ش ص على الانترنت، إذ يخترع قصصًا تعتمد على أحداثٍ جزء منها موجودٌ فعلاً في الحقيقة – بهدف خداع الناس، وهو أسلوبٌ أشدّ نكاية وأكثر غشّا من أسلوب “الروايات البطوليّة الكبرى” الذي كان يعتمده في الماضي.
تشاينا سكوب، وهي صحيفة ناطقة باللغة الانكليزية، أصدرت مقالاً في شهر أكتوبر 2004، يتناول بالتحليل الحالات التي لجأ فيها الح ش ص إلى أساليب أكثر تفنّنًا في صنع الأكاذيب، بهدف إخفاء الحقيقة. أثناء وباء السراس الذي ظهر في الصين سنة 2003، كان بقيّة العالم يشكّ أن الصين تُخفي معلومات بشأن الوباء، ولكنّ الح ش ص رفض المرّة تلو الأخرى الاعتراف بهذا. لمعرفة ما إذا كان الح ش ص قد قال الحقيقة في تقريره بشأن السراس، قام محرّر مقال تشاينا سكوب بقراءة أكثر من 400 تقرير بشأن السراس على موقع تشينهوا منذ بداية الوباء وصولا إلى أبريل 2003.
هذه التقارير تسرد الأحداث التالية : ما إن ظهر السراس حتّى جنّدت الحكومة –على المستوييْن المركزي والمحلّي- خبراء لإعطاء الناس علاجًا مناسبًا- وكان المرضى يتمّ تسريحهم حالما يُشفوْن- وكردّ على بعض المشوّشين الذين يُحرّضون الناس على توخّي الحذر وعدم الخروج عندما يكون المرض قد انتشر بسرعة، وضعت الحكومة حدّا للشائعات الجديدة، واتّخذت إجراءاتٍ لكي لا تنتشر تلك الشائعات أكثر، وهكذا تمّ الحفاظ على النظام الاجتماعي. ورغم أنّ عددًا قليلاً من القوى المُعادية للصين كان يشكّ –شكّا لا يستند إلى أيّ أساس- أنّ الحكومة الصينية تُخفي الحقيقة، فإنّ معظم الناس والبلدان لم يُصدّقوا هذه الشائعات. كان المعرض التجاري لغوانغجو آنذاك على وشك أن يستقبل أكبر عددٍ في تاريخه من المؤسّسات المشاركة في المعرض، والآتية من العالم أجمع، وأكّد السيّاح أيضًا أنّ السفر إلى الصين لم يكن أمرًا مُخطرًا. خبراء منظمة الصحة العالمية -من جهتهم- انطلى عليهم خداع الح ش ص، وأعلنوا أن الحكومة الصينية تصرّفت التصرّف الأمثل بتعاونها وباتّخاذ الإجراءات المناسبة بخصوص السراس بحيث أنه لم تعد هناك مشاكل. وأعطى الأخصّائيّون الإشارة الخضراء (بعد تأجيل دام 20 يومًا) لإجراء فحوصاتٍ في مقاطعة غوانغدونغ.
التقارير الأربعمائة تركت لدى قارئها -الكاتب- الانطباع بأنّ الح ش ص كان على الأرجح شفّافًا والتزم بمسؤوليّة حماية صحّة الناس طيلة تلك الشهور الأربعة، لذلك فقد دعى الناس إلى عدم تصديق أنّ الح ش ص قد أخفى شيئًا، مهما يكُن. ولكن في 20 أبريل 2003، وأثناء ندوته الصحفيّة التي عقدها، قام مكتب الصحافة التابع لمجلس شؤون الدولة بالإعلان أنّ السراس كان قد انتشر بالفعل في الصين، وهكذا فقد اعترف بطريقة ضمنيّة بأنّ الحكومة قد أخفت الوباء. فقط آنذاك اكتشف ذلك الكاتب الحقيقة وأدرك الوسائل الخبيثة والمُخادعة للح ش ص والتي “ازدادت مع مرور الزمن”.
أثناء الانتخابات التي جرت في تايوان، لجأ الح ش ص إلى نفس الطريقة “المُتدرّجة” و “الخفيّة”، وأوهم الناس بأنّ انتخاباتٍ رئاسيّة ستقود إلى كارثة، وإلى ارتفاع في نسبة الانتحار، وإلى انهيار لسوق البورصة، وإلى ازديادٍ في نسبة “الأمراض الغريبة”، وإلى اضطرابات عقليّة، وإلى هجرة سكّان الجزيرة منها، وإلى خلافاتٍ عائليّة، وإلى مرارة جماعيّة، وإلى تراجع اقتصاديّ، وإلى طلقات ناريّة تُضرَبُ في الشوارع دون هدفٍ مُحدّدٍ، وإلى احتجاجاتٍ، وإلى مظاهراتٍ أمام مقرّ مبنى الرئاسة، وإلى اضطرابات اجتماعيّة، وإلى مهزلة سياسيّة، الخ. لقد أعاد الح ش ص هذا يوميّا على أسماع الشعب الصيني في شبه القارّة الصينية، بهدف أن يقتنع الناس بفكرة أنّ “انتخاباتٍ يُمكن أن تتسبّب في هذا النوع من الأحداث”، وأنه علينا “ألاّ نُجري أبدًا انتخابات ديموقراطية”.
بالنسبة للفالون غونغ، أظهر الح ش ص براعةً أكثر، باختلاقه لأكاذيب تُجرّم الفالون غونغ. لقد ألّف الح ش ص مسرحيّة تلو المسرحيّة. لا غرو إذًا أنّ كلّ ذلك العدد من الصينيّين تمّ خداعهم. إنّ الدعاية الخبيثة للح ش ص مُضلّلة إلى درجة أنّ الناس الذين يستمعون إلى أكاذيبها يميلون إلى تصديقها ويعتقدون أنّ ما يُقال لهم هو الحقيقة.
على مرّ عقودٍ من السنين، أصبحت البروباغاندا التي يقوم بها الح ش ص عبر غسله للأدمغة أكثر تخفّيًا واكتسبت أكثر فنّياتٍ، وازدادت هكذا قدرتها على الخداع، وهذه نتيجة طبيعية للخاصّية التي يملكها الح ش ص والمتمثلة في : انعدام الضمير.

.IV خداع الح ش ص بشأن حقوق الإنسان
من استخدام الديموقراطية للاستحواذ على السلطة إلى السلطة الاستبدادية والخداع بشأن حقوق الإنسان
“في أمّة ديموقراطية، يجب أن يكون الحكم بيد الشعب، وهو ما يتّفق مع القوانين السماوية والأرضية. في صورة وجود أمّة تدّعي أنها ديموقراطية ولكن حكمها لا يستند إلى إرادة شعبها، فهذا يعني أن الطريق الذي سارت فيه ليس الطريق الصحيح، ولا يُمكن إلاّ أن يكون انحرافًا عن الطريق الصحيح، هذه الأمّة إذًا ليست أمّة ديموقراطية […] كيف يكون حكمٌ ديموقراطيّ مّا ممكنًا بدون انتهاء هيمنة الحزب وبدون انتخابات شعبيّة ؟ أعيدوا للشعب حقوق الشعب !” ستظنّون ربّما أنّ هذا المقال كتبه بعض “الأعداء الأجانب” الذين يُريدون أن ينالوا من الح ش ص. ولكن في الحقيقة هذا التصريح مأخوذ من مقال صادر بصحيفة شينهوا دايلي، الصحيفة الرسمية للح ش ص، بتاريخ 27 سبتمبر 1945.
الح ش ص الذي طالما صدح بشأن “انتخابات شعبية” وطالب بـ “عودة حقوق الشعب للشعب” هو نفسه من اعتبر أنّ “الاستفتاء الشعبي” مُحرّم منذ أن استولى على السلطة. الناس الذين من المفروض أنهم “أسياد وأصحاب الدولة” ليس لهم الحقّ في اتّخاذ قراراتهم الخاصة. تعوزنا العبارات فعلاً لوصف طبيعة الح ش ص عديمة الضمير.
أنتم مخطئون إن كنتم من بين أولئك الذين يظنون أن الماضي قد فات وأنّ طائفة الح ش ص الشريرة، التي ازدهرت بفضل القتل وسيّرت أمّة بواسطة الأكاذيب، ستشرع الآن في إصلاح نفسها، بنيّة صادقة في التصرّف تصرّفًا طيّبًا وإرجاع “حقوق الشعب للشعب”. في صحيفة البيبلز دايلي، قال الناطق الرسمي باسم الح ش ص، في 23 نوفمبر 2004، أي 60 عامًا بعد التصريح السابق :”إنّ السيطرة الثابتة على الإيديولوجيا هي الأساس الايديولوجي والسياسي الأساسي لحكومة الحزب.”
مُؤخّرًا اقترح الح ش ص “مبدأ الـ “لا” الثلاثة” (يزعم أنها مبادئ جديدة)- الـ “لا” الأولى هي “التنمية دون جدال”، الهدف الحقيقي للح ش ص ليس “التنمية” ولكنه يُريد أن يُؤكّد على “دون جدال”، مُرسيًا مبدأ “صوت واحد، مجموعة واحدة” كهدف حقيقيّ للح ش ص.
لمّا سأل مراسل السي بي آس الصحفيّ الشهير “مايك ولاّس” جيانغ زمين سنة 2000 عن السبب الذي من أجله لم تُنظّم الصين انتخابات، أجابه أن “الشعب الصيني ليس متعلّمًا بما فيه الكفاية”.
ومع ذلك، في 25 فبراير 1939 كان الح ش ص يصدح في صحيفته الشينهوا دايلي بما يلي :”هم (الكوومينتانغ) يظنّون أنه من غير الممكن تطبيق سياسات ديموقراطية في الصين اليوم، وأنه لا يمكن تطبيقها سوى في ظرف بضعة سنوات. هم يظنّون أن السياسات الديموقراطية يجب أن تنتظر أن تبلغ المعرفة والمستوى التعليمي للصينيّين مستوى الطبقة البورجوازية الديموقراطية في بلدان أوروبّا وأمريكا […] ولكن تعليم الناس وتكوينهم لا يتيسّران سوى في ظلّ نظام ديموقراطيّ.”
هذا النفاق وهذا التباين بين ما قالته الشينهوا سنة 1939 وبين ما قاله جيانغ زمين سنة 2000 يعكس جيّدًا الطبيعة الجائرة للح ش ص. بعد مجزرة ساحة تيانانمن سنة 1989، أعاد الح ش ص الظهور من جديد على الساحة العالمية، مصحوبًا بسمعة مُزرية فيما يتعلّق بحقوق الإنسان. لقد منح التاريخ للح ش ص فرصة الاختيار، فإمّا أن يتعلّم أن يحترم شعبه ويُحسّن وضعيّة حقوق الإنسان، وإمّا أن يستمرّ في رفض حقوق الإنسان مُدّعيًا في الظاهر وأمام العالم الخارجي أنه يحترمها وذلك ليتجنّب الإدانة الدوليّة.
للأسف، فإنّ الح ش ص قام باختيار يتّفق مع طبيعته المنافقة، فاختار الطريق الثاني. لقد جمع معًا عددًا كبيرًا من أصحاب الخبرات والمواهب في المجالات العلميّة والدينيّة- واختصّ بالاختيار أشخاصًا يفتقرون للنزاهة والأمانة- ودعمهم، وكلّفهم بمهمّة القيام بدعاية كاذبة يتغنّون بها في الخارج، فحواها أنّ الح ش ص آخذ في التحسّن فيما يتعلّق بحقوق الإنسان. وقد انتقى مجموعة من “الحقوق المزيّفة” التي لا مُبرّر لوجودها مثل “حقّ العيش” و “حقّ السكن” و “حقّ الملجأ”، وكانت حججه كما يلي :”عندما يجوع الناس، أفليس لهم الحقّ في التعبير ؟ وحتّى إن لم يكن الجائعون يستطيعون التعبير، ألا يحقّ لأولئك الذين ملئوا معدتهم أن يُعبّروا لصالح الجائعين ؟” لقد حاول الح ش ص حتّى أن يخدع الشعب الصيني والديموقراطيات الغربية مُتلاعبًا بحقوق الإنسان، لقد وجد الجرأة ليقول :”الفترة الحاليّة هي الأفضل فيما يخصّ حقوق الإنسان”.
الفصل 35 من الدستور الصيني ينصّ على أنّ مواطني الجمهورية الشعبية الصينية لهم حقّ التعبير، وحقّ النشر، وحقّ التجمّع، وحقّ إنشاء جمعيّات، وحقّ الاحتجاج والتظاهر. الح ش ص يلعب على الكلمات، هذا ما في الأمر. في ظلّ حكم الح ش ص، حُرم عدد لا يُحصى من الناس من حقّ الاعتقاد، وحقّ التعبير، وحقّ النشر، وحقّ التجمّع…بل لقد صرّح الح ش ص أنه لا يحقّ لبعض المجموعات أن تطالب بحقّها لدى السّلط العليا، وأنّ ذلك غير قانونيّ. في 2004، حدث مرّات عديدة أنّ مجموعاتٍ من المدنيّين تقدّمت بطلب السماح لها بالتظاهر في بيكين. فماذا فعلت الحكومة ؟ بدل أن تمنحهم الترخيص، اعتقلتهم. سياسة “دولة واحدة ونظامان” في هونغ كونغ، والتي أقرّها دستور الح ش ص، هي أيضًا كمين. لقد ادّعى الح ش ص أنه لن يُغيّر شيئًا في هونغ كونغ طيلة 50 سنة، ولكن لم تمرّ خمس سنوات بعدُ من تاريخ إرجاع هونغ كونغ للصين حتّى كان يُحاول أن يُلغي النظام المزدوج ويُعوّضه بالنظام الواحد بواسطة تشريع استبداديّ، الفصل 23 من القانون المِلاك.
المؤامرة الرهيبة الجديدة التي استخدمها الح ش ص هي استعمال ما يُشبه “تساهلاً في الكلام” ليُخفي عمله المُكثّف في المراقبة والسيطرة. يبدو أنّ الصينيّين يتكلّمون بحرّية أكثر اليوم والانترنت جعلت الأخبار تتنقّل بسرعة أكبر. وهكذا فإنّ الح ش ص يُعلن للجميع أنه الآن يسمح بحرّية التعبير ويبدو أن الكثيرين يُصدّقونه. ولكن كلّ هذا ليس سوى أكذوبة. ليس ما في الأمر أنّ الح ش ص أصبح طيّبًا، ولكن أنّ الحزب لم يكن بإمكانه أن يمنع التطوّر الاجتماعي والتقدّم التكنولوجي. فلنر الدور الذي يلعبه الح ش ص بخصوص الانترنت : إنه يحجب بعض مواقع الانترنت، ويُصفّي المعلومة، ويٌراقب الحوارات على مواقع التواصل، ويقوم برقابة على الايمايلات، ويحكم على بعض مستعملي الانترنت بدفع غرامات ثقيلة. كلّ ما يقوم به هو ذو طبيعة قمعية. اليوم، وبمساعدة الرأسماليين الذين لا يهتمّون لا بحقوق الإنسان ولا بصوت ضمائرهم، شرطة الح ش ص مزوّدة بوسائل تكنولوجيا عالية يراقبون بها -دون أن يبرحوا مكانهم في سيارات دوريّات الشرطة- كلّ ما يقوم به مستعملو الانترنت. عندما نتأمّل تدهور الح ش ص الذي يرتكب أفعالاً شرّيرة في وضح النهار وفي سياق عامّ يتّصف بالتوجّه نحو الحرّية والديموقراطية، كيف لنا أن نرتجي منه أن يحقّق تقدّمًا فيما يتعلّق بحقوق الإنسان ؟ لقد لخّص الح ش ص بنفسه الوضعيّة مستعملاً العبارات التالية :”لقد حدث تساهل باتّجاه الخارج، ولكن نحن نُضيّق المنجلة باتّجاه الداخل.” الطبيعة عديمة الضمير لم تتغيّر أبدًا في الحقيقة.
في سنة 2004، ولكي يُعطي عن نفسه صورة إيجابية أثناء انعقاد لجنة الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، مثّل الح ش ص مسرحيّة : قام بمحاسبة أولئك الذين ارتكبوا انتهاكات في مجال حقوق الإنسان ومعاقبتهم بشدّة. ولكن هذه الأحداث كانت مُعَدّة ليراها الغرباء لا غير ولم يكن لديها أيّ قيمة جوهريّة. السبب هو أنّ أكبر مجرم في مجال انتهاكات حقوق الإنسان هو الح ش ص نفسه، وأيضًا جيانغ زمين، الأمين العام الأسبق لللّجنة السياسية والقضائية، والوزير دجو يونغكانغ ونائب الوزير لوي دجينغ عن وزارة الأمن العمومي. وضع الثقة في مثل هؤلاء لمعاقبة من انتهك حقوق الإنسان هو بمثابة تكليف رئيس عصابة بأن يقبض على لصوص.
يُمكن لنوضّح الأمر أن نُشبّه ذلك بسفّاح اعتاد-عندما يكون بمعزل عن الأنظار-أن يعتدي على عشرة نساء في اليوم. أمّا وهناك كثير من الناس حوله، لا يستطيع أن يعتدي سوى على امرأة واحدة من الجمع. هل بإمكاننا القول أنّ هذا السفّاح تطوّر إيجابيّا ؟ عندما يمرّ من الهجوم الخفيّ إلى الهجوم العلنيّ على مرأىً ومسمع من الناس، فهذا على العكس يدلّ على أنه أصبح أكثر شرّا وأكثر وقاحة من ذي قبل. طبيعة السفّاح لم تتغيّر قطّ. ما تغيّر هو أنّ ارتكاب الجريمة لم يعد سهلاً بالنسبة له كالسابق.
الح ش ص لا يختلف عن السفّاح أو المغتصب. طبيعته الديكتاتورية وخوفه الغريزيّ من فقدان السلطة يجعلانه لا يحترم مطلقًا حقوق الإنسان. الموارد البشرية، والمادية، والمالية المُستخدمة لغرض إخفاء سوابقه في مجال حقوق الإنسان تجاوزت بكثير ما بذله حقّا من جهودٍ لتحسين وضعيّة حقوق الإنسان. أكبر مصيبة للشعب الصيني كانت عنف الح ش ص على مدى المجازر والاضطهادات القاسية التي أدمت أرض الصين.
ارتكاب أفعال مُشينة من وراء قناع والتخفّي وراء القانون
لحماية أرباح بعض المجموعات ذوات المصالح، ألغى الح ش ص من جهةٍ واجهته القديمة وتخلّى تمامًا عن العملة والفلاّحين والشعب، ومن جهةٍ أخرى التجأ إلى وسائل غير نظيفة وفاسدة، في الوقت الذي كانت فيه انتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفها تنكشف أكثر وأكثر لأنظار المجتمع الدّولي. لقد استعمل الح ش ص مصطلحات شعبيّة متداولة مثل “سلطة القانون”، “السوق”، “من أجل الشعب”، و “الإصلاح” بهدف بثّ الحيرة في نفوس الناس.
الح ش ص لا يستطيع تغيير طبيعته الشريرة حتّى وإن ارتدى “ثوبًا غربيّا”. مثل هذه الصورة هي ببساطة أكثر خداعًا من الح ش ص وهو “في ثوب ماوو”. في مزرعة جورج أورويل (1945)، بدأت الخنازير تتعلّم الارتفاع والمشي على قائمتين من قوائمها. صحيح أنّ هذه الموهبة التي اكتسبتها أضفت عليها صورة جديدة، ولكنّ طبيعتها بقيت طبيعة خنازير.
أ- خلق قوانين وتراتيب تخرق الدستور الصيني
هناك تراتيب وقوانين تخرق الدستور يتمّ تمريرها كـ “قاعدة قانونية” إلى الموظفين المسؤولين عن حفظ النظام، وذلك للقضاء على جهود الناس التي تناضل ضدّ الاضطهاد، وتدافع عن حرّيات وحقوق الإنسان.
ب- المشاكل غير السياسية تُعالَجُ بطرق سياسية
مشكل اجتماعي عادي يتمّ تحويله إلى “صراع ضدّ الحزب من أجل الجماهير”، إلى “التسبّب في اضمحلال الحزب واضمحلال البلد”، إلى “تمرّد”، وإلى “قوى مُعادية”. مشكل ذو طبيعة غير سياسية يتمّ “تسييسه” عمدًا لكي يتسنّى للح ش ص أن يستعمل الحركة السياسية كآلة بروباغاندا لحضّ الناس على الكراهية.
ج- المشاكل السياسية تُعالَجُ بطرق غير سياسية
آخر مؤامرةٍ للح ش ص لمهاجمة المدنيّين الديموقراطيّين والمثقفين ذوي التفكير المستقلّ هي وضع “شراك” لاعتقالهم. هذه “الشراك” تحتوي على اتّهامات باطلة بمخالفة القانون المدني مثل ممارسة البغاء وعدم تسديد الضرائب، ولكنّ المُعتدين لا يظهرون للنور أبدًا ليتجنّبوا الإدانة من جماعات خارجية. هذه الجرائم، والتي هي كافية لتدمير سمعة المتّهمين، تُستَعمَلُ أيضًا لإهانة الضحايا على الملأ.
إن كان ثمّة تغيير قد حصل في الطبيعة عديمة الضمير للح ش ص، فهو أنه قد أصبح جشعًا أكثر ومُجرّدًا من الإنسانية أكثر.
الح ش ص يُمسك بأكثر من مليار شخص رهائن لفلسفته الفاسدة
تخيّلوا أنّ مُجرمًا لا تزجره عقيدة أو قانون يدخل منزل امرأة ويغتصبها. أثناء محاكمته يُدافع المُغتصِب عن نفسه قائلاً أنه لم يقتل الضحيّة بل فقط اغتصبها. ولأنّ القتل أخطر من الاغتصاب، فهو يُؤكّد أنه بريء وأنه يجب إطلاق سراحه على الفور؛ ويقول أيضًا أنه يجدُرُ بالناس أن يُهنّؤوه بكونه لم يقتل بل لم يفعل سوى أن اغتصب. هذا المنطق يبدو مُثيرًا للضحك والسخرية. ولكن المنطق الذي استعمله الح ش ص ليُبرّر مجزرة ساحة تيانانمن في 4 يونيو 1989 هو تمامًا نفس منطق المجرم المذكور أعلاه. لقد شدّد الح ش ص على أنّ “قمع الطلبة” تمّ بفضله تلافي “فوضى داخليّة” في الصين. إذًا بهدف “تلافي فوضى داخلية” يُصبح “قمع الطلبة” مُبرّرًا.
“القتل أم الاغتصاب، أيّهما أحسن ؟” إن طرح أحد المجرمين هذا السؤال على قاضٍ في المحكمة فهذا لا يدلّ سوى على مدى انعدام الضمير لدى هذا المجرم. بنفس الشكل، بخصوص مجزرة ساحة تيانانمن، لم يُفكّر الح ش ص وعُصبته في مسألة ما إذا كانوا مُذنبين بالقتل أم لا. بل على العكس طلبوا من المجتمع :”ما الأفضل، قمع الطلبة أم فوضى داخلية يُمكن أن تقود إلى حرب أهلية ؟”
يُسيطر الح ش ص على كلّ مكنة الدولة وكلّ وسائل الدعاية. بعبارة أخرى، الـ 1.3 مليار صيني هم رهائن لدى الح ش ص. مع 1.3 مليار رهينة بحوزته، يُمكن للح ش ص المُضيّ قدُمًا في “نظريّة الرهينة” قائلاً أنه إن لم يقمع بعض المجموعات من الناس، فإنّ الأمّة بأكملها ستسقط في القلاقل أوالكوارث. مع عُذر كهذا في الواجهة، يُمكن للح ش ص أن يقمع أيّ فرد وأيّ مجموعة مثلما يشاء، ويكون قمعه دائمًا مُبَرّرًا. إذا تأمّلنا مثل هذه الحُجج غير النزيهة، ومثل هذه الاستدلالات العقيمة، هل هناك مُجرمون في العالم أكثر صفاقة من الح ش ص ؟
الجزرة والعصا، من منح “الحرّية” إلى تصاعد القمع
الكثير من الصينيين لديهم الانطباع أنهم الآن يتمتّعون بأكثر “حرّية” من السابق، لذلك لديهم الأمل أنّ الح ش ص سيتحسّن في الآتي من الأيام. في الحقيقة درجة الحرّية “المُعطاة” للناس مُرتبطة كثيرا بخوف الح ش ص من حالة الاحتقان. الح ش ص على استعدادٍ لأن يقوم بكلّ شيءٍ ليُحافظ على المصالح الجماعية للحزب، بما في ذلك منح الناس ديموقراطية أو حرّية أو حقوق إنسان مزعومة.
ورغم ذلك، تحت حكم الح ش ص، هذه “الحرّية” المزعومة التي منحها ليست محميّة من أيّ قانون. “حرّية” كهذه لا تعدو أن تكون أداةً لتخدير الناس والتحكّم فيهم وهي في نفس الوقت اتّباع لمسار التوجّه العالمي العامّ نحو الديموقراطية. هذه “الحرّية” هي في الأساس في صراع مع ديكتاتوريّة الح ش ص. حالما يتجاوز صراعٌ كهذا الحدود التي يسمح بها الح ش ص ويقبلها، فإنّ الح ش ص يسحب على الفور كلّ “حرّية”. في تاريخ الح ش ص، كانت هناك عديد الفترات التي نجد فيها الخطابات مُتحرّرة نسبيّا، ولكن كلّ تلك الفترات تلتها فترة سيطرة مُحكمة. هذا النوع من الأحداث الدورية موجود بكثرة في تاريخ الح ش ص، الأمر الذي يدلّ على طبيعته الجائرة.
في العصر الحاليّ-عصر الانترنت-إن زُرتَ الموقع الرسمي شينهوا أو موقع البيبلز دايلي، ستكتشف أنه في الحقيقة هناك عددٌ من الأخبار التي تحتوي على معلومات سلبيّة عن الصين. ذلك لأنه، أوّلاً هناك عددٌ كبيرٌ جدّا من الأخبار السلبية يتمّ تناقلها في الصين حاليّا، ووكالة الأخبار عليها نقل هذه الأخبار لكي تحافظ على مصداقيّتها. ثانيًا، وجهة نظر مثل تلك الريبورتاجات تخدم مصلحة الح ش ص، لأنه مثلاً “انتقادات صغيرة تُساعد كثيرًا”. في هذه الريبورتاجات، يتمّ دائمًا إسناد الأخطاء إلى ناس لا علاقة لهم بالحزب أبدًا، وهكذا تتمّ تزكية مصداقيّة الح ش ص ومنحه الثقة لإيجاد الحلول. يتحكّم الح ش ص بمهارة في كلّ ما يجب أن يُنقَلَ وما لا يجب أن يُنقَلَ، وإلى أيّ حدّ يجب أن يُنقَلَ، وما إذا كانت وسائل الإعلام الصينية أو وسائل الإعلام الأجنبية الخاضعة لإشراف الح ش ص هي التي تتولّى نقله.
الح ش ص خبيرٌ في معالجة الأخبار السّيئة بطريقة تتحوّل بها إلى أداةٍ تُمكّنه من كسب قلوب الناس. الكثير من الشباب في الصين لديهم الانطباع أنّ الح ش ص الآن يمنح درجة طيّبة من حرّية التعبير، لذا يظلّ لديهم الأمل ويستحسنون الح ش ص. إنّهم يقعون “ضحيّة” للاستراتيجيّات “البارعة” لوسائل الإعلام الجائرة التي تتحكّم فيها الدولة. بالإضافة إلى ذلك، عندما يخلق الح ش ص وضعيّة كارثيّة في المجتمع الصيني ثمّ يقوم بتغطية إعلاميّة مُعيّنة لها، يتسنّى له حينها أن يُهدّد الناس مُدّعيًا أن لا أحد غير الح ش ص يُمكنه أن يقود زمام مجتمع كارثيّ كذاك ويتمكّن في النهاية من إجبار الناس على الرّضا بهيمنة الح ش ص.
كذلك لا يجب أن نخطئ ونفكّر أنّ الح ش ص قد تغيّر من تلقاء نفسه إذا رأينا علامات تحسّنٍ في مجال حقوق الإنسان. تاريخيّا، عندما خاض الح ش ص حربًا للإطاحة بحكومة الكوومينتانغ، ادّعى وقتها أنه يخوض حربًا من أجل الديموقراطية للأمّة. الطبيعة الشرّيرة للح ش ص تدلّ على أنّ ولا واحدًا من وُعوده هو محلّ ثقةٍ.

V. نواح مختلفة من طبيعة الح ش ص عديمة الضمير
بيع أرض الأمّة زهوًا وافتخارًا وخيانة البلاد تحت مُسمّى “الوحدة الوطنية”
“تحرير تايوان” و “توحيد تايوان” كانا شعارا بروباغاندا الح ش ص أثناء هذه العقود الأخيرة. بواسطة هذه البروباغاندا، تصرّف الح ش ص كما لو كان وطنيّا وقوميّا ومُناضلاً. هل يهتمّ الح ش ص حقّا بسلامة أراضيه وسيادتها ؟ أبدًا بالمرّة. تايوان ليست سوى مشكل تاريخيّ وُلِد في خضمّ المعركة بين الح ش ص والكوومينتانغ وهو الطريقة التي استعملها الح ش ص لمهاجمة غريمه وكسب تأييد الشعب.
أثناء السنوات الأولى، عندما أرسى الح ش ص “السوفييت الصيني” أثناء فترة حكم الكوومينتانغ، كان الفصل 14 من دستوره يقول أنّ “كلّ مجموعة عرقيّة أو كلّ مقاطعة في الصين يُمكن لها أن تُطالب باستقلالها”. بهدف الامتثال للاتّحاد السوفياتي، شعار الح ش ص لتلك الفترة كان “حماية السوفييت”. أثناء الحرب الصينية-اليابانية، كان الهدف الأعلى للح ش ص هو اغتنام الفرصة للتوسّع أكثر من محاربة المُعتدي الياباني حقّا. في 1945، دخل الجيش الأحمر الروسي إلى شمال شرق الصين وارتكب السطو، والقتل، والاغتصاب، ولكنّ الح ش ص لم يُبدِ ولا مرّة اعتراضًا. ونفس الشيء، لمّا ساند الاتّحاد السوفييتي استقلال منغوليا الخارجية التي كانت تُريد أن تنفصل عن الصين، لزم الح ش ص مرّة أخرى الصمت.
في نهاية 1999، وقّع كلّ من الح ش ص وروسيا على اتّفاقيّة صينية روسية بشأن مراقبة الحدود، وفي هذه المعاهدة يُذعن الح ش ص لكلّ الاتّفاقيات اللاّ-مشروطة المُبرَمة قبل مائة عامٍ بين العائلة الحاكمة التشينغ وروسيا، وباع بذلك أكثر من مائة مليون كيلومتر مربّع من الأرض لروسيا- وهي مساحة تضاهي أكثر من 12 مرّة مساحة تايوان. سنة 2004، أمضى الح ش ص وروسيا على اتّفاقية صينية روسية إضافيّة لمراقبة الحدود على الشرق، وبالتالي فإنّ الصين فقدت من جديد –لصالح روسيا- سيادتها على نصف جزيرة هايسيادري في مقاطعة هايلونغجيانغ.
بخصوص مسائل حدودية أخرى مثل جزيرة ناتشا و دياويو، لم يعد الح ش ص يُحسّ نفسه معنيّا بالأمر، لأنّ هذه المسائل ليس لها تأثير على سلطة الح ش ص. لقد أعلن الح ش ص على أسماع الجميع مسألة “توحيد تايوان” ولكنّ ذلك لم يكن سوى سحابة من الدخان ووسائل ملتوية ليُذكي مشاعر القومية العمياء ويصرف أنظار الناس عن الصراعات الأهلية.

رجال سياسة خونة وعديمو الأخلاق
الحكومة يجب أن تكون دائمًا مُراقبَة. في البلدان الديموقراطية فصل السلطات، بالإضافة إلى حرّية التعبير والصحافة، تمثّل كلّها آليّات جيّدة للمراقبة. العقيدة الدينية تجلب المزيد من الاعتدال الأخلاقي.
الح ش ص من دُعاة الإلحاد، وبالتالي فإنه لا توجد أيّ طبيعة إلهية لتضع حدودًا أخلاقيّة لتصرّفاته. الح ش ص هو ديكتاتورية وبالتالي فليس هناك قانون ليحُدّه من الناحية السياسية ؛ ممّا ينتج عنه أنّ طبيعة الح ش ص المُستبدّة الشرّيرة حينما تظهر فلا عقلانيّة تميّز سلوك الح ش ص ولا رادع يزجره. حسب الح ش ص، من الذي يتولّى مراقبته ؟ “الح ش ص يُراقب نفسه بنفسه !” هذا هو الشعار الذي استعمله لكي يخدع الشعب طيلة عقودٍ كاملة. في الفترة الأولى كان ذلك يُسمّى “النقد الذاتيّ” ثمّ “مراقبة ذاتيّة”، ثمّ “البلورة الذاتية لحكومة الحزب”، ومؤخّرًا :”التحسين الذاتي لقدرة الحزب على ممارسة الحكم”. الح ش ص يضع الثقل على قدرته المزعومة على “التحسّن الذاتي”. الح ش ص لا يكتفي فقط بقول ذلك ولكنه يُبادر حقّا بالقيام بأعمال مثل إرساء “اللجنة المركزية للتفقّد التأديبي”، “مكتب المناداة”، ومكاتب أخرى مماثلة. هذه التنظيمات يُمكن أن تكون جذابة ولكنها عديمة الفائدة- فائدتها لا تتجاوز فائدة أصص الأزهار- هي مجعولة فقط لخداع الناس ونشر البلبلة بينهم.
دون ضوابط أخلاقية ولا تشريعية، “التحسّن الذاتي” للح ش ص يُذكّرنا بذلك المثل الشعبي الصيني :”الشياطين تولد من قلبه”. إنها فقط تعلّة يُقدّمها الح ش ص لكي يُغلق الباب أمام أيّ مراقبة خارجية ولكي يستمرّ في رفض السماح بصحافة حرّة وأحزاب سياسية حرّة. أوغاد السياسة يستعملون هذه الألعوبة لخداع الناس وحماية شرعيّة الح ش ص ومصالح المجموعة المستحوذة على الحكم.
الح ش ص خبير في المؤامرات السياسية. “الديكتاتورية الديموقراطية الشعبية”، “المركزية الديموقراطية”، “الاستشارة السياسية” وهكذا، إنها كلّها طرق خدّاعة. باستثناء كلمة “ديكتاتورية”، كلّ الباقي كذب.
استعمال الحيلة : من المقاومة الكاذبة أثناء الغزو الياباني إلى مكافحة الإرهاب المضلّلة
طالما ادّعى الح ش ص أنه قاد خُطى الشعب الصيني نحو الانتصار على الغازي الياباني. ومع ذلك أرشيفات تاريخية كثيرة جدّا تُبيّن أنّ الح ش ص تجنّب المعارك بصفة مقصودة في الحرب الصينية-اليابانية، فقد أخّر الح ش ص الجهود المُناهضة للاعتداء الياباني مُغتنمًا فرصة أنّ الكوومينتانغ كان طرفًا في الحرب ليُقوّي سلطته هو.
المعارك الكبرى الوحيدة التي قادها الح ش ص كانت معركة عنق بينغسينغ ومعركة المائة كتيبة. في معركة عنق بينغسينغ، لم يكن الح ش ص القوّة المُحرّكة أو المُهيمنة في هذه المعركة ولم يكن هو من يُسيّرها. بالعكس، فرق الح ش ص لم يفعلوا سوى أن نصبوا كمينًا للمعسكر الاحتياطي الياباني. بالنسبة لمعركة المائة كتيبة، كان هناك الاعتقاد من داخل الح ش ص أنّ المشاركة في هذه المعركة يخرق القواعد الاستراتيجية للحزب المركزي. بعد هاتين المعركتين، لم يدخل ماوو وفرقه، فرق الح ش ص – في أيّ معركة هامّة، ولم يُخرجوا للوجود أبطالاً في الحرب الصينية – اليابانية مثل دونغ تسونري أثناء الحرب ضدّ الكوومينتانغ سنة 1948 و هوانغ دجيغوانغ أثناء حرب كوريا. أثناء الحرب الصينية-اليابانية، لم يفقد الح ش ص سوى عددٍ صغيرٍ من القيادات العليا لجيشه على أرض المعركة مع العدوّ الياباني. مازال الح ش ص إلى اليوم لا يجرؤ على نشر إحصائيّات بخصوص جرحاه أثناء الحرب الصينية-اليابانية، كما لا نجد على كامل التراب الصيني الشاسع كثيرًا من المعالم التي تُؤرّخ لأبطال الح ش ص في الحرب الصينية-اليابانية.
في تلك الفترة، وضع الح ش ص “حكومة مناطق حدوديّة” في مقاطعات شآنسي و غانسو و نينغسيا، بعيدًا عن مواقع المعارك. باستعمال عبارة حاليّة كان الح ش ص يقود “بلدًا ذا نظاميْن” أو “صينان” في صين واحدة. قوّاد الح ش ص لم يكن ينقصهم الحماس في مواجهة اليابانيّين، ولكن الموظّفين السامين لم يكونوا صادقين في النضال أثناء الحرب الصينية-اليابانية. وبدلاً عن ذلك، اتّخذوا إجراءاتٍ ليُحافظوا على مواردهم ويستعملوا الحرب كفرصةٍ ليُقوّوا أنفسهم. عندما استأنف الصين واليابان علاقاتهما الديبلوماسية سنة 1972، كشف ماوو تسي تونغ لرئيس الوزراء الياباني كاكواي تاناكا أنّ الح ش ص مدين بالشكر لليابان لأنه لولا الحرب الصينية-اليابانية، ما كان الح ش ص ليصعد أبدًا إلى سدّة الحكم في الصين.
هذه هي الحقيقة بالنسبة للادّعاء الكاذب للح ش ص : ادّعائه بأنه قاد الشعب الصيني للمقاومة والصمود في وجه الحرب ضدّ اليابان لمدّة ثماني سنين كاملة إلى أن بلغ النصر في النهاية.
بعد نصف قرن من ذلك وعقب حادثة 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتّحدة، أصبحت المكافحة ضدّ الإرهاب محطّ اهتمام الجميع في العالم ؛ ولجأ الح ش ص مرّة أخرى إلى استراتيجيا كاذبة شبيهة بتلك التي استعملها أثناء الحرب الصينية-اليابانية. فقد اتّخذ ذريعة مقاومة الإرهاب ليُلصق تهمة الإرهاب بالعديد من أتباع الديانات والمعارضين والمجموعات التي التي لديها فيما بينها صراعات على الأرض وصراعات عرقيّة، وتحت غطاء الانضمام للموجة العالمية لمكافحة الإرهاب، أطلق مجموعة من الإجراءات القمعيّة العنيفة.
في 27 سبتمبر 2004، ذكرت وكالة شينهوا للأنباء صحيفة سيندجينغ قائلةً أنّ بيكين سوف تضع ربّما أوّل مكتب لمكافحة الإرهاب في كلّ مقاطعات الصين ومدنها. كثير من وسائل الإعلام الأجنبيّة الموالية للح ش ص وضعت في عناوينها الكبيرة أنّ “مكتب 610 ينضمّ إلى جهود مكافحة الإرهاب” (“مكتب 610” هو شبكة وُضِعت خصّيصًا لاضطهاد ممارسي الفالون غونغ)، مُؤكّدةً أنّ هذا المكتب المكافح للإرهاب سوف يُركّز جهوده على مقاومة “المنظمات الإرهابية” ومنها الفالون غونغ.
يُلصق الح ش ص تهمة “إرهابيّ” بناس لا يملكون أيّ سلاح، يتحلّوْن بنبذ العنف عندما يتعرّضون للهجوم أو للإهانات ويذهبون بطريقة سلميّة للمطالبة بحقّهم في حرّية الاعتقاد. لقد اغتنم الح ش ص فرصة المناخ السائد وهو مقاومة الإرهاب، وعبّأ “قوّته الخاصة المناهضة للإرهاب” وشحنها بالأسلحة ليُمعن في قمع هذه المجموعة المسالمة والعزلاء. وزيادة على ذلك اتّخذ من مكافحة الإرهاب ذريعة ليهرب من الاهتمام العالمي ومن الإدانة بسبب اضطهاده للفالون غونغ. مختلف أشكال الكذب المستعملة اليوم لا تختلف عن تلك التي استعملها الح ش ص أثناء الحرب الصينية-اليابانية وهي طريقة مُخجلة لمعالجة قضيّة جدّية مثل الجهود العالمية ضدّ الإرهاب.
التظاهر بالصدق وقبول الأشياء ظاهريّا مع رفضها في الباطن
الح ش ص لا يُؤمن بمذاهبه ولكنه يُجبر الآخرين على الإيمان بها. إنها واحدة من أكثر الطرق مكرًا من التي تستعملها طائفة الح ش ص. الح ش ص يعلم أنّ مذاهبه مغلوطة وأنّ فكرة الاشتراكية خاطئة. هو لا يُؤمن بمذاهبه الخاصة ولكنه يُجبر الناس على الإيمان بها. وهو يضطهد الناس التي لا تُؤمن بها. إنّ الح ش ص يُدخل على الدستور –وبطريقة وقحة فجّة- إيديولوجيا خادعة ويعتمدها كما لو كانت أساس الدولة الصينية. في الناحية العملية، يُمكن أن نلاحظ ظاهرة هامّة : وسط الصراع، يفقد الكثير من الموظّفين مراكزهم وذلك بسبب الفساد الذي ينخر الساحة السياسية الصينية. هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم من يدّعون الأمانة والنزاهة والتجرّد أثناء الاجتماعات العامّة، بينما هم في الخفاء يُمارسون الغشّ، والفساد، وسلوكيّات أخرى منحطّة. الكثير من هؤلاء الذين يزعمون أنهم “خدّام الشعب” سقطوا بتلك الطريقة، ونذكر منهم لي دجيانتينغ- الوالي السابق لمقاطعة يونّان، ليو فانغران- أمين الحزب في مقاطعة غيشو، شانغ وايغاوو- أمين الحزب في مقاطعة هيباي، تيان فانغشان-وزير الأرض والموارد، ووانغ هوايجونغ-لواء ووالي مقاطعة آنهوي. ومع ذلك لو تأمّلنا في خطاباتهم، سنكتشف أنه في كلّ مرّة بدون استثناء، كانوا يُساندون حملات مناهضة الفساد، ويأمرون بصفة متكرّرة موظّفيهم بتوخّي النزاهة، بينما هم أنفسهم كانوا يسرقون المال من الخزينة العامّة ويأخذون الرشاوي.
رغم أنّ الح ش ص مكّن الكثير من الإطارات المثالية من الصعود ورغم أنه جلب ناسًا مثاليّين ونشطين للالتحاق بالحزب وذلك بُغية تلميع صورته، الكلّ يستطيع أن يرى اليوم في أيّ حالة مُزرية توجد الأخلاق في الصين، وهي لم تفتأ تنحدر. لماذا لم تفعل بروباغاندا الح ش ص شيئًا من أجل قيام “حضارة روحيّة” لإصلاح هذا الأمر ؟
في حقيقة الأمر، لمّا تغنّى قادة الحزب الشيوعي بـ “الميزات الأخلاقية للشيوعية” أو رفعوا شعار “في خدمة الشعب”، كانوا يٌمارسون الكذب بعينه. إنّ التناقض بين القول والفعل لدى القادة الشيوعيّين يمكن أن نجده عند الأب الروحيّ لهم، مؤسس الشيوعية : كارل ماركس. لقد أنجب ماركس طفلاً غير شرعيّ. أمّا لينين فقد أصيب بمرض السيفيليس لكثرة معاشرته للمومسات. ستالين وقع تتبّعه قضائيّا لأنه أجبر راقصة على إقامة علاقة جنسية معه. ماوو تسي تونغ كان يعيش في عربدة مطلقة. جيانغ زمين إنسان مهووس جنسيّا بحقّ. كلّ أفراد عائلة القائد الشيوعي الروماني تشاوسيسكو أثروْا ثراءًا فاحشًا. القائد الشيوعي الكوبيّ كاسترو يُكدّس مئات ملايين الدولارات في أرصدة بنوك أجنبية. سفّاح كوريا الشمالية الشيطاني كيم II تسونغ وأبناؤه يعيشون حياة كلّها بذخ وانحراف.
المواطنون العاديّن في الصين-في سائر الأيام- يتقزّزون من دورات الدروس السياسية، ويجدونها جوفاء. إنهم يتحدّثون اليوم بطريقة ملتبسة أكثر فأكثر عن الشؤون السياسية، لأنّ الكلّ يعلم أنّ هذه الدورات كلّها خداع. ولكن لا أحد من بينهم، لا المُحاضر ولا المستمعون، يجرؤ على الحديث بصراحة عن هذه الأكاذيب. إنه “سرّ شائع”. الناس يُسمّون هذه الظاهرة : “التمثيل الصادق”. المفاهيم التي يصدح بها الح ش ص، مثل “التمثيلات الثلاث” التي ظهرت منذ بضعة سنين، أو “تحسين القدرة على الحكم” التي أتت بعدها، أو “القلوب الثلاثة” التي ظهرت اليوم- أو “تدفئة قلوب الناس، وتهدئة قلوب الناس، وكسب قلوب الناس” – كلّها ترّهات. من هو الحزب الحاكم في الدنيا الذي لا يعرض امتيازات على شعبه ؟ من هو الحزب الحاكم في الدنيا الذي لا يهتمّ بتحسين قدرته على الحكم ؟ من هو الحزب الحاكم في الدنيا الذي لا يحاول كسب قلوب الناس ؟ كلّ حزب يُهمل هذه النواحي سيجد نفسه سريعًا مطرودًا خارج الحلبة السياسية. ولكنّ الح ش ص يتعامل مع هذه الشعارات الفارغة كما لو كانت نظريّات معقّدة وعميقة ويُجبر الشعب بأكمله على تدارسها.
لقد طغى التمثيل على تفكير الملايين من الناس وعاداتهم وشكّلها، لقد صار هذا ثقافة الحزب، لذلك فقد أصبح المجتمع بأكمله مزيّفًا، ومتكبّرًا، وغبيّا، مجتمع يفتقد للنزاهة والثقة هو مجتمع في أزمة. لماذا خلق الح ش ص مثل هذه الظروف ؟ في الماضي كان هذا من أجل إيديولوجيّاته والآن هو من أجل مصلحته. أعضاء الح ش ص يعرفون أنهم يُمثّلون، ولكنهم يستمرّون في التمثيل. لو لم يكن الح ش ص يُشهر شعارات وإجراءات مثل تلك، فلن يكون بإمكانه أن يسوم الشعب العذاب. إن كان الأمر كذلك، فكيف سيجعل الناس يتبعونه ويخافونه ؟
التخلّي عن الضمير والتضحية بالعدل خدمة لمصالح الحزب
في كتابه “التطوّر الأخلاقي للحزب” نجد لي شاوو تشي يفسّر بالأساس حاجة “أعضاء الحزب لجعل مصالحهم الشخصية في خدمة مصالح الحزب”. الأشخاص المُستقيمون الذين يشغلون أنفسهم بمصلحة البلاد ومصلحة الشعب لم ينقطعوا أبدًا من صفوف الحزب، وكذلك الموظّفون النزهاء الذين كانوا فعلاً في خدمة مصالح الشعب. ولكنّ هؤلاء الموظّفين لا يستطيعون أن يبقوْا ويواصلوا طريقهم في ظلّ الآلة الجهنمية للمصالح الشخصية داخل الح ش ص. تحت الضغط المستمرّ لـ “وضع اعتبارات طبيعة الحزب فوق اعتبارات إنسانيتهم”، اكتشفوا أنه يستحيل عليهم أن يواصلوا في ذلك الطريق دون أن يُعرّضوا أنفسهم لخطر العزل من وظائفهم أو أسوء من ذلك : أن يصبحوا فاسدين بدورهم.
لقد عاش الشعب الصيني بنفسه تجربة عنف نظام حكم الح ش ص وأحسّ بهذا العنف في أعماقه، ونمّى في أعماقه خوفًا دفينًا من عنف الح ش ص. لذلك نجد الناس في الصين يخافون من تأييد صوت العدالة ولم يعودوا يعتقدون في القوانين السماوية. في البداية هم ينصاعون لسلطة الح ش ص، ثمّ تدريجيّا يفقدون الإحساس ولا يعودون يعتبرون أنفسهم معنيّين بمواضيع لا تمسّهم مباشرة. حتّى المنطق الذي تخضع له أفكارهم وقع تكييفه وتشكيله بعناية ليخضع لنفوذ الح ش ص. هذه هي نتيجة الطبيعة الإجرامية العصابويّة للح ش ص.
الح ش ص يستغلّ المشاعر الوطنية ليعبّأ الشعب
يستعمل الح ش ص شعارات “وطنيّة” و “قوميّة” لاستنفار الناس. هذه الأخيرة لم تعد فقط الصيحات الأساسية التي تجمع الناس تحت لواء الح ش ص، ولكنها أيضا أوامر تُعطى بصفة متكرّرة واستراتيجيّات تمّ اختبارها على مرّ الزمن. عندما يقرأ بعض الصينيّين القاطنين في الخارج الدعاية القومية في النّسخ الناطقة بالأجنبية لصحيفة البيبلز دايلي،- يمكن أن يجعلهم ذلك قوميّين أكثر من الصينيين القاطنين في الصين أنفسهم-على الرغم من أنهم يعيشون في الخارج منذ عقودٍ من السنين ولم يجرؤوا على العودة للعيش في الصين. بفعل الأصابع الخفية الح ش ص، نجد الشعب الصيني-والذي لم يجرؤ على قول “لا” أمام كلّ سياسة الح ش ص، استبدّ به التهوّر ودفعه لمهاجمة سفارة وقنصليّة الولايات المتحدة في الصين، وقذفها بالبيض والحجارة، وحرق سيّاراتٍ وأعلامًا أمريكيّة، كلّ هذا تحت مُسمّى “الوطنية”.
كلّ مرّة واجه فيها الحزب الشيوعي وضعيّة حرجة تقتضي طاعة الناس، استعمل “الوطنية” و “القومية” لتعبئتهم سريعًا. في كلّ الحالات، وخصوصًا بشأن تايوان، وهونغ كونغ، وفالون غونغ، وحادثة اصطدام طائرة تجسّس أمريكية بطائرة قتال صينية، استعمل الح ش ص مزيجًا من طرق الترويع العنيف وغسيل الدماغ الجماعي ليوصل الناس إلى الإحساس بأنهم في حالة حرب. هذا التصرّف يشبه تصرّف الفاشيّين الألمان.
عندما يمنع مرور أيّ معلومة، يُصبح غسل الدماغ المُبرمج من قِبل الح ش ص نجاحًا منقطع النظير. الشعب الصيني، رغم أنه لا يحبّ الح ش ص، يُفكّر بالطريقة العوجاء التي زرعها فيه هذا الأخير. مثلاً أثناء الحرب التي شنّتها أمريكا على العراق، الكثير من الناس تحمّسوا وهو يشاهدون التحليل اليوميّ للأوضاع على القناة التلفزيونية سي سي تي في. أصبحوا يُحسّون بكُره شديد، وبحبّ الانتقام، وبرغبة في الصراع في نفس الوقت الذي يلعنون فيه حربًا أخرى.
انعدام الضمير- وضع الحزب في مرتبة قبل البلاد وإجبار الناس على اعتبار عدوّهم مثل والدهم
إحدى الجمل التي كثيرًا ما يستعملها الح ش ص لتهديد الناس هي “اندثار الحزب واندثار البلاد”- لاحظوا أنه يضع “الحزب” قبل “البلاد”. المبدأ القاعديّ في الصين هو :”لن تكون هناك صين جديدة بدون الح ش ص”. منذ نعومة أظفارهم، تتمّ تربية الناس على “الاستماع لما يقوله الحزب” و “التصرّف مثل أبناء الحزب الأبرار”. يتغنّوْن بمحاسن الحزب :”أنا أعتبر الحزب مثل أمّي”، “آه، أيّها الحزب، يا أمّي الحبيبة”، “الرحمة المُخلّصة للحزب أعمق من المحيط”، “حبّي لأبي ولأمّي لا يستطيع أن يفوق حبّي للحزب”. ويستجيبون لـ :”اذهب وقاتل حيث يأمرك الحزب أن تذهب”. عندما تقدّم الحكومة مساعدة في حالة وقوع كارثة، كان الناس يشكرون “الحزب والحكومة”- “الحزب” أوّلاً ثمّ “الحكومة”. هناك شعار عسكريّ يقول :”الحزب يتحكّم في فوّهة البندقية”. وحتّى عندما حاول الخبراء الصينيّون ابتكار بدلة القضاة في المحاكم، وضعوا أربع أزرار ذهبية على ياقة البدلة، هناك أزرار مُصفّفة من الأعلى إلى الأسفل، وترمز بالترتيب إلى : الحزب، الشعب، القانون، والبلد. هذا يعني أنه حتّى وإن كنت قاضيًا، يظلّ الحزب دائمًا فوق القانون، وفوق البلد، وفوق الشعب.
لقد أصبح الحزب هو “الذات العليا” في الصين وأصبح البلد مجرّد تابع للحزب. البلد يحيا من أجل الحزب والحزب يُعتبَرُ تجسيدًا للشعب ورمزًا للبلد. محبّة الحزب، ومحبّة قائد الحزب، ومحبّة البلد اختلطت بعضها ببعض، وهو السبب الذي من أجله تشوّه مفهوم الوطنية في الصين.
تحت التأثير الخفيّ ولكن الدّؤوب لبرامج التربية ولدعاية الح ش ص، الكثير من الناس، سواءًا أكانوا أعضاء في الحزب أم لا، بدؤوا يخلطون الحزب مع البلد، سواءًا عن وعي أو عن غير وعي. وانتهى بهم الأمر إلى الاعتقاد بأنّ “مصالح الحزب” أعلى من كلّ شيءٍ آخر، وإلى تأييد كون “مصالح الحزب تضاهي مصالح الشعب والبلد”. عواقب مذهبة الح ش ص خلقت أخيرًا مناخًا يخون فيه الحزب المصالح القومية.
لعبة “الإصلاح” ووصف أعمال إجرامية بأنها “نجاحات كبرى”
ارتكب الح ش ص كثيرًا من الهفوات في تاريخه، ولكنه ألقى باللاّئمة دائمًا على بعض الأشخاص أو المجموعات باستعمال “الإصلاح وإعادة التأهيل”. من نتائج هذا الأمر أنه لا فقط جعل الضحايا ممتنّين عميق الامتنان للح ش ص ولكنه أيضًا خوّل للح ش ص أن يغسل عنه أعماله الإجرامية. يدعو الح ش ص إلى “لا خوف من ارتكاب الأخطاء، المهمّ هو إصلاح الأخطاء” وقد أضحى هذا الشعار الوصفة السحرية للح ش ص لتجنّب الإدانة مباشرةً. لهذا يظلّ الح ش ص إلى الأبد “عظيمًا، ومجيدًا، وعادلاً”.
ربّما في يوم مّا يُقرّر الح ش ص أن يكفّر عن مجزرة ساحة تيان آن مان وإعادة الاعتبار لسمعة الفالون غونغ. ولكنها لن تكون سوى خُططٍ ماكيافلية في إطار محاولة يائسة لتمديد أجل حياته التي توشك على الانطفاء. الح ش ص لا يملك أبدًا الشجاعة للتفكّر في أمره، ولعرض جرائمه على الملأ ولدفع ثمن هذه الجرائم.

VI . شرّ الح ش ص يظهر في لجوءه لإرهاب الدولة لمهاجمة مبادئ “الحق، الرحمة، التسامح”
حادثة الانتحار حرقًا في ساحة تيان آن مان، والتي كانت تمثيليّة من إخراج الح ش ص، يمكن اعتبارها كذبة القرن. بهدف القضاء على الفالون غونغ، بلغ الشرّ بهذه الحكومة إلى درجة أن تقوم بإقناع خمسة أشخاص بالتظاهر بكونهم ممارسو فالون غونغ وأن تعدّ مشهد تظاهرهم بالانتحار حرقًا. هؤلاء الأشخاص الخمسة، بتحالفهم مع الباطل ومع الكذب، وقّعوا بدون أن يشعروا على وثيقة موتهم، بعضهم ضُرب إلى حدّ الموت على أرضيّة الميدان نفسها، والآخرون قُتلوا فيما بعد. إنّ الإعادة البطيئة لتسجيل فيديو الانتحار حرقًا كما بثّته السي سي تي في، يُظهِر بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ ليو تشونلينغ، أحد الأشخاص الخمسة الذين أضرموا النار في أنفسهم، مات على الفور متأثّرًا بالضرب الذي تلقّاه من ضابط الشرطة. هناك أشياء أخرى تدلّ على انعدام التسلسل المنطقي للأشياء نجدها تظهر في مختلف اللقطات، مثل كيفيّة جلوس وانغ دجيندونغ، القارورة البلاستيكية (التي يُفتَرَضُ أنها ملآنة بنزينًا) التي ظلّت كما هي بين ساقيْ الرجل حتّى بعد أن وقع إطفاء النار، الحديث الذي دار بين الدكتور و ليو سيي يينغ، أصغر الضحايا سنّا، وتواجد المصوّر مع الكاميرا، جاهزًا للتصوير من قبل أن تقع الحادثة حتّى. لدينا ما يكفي من الأدلّة التي تُظهِر أنّ هذا الانتحار حرقًا كان مسرحيّة إجراميّة ألّفها ووضعها نظام جيانغ زمين الفاسد لكي يُطيح بالفالون غونغ.
لقد لجأ الح ش ص لطرق لا توصف في قسوتها في سعيه للقضاء تمامًا على الفالون غونغ. لقد اختلس موارد ماليّة للأمّة وقع تجميعها على مدى الـ 20 سنة الأخيرة من الإصلاح الاقتصادي والانفتاح. لقد عبّأ الحزب، والحكومة، والجيش، والشرطة، والجواسيس، والديبلوماسيين الأجانب، ومنظمات أخرى حكومية وغير حكومية ؛ كما تحكّم في نظام التغطية الإعلامية، واضعًا حصارًا منيعًا على المعلومات بواسطة أجهزة مراقبة فرديّة وبواسطة تقنيات عالية. كلّ هذا من أجل هدف وحيد : اضطهاد مجموعة من الناس مسالمة تعتقد في الفالون غونغ، وهي طريقة ممارسة تشيكونغ صينية تقليدية للجسم والروح، وفق مبادئ “الحق، الرحمة، التسامح”. اضطهاد ناس بريئين بمثل ذلك العنف، اضطهادهم من أجل عقائدهم يكشف عن الطبيعة المنحطّة للح ش ص.
لم يكذب أيّ كائن شرّير بطريقة أكثر مكرًا وأكثر وقاحةً كما كذب جيانغ زمين والح ش ص. إنهم يستعملون أكاذيب مختلفة، كلّ منها موجّه بدقّة لمختلف المفاهيم والأفكار التي يملكها الناس ويهدف للتحكّم فيها واستخدامها، ممّا يخوّل لهم خداع الناس بأكثر سهولة، ويخوّل للحزب أن يُحرّض الناس على كره الفالون غونغ. أتعتقد في العلم ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ يُروّج للخرافات والأشياء التي لا وجود لها. أترى أنّ السياسة كريهة ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ ناشط سياسيّا. أتغارُ من الأثرياء سواءً كانوا في الصين أم في الخارج ؟ سيقول الح ش ص أنّ ممارسي الفالون غونغ يُكدّسون الثروات. أأنت ضدّ المنظمات ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ منظمة سرّية. أكرهتَ عبادة الفرد الواحد التي توجد في الصين منذ عقودٍ ؟ سيقول الح ش ص أنّ تمارين الفالون غونغ تمارس سيطرة ذهنية ونفسية على الشخص. أمُغرمٌ أنت بالوطنية ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ هو ضدّ الصين. أتخشى الفوضى ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ زعزع الاستقرار. أتؤمن بأنّ الفالون غونغ يدعو إلى الحق والرحمة والتسامح ؟ سيقول الح ش ص أنّ الفالون غونغ ليس صادقًا ولا رحيمًا ولا متسامحًا. بل إنه شوّه حقيقة الأشياء لدرجة أنه ادّعى أنّ الرحمة يُمكن أن تُذكي الرغبة في القتل.
هل تظنّ أنّ الحكومة غير قادرة على صنع هذه الأكاذيب ؟ الح ش ص يخترع أكاذيب أكبر من هذه وأفظع من هذه، تمتدّ من أخبار الانتحار إلى الانتحار حرقًا، ومن مقتل الأقارب إلى جرائم القتل الجماعي – أكاذيب كثيرة وكثيرة من الصعب عليك ألاّ تصدّقها. هل تتعاطف مع الفالون غونغ ؟ إذًا فالح ش ص سيُقيّمك من وجهة نظر سياسية في إطار اضطهاد الفالون غونغ : إن ذهب ممارسو الفالون غونغ الذين أنت مسؤول عنهم إلى بيكين للمطالبة بحقوقهم، فسيتمّ تخفيض رتبتك أو تنحيتك من وظيفتك، أو حرمانك من منحتك. باختصار يُجبرونك على أن تكون عدوّا للفالون غونغ.
لقد اختطف الح ش ص ممارسي فالون غونغ لا يُحصى عددهم وأخضعهم لحصص غسل دماغيّ يهدف لإرغامهم على التخلّي عن معتقدهم، وعلى الطعن في الفالون غونغ وشتمه، ولانتزاع التزامٍ منهم بالتوقّف عن ممارسة الفالون غونغ. لقد استعمل الح ش ص مختلف الوسائل الشريرة لإقناعهم، مُستعينًا تارة بأقربائهم ليتدخّلوا، وطورًا بوضع مستقبلهم المهني والتعليمي في الميزان، كوسيلة للضغط عليهم، معرّضًا إيّاهم لمختلف أنواع التعذيب القاسية وبلغ به الأمر حتّى لمعاقبة أفراد عائلتهم وزملائهم. ثمّ بعد ذلك، ممارسو الفالون غونغ الذين نجحوا في غسل دماغهم يستعملونهم لغسل أدمغة الآخرين. إنّ الح ش ص الفاسد يسعى لتحويل ناس خيّرين إلى شياطين ويقودهم إلى السير في طريق مظلمة بقيّة حياتهم.

.VII اشتراكية جائرة بخصوصيّات صينية
إنّ عبارة “خصوصيّات صينية” تصلح للتستّر على جرائم الح ش ص. يُنادي الح ش ص منذ القديم بأنّ الثورة الصينية مدينة بنجاحها لـ “تنزيل الماركسية-اللينينية في صلب الواقع المعيش للثورة الصينية”. طالما استعمل الح ش ص عبارة “خصوصيّة” وأساء استعمالها إذ صارت هذه العبارة قاعدة إيديولوجية لسياسته متقلّبة الأهواء والمؤذية.

طرق مزاجيّة وخدّاعة
تحت التسمية الخادعة لـ “خصوصيّات صينية”، لم يفعل الح ش ص غير الإمعان أكثر في الجنون.
كان هدف الح ش ص في الثورة هو الاستيلاء على الممتلكات العامّة تحت مُسمّى “الإنتاجية” ؛ لقد خدع عددًا كبيرًا من الشباب وجعلهم يلتحقون بالحزب متأثرين بالمثل الشيوعية العليا التي تدعو إلى الترابط والتآزر. الكثير منهم خانوا عائلاتهم مانحين ممتلكات العائلة للح ش ص. ولكن 83 سنة بعد انطلاق الح ش ص، ظهرت الرأسمالية من جديد كجزءٍ لا يتجزّء من الح ش ص نفسه الذي كان في الأصل يرفع شعار المساواة.
الكثير من أبناء قادة الح ش ص وأقاربهم اليوم أصبحوا الرأسماليين الجدد الأثرياء، والكثيرون من أعضاء الحزب يُريدون هم أيضًا أن ينضمّوا للأثرياء الجدد. لقد قضى الح ش ص على أصحاب الأراضي والرأسماليين باسم الثورة وسرق ممتلكاتهم. الآن، بواسطة الاختلاس والفساد، نرى أنّ “مَلـَكيّة” الح ش ص الجديدة أخرجت للوجود رأسماليين أكثر ثراءًا من ذي قبل. أولئك الذين اتّبعوا الحزب في ثوراته الأولى يتنهّدون اليوم بحسرة :”لو كنتُ أعلم ما ستؤول إليه الوضعيّة فيما بعد، ما كنتُ اتّبعتهم.” بعد عقودٍ عديدةٍ من الجهود، والصراعات، والعذاب، والمعارك، اكتشفوا أنهم أعطوْا بكلّ بساطة ممتلكات إخوانهم وآبائهم وممتلكاتهم الخاصّة للإيديولوجيا الفاسدة للح ش ص.
يتحدّث الح ش ص عن قاعدة اقتصادية تحدّد البناء الفوقي، في الحقيقة “البناء الفوقي المستبدّ” تفرضه قاعدة اقتصادية وبيروقراطية من موظفي الح ش ص الفاسدين- بناء فوقيّ يعتمد على العنف لكي يعيش. وبهذه الطريقة أصبح قمع الشعب السياسة الأساسية للح ش ص.
خاصّية أخرى جائرة للح ش ص هي أنه يُغيّر تعريف كلّ مفهوم ثقافي، إذ يُراجعه ويُصحّحه، ثمّ يستعمل هذا التعريف الخاص به –تعريفه هو للأشياء- لينتقد الناس ويتحكّم فيهم. كلمة “حزب” مثلاً هي أحد هذه المفاهيم. منذ القديم أنشِأت الأحزاب في الخارج سواءًا في الصين أو في خارجها. ولكن الحزب الشيوعي هو الوحيد الذي يمارس سلطته خارج الإطار الجماعي : إن التحقت بالحزب، فسيتحكّم في كلّ جوانب حياتك، بما في ذلك وعيك، وسيلة كسب قوتك، وحياتك الشخصية. عندما يستحوذ الح ش ص على السلطة السياسية، يتحكّم أيضًا في المجتمع، وفي الحكومة، وفي جهاز الدولة. ويفرض وجهة نظره في كلّ الميادين، وفي مواضيع شديدة الأهمّية مثل اختيار رئيس الدولة أو وزير الدفاع. إنه هو من يُقرّر القوانين وهو من يُقرّر كيفيّة تنفيذ القوانين، وصولاً إلى أصغر الشؤون، مثل المكان الذي يجب أن يُقيم به الشخص، ومن يمكنه أن يتزوّج، وكم من الأطفال يمكنه أن يُنجب. إنّ الح ش ص يلجأ لكلّ وسائل التحكّم التي يمكن تخيّلها.
باسم الديالكتيك